كليلة ودمنة

  1.  كليلة ودمنه " لـ عبد الله بن المقفع

    مقدمة



    هذا الكتاب، (كليلة ودمنة)، من أجَلّ ما أبدعه الشرقيّون في السياسة والأخلاق، ويتضمَّن أشهر ما أجْرَوْه علي ألسنة الحيوانات من قصص وأمثال. وقد تضافر علي تأليفه بصورته التي نعرف ثلاثة من حكمائهم، وحَظِي عند الأدباء وعامّة الناس حُظوة لم يبْلُغها إلاّ القليل من الكتب الموضوعة في العصر العبّاسي الأول، فكثر نسْخُه، وتفنّن الخطّاطون والمصوِّرون في تزويقه، ثم تُرجم إلي لغات عدّة، وتأثّر به كتّابٌ من الشرق والغرب علي السواء، فهو بذلك مثلٌ نادر، بل فريد، للتفاعل بين الآداب العالميّة. 

    ويُجمع الباحثون علي أن الكتاب هندي الأصل، صنَّفه البراهما (وشنو) باللغة السنسكريتيّة في أواخر القرن الرابع الميلاديّ، وأسماه (بنج تنترا)، أي الأبواب الخمسة. ويُقال إنّ ملك الفرس (كسرَي آنوشروان) (531-579م) لما بلغه أمرُه أراد الاطّلاع عليه للاستعانة به في تدبير شؤون رعيّته، فأمر بترجمته إلي اللغة الفهلويّة -وهي اللغة الفارسية القديمة-، واختار لهذه المهمة طبيبه (بَرْزَوَيْه) لما عرف عنه من علمٍ ودهاء. إلاّ أنّ (برزويه) لم يكْتفِ بنقل (بنج تنترا)، بل أضاف إليه حكايات هندية أخري، أخذ بعضها من كتاