الفن التشكيلي

      

الفنون التشكيلية في العالم العربي

 

في مرحلة حاسمة من تاريخ الأمة العربية والإسلامية كانت الدعوة إلى وحدة الموقف والهدف.. تجمعت كل القوى المحبة والسلام تدعو إلى التمسك بمبادئ الإسلام وتسعى إلى البحث عن جذور الروابط التي توحد بين شعوب العالم الإسلامي والعربي. ودعوة كلها الأمل والثقة في أن لعالمنا العربي جذور واصول تربط بين جوانبه مهما قست الظروف وزادت الخلافات تحت ضغط الصراعات الدولية وينطبق ذلك على كل جوانب الحياة في مجتمعاتنا من الناحية السياسية والاجتماعية والثقافية.. والفنون بكل أشكالها تلعب دوراً هاماً وخطيرا في تهيئة مناخ حضاري يتناسب وحاجتنا إلى التقارب.. وهي الواجهة التي يقيس بها المتخصصون قدرة المجتمعات الإنسانية على التماسك والصمود أمام دوامة الصراعات السياسية وما ينتابها م توتر إلى نوع من الانضباط النفسي والتوازن الحضاري وقد كانت فترة النصف قرن الماضية هي اكثر المراحل نشاطا وازدحاما بالمتغيرات في بنية المجتمع العربي ولم يخلو ركن من أركانها من نداءات الاستقلال والحرية والتخلص من سيطرة الاستعمار ليس في الجانب السياسي فقط ولكن ذلك يشمل أيضا محاولة التخلص مما فرضته النظم المستعمرة على هذه الشعوب في كل المجالات الاجتماعية والثقافية والتربوية. وكانت الفنون التشكيلية أحد هذه الجوانب بمفهومها الشامل. فقد أخذت حركة الفن التشكيلي في مراحلها الأولى بكل متغيرات الغرب وحسب قواعده وضوابطه الحضارية.. بداية خاطئة تبدو فيها التبعية الغير منضبطة والتي أدت في النهاية إلى ما نعاني منه الآن من أزمة معقدة كلما حاولنا الخروج منها تواجهنا سرعة العصر واندفاعه فنضيع في متاهات نظرية حول الفن والإبداع والشخصية والتراث تؤدي بنا نحو التشتيت وعدم الاستقرار.
وبقدر قسوة الصراع كان إصرارنا على الاستمرار وكان دائما ما يدور في أذهان فناني العالم العربي ما لتاريخهم وتراثهم الحضاري العريق من اثر في بعث نهضة البشرية عبر التاريخ ونجد أنفسنا في النهاية أمام تساؤل هام. كيف أن مثل هذا الماضي العريق والمؤثر 00 لا يؤدي إلى نهضة عربية إسلامية في مجالات الحياة المعاصرة ؟ وهذا ما سوف نحاول الإجابة عليه..
لقد ظلت ثقافة العرب وعلومهم وفنونهم تهيمن على العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه وكان لها الاستقرار والازدهار في ظل سلطان العرب وفتوحاتهم الإسلامية التي حملت معها رؤي جديدة للحياة ومفاهيم وفلسفات ثرية بالمعرفة والإيمان ولما كان الفن يعتبر أحد صور الثقافة فقد حمل هو أيضا روح الإسلام المتأصلة في ضمير العروبة مؤكدا أصالته واستطاع بذلك أن يسمو بروحه الكامنة لتشمل تقاليد وثقافات وفلسفات غنت بها حضارات المنطقة.
المنطقة العربية التي سكنتها أمم عريقة منذ فجر البشرية وحمل التاريخ لنا من خلال فنونهم مدى أصالتهم والتي مكنتنا بدورها من التعرف على مفاهميهم وتقاليدهم والتي كانت تؤكد دائما على وجود وحدة وإيقاع مشترك في كل نواحي الوجود الطبيعي والحياة البشرية ساعد واكد على ذلك خضوعها لمناطق اتصال جغرافية وتركيبه اجتماعية متا شبهة إلى حد كبير وجنسية في أصولها، تشترك دائما في صنع تاريخها وحضارتها وثقافتها، وكانت هناك أيضا شبه وحدة عقائدية يتضح من تداخل أساطيرهم وفكرهم الديني، نخرج من ذلك بحقيقة أن تاريخ امتنا العربية تجمعه وحدة فكرية وحضارية تطورت في صور مختلفة عبر العصور واقتربت من بعضها في مراحل تاريخية مشتركة ساعدت العصور الإسلامية على نمو شخصيتها العربية في ظل الدين الجديد وخاصة فيما يتصل بالمظاهر الحضارية وتكيفها مع الفلسفة والفكر الإسلامي.
هذه الوحدة ظهرت وانعكست في كل الظواهر الفنية والتي لازمت الجذور الأولى للامة العربية فكانت أصول الفن الآشوري والبابلي والكلداني لها امتداداتها في الآرامي والفينيقي والذي اقترب هو الآخر وحضارات بلاد الشام مع فنون مصر ولاتي تميزت بالتركيب الهندسي ذو الواقعية الكونية التي تعني في المقام الأول ما يحمل الفن المصري القديم من معاني القداسة والخلود والتي امتدت آثاره بعد ذلك في الفنون القبطية ثم في الفن الإسلامي.
أن مثل هذا المفهوم للوحدة ولما تحمله فنون وحضارات منطقتنا من قدرة على التطوير والتحوير في الأشكال الفنية والسمو بها وتوظيفها لخدمة مجتمعاتنا عبر التاريخ لا يمكننا تجاهلها فقد لعبت دورا هاما في خلق شخصية الفن العربي والإسلامي فيما بعد وهي التي يمكننا أن نتمسك بأصولها في رحلتنا مع تطور أساليب التعبير الفني في عصورنا الحديثة مع أخذنا في الاعتبار أن الفنان العربي المسلم كان يهتم بجوهر المحسوسات ما دامت تحملها الأشكال ويبقى عليها خفيه معتمدا على الوحياو بمعنى آخر على الحدس. الأمر الذي سعت إليه الفنون الغربية في مدارسها الحديثة وخروجاً
من فلسفات (برجسون) و(كروتشا) والتي كانت سببا في محاولات التقريب التي قام بها المؤرخون في الربط بين الفن العربي الإسلامي وفنون الغرب. وهي نفسها التي أوجدت نوعاً من التقارب بين فنون العرب المسلمون في كل العهود والأقاليم العربية وبما أن لنا مثل هذا التراث العظيم والذي يعتمد في أصوله على قواعد وقياسات بنيت عليها مدارس الفن الحديث الغربية أو بعضها على الأقل فلماذا نجري وراء هذه المدارس والاتجاهات نقلدها ونحن نملك أصولها؟
أن بداية رحلة الفن التشكيلي الحديث والمعاصر في عالمنا العربي لم تبدا بما وصل إليه أجدادنا في نتاجات فنية أصيلة ولكنها بدأت مع ظروف مختلفة وتحت سيطرة فكرية وثقافية دخيلة علينا تأثرنا بها وسرنا على منوالها غافلين عن أن التاريخ يسجل لنا معابرنا الحضارية أثرت فنونهم وساعدت على نهوضها.

وبناء عليه فان عملية التنظير للحركة التشكيلية في العالم العربي تمر بطريق وعر تكثر فيه الفجوات حيث نجد صعوبة في إيجاد نوع من التسلسل أو الاتصال بين مراحله، هذا مع الوضع في الاعتبار أن فجوة أو آخر عصر النهضة في أوروبا وعصري الباروك والروكوكو وعصر الشهيرة العربية والتي لازمها تطور في كل مجالات الحياة والبحث والتقدم العلمي لم تلتفت إلى بلادنا ألا باعتبارها مواد للدراسة وكنوزا للاقتناء وبالأخذ من علومنا وفنوننا لا ثراء أوروبا الناهضة أم فناني العالم العربي والإسلامي في هذه الفترة فقد ضاعوا في حرفهم يتقنونها ولا يستطيعون إضافة الجديد إليها فتوقفت عجلة التطور بالنسبة لنا ولم نبدأ في التحرك إلا أخيرا ونحن مقيدون بقياسات حضارية وعلوم وإيقاع متطور وسريع تصيبنا الحيرة إذا حاولنا البحث عن ذواتنا من خلاله .. لست متشائما تماما حول مستقبل الحركة فما دمنا قد بدأنا بمناقشة هذا دليل على إننا نسعى إلى الخروج من هذه التبعية لنمسك بأصول هويتنا الفنية ولنعيد النظر في تراثنا المتنوع بين التاريخ القديم وبين عصور الوحدة والتوحيد تحت ظل الإسلام وبين فنوننا الفطرية والشعبية والتي ما زالت تحمل قدرا من الصدق والبراءة والقيمة الخالصة التي نحن في حاجة إليها.
سوف أحاول في هذا التنظير المختصر أن استجمع خبراتي في
التلاقي والتحاور والتي أرجو أن تلتقي مع خبرات رفقائي في التخصص لندعو إلى نهضة عربية ومعاصرة في مجال الفن.. لقد كان لعلاقاتي الوطيدة بالعديد من الناقد الغربيين وكذلك بفناني العالم الثالث وفناني عالمنا العربي اثر كبير في إحساسي بالثقة بإمكانية عبور هذه المرحلة نحو مستقبل زاهر ولذلك فسوف أتطرق إلى طبيعة الفنان التشكيلي العربي اليوم وما هي مكونات شخصيته حضارياً.
مع الرجوع إلى روادنا لنأخذ ممن سلك منهم الطريق الصعب نحو الحفاظ على أصالته / القدوة. وسوف يأخذنا هذا المسار إلى إدراك الفارق الواضح لما تحمله مضامين تجاربنا من حس وجداني وفكر ومحتوى صادق وحقيقي يترجم كل ما مرت به مجتمعاتنا من تطلعات وآمال وضغوط وآلام قد تغني عن مقالات ومقالات من خلال لغة الشكل التي نعبر بها والتي قد تخرج وتنحرف نحو أساليب الغرب ولكننا إذا فهمنا معنى الشكل بطريقة اكثر علمية لأدركنا أن مفرداته المجردة قد تحمل معاني ومذاق خاص مهما حاول المنظرين إخضاعها لمدارس التشكيل الغربية.

سوف يقودنا هذا إلى فهم التيارات والمذاهب الفنية والتي ظهرت في مجتمعاتنا العربية خلال القرن العشرين والتي قد توصلنا إلى حقيقة أن إطلاق حرية التعبير للفنان التشكيلي العربي دون قيود سوف يوصله إلى أول الطريق، وأننا مهما فعلنا فلن نستطيع أن نخلع عنه رداء العصر وفي نفس الوقت لن يستطيع كائن من كان أن يقتل داخله انتمائه إلى وطنه وعشيرته.

                                                                           
                                                                                            

 

 

 

 

 


 

 

Comments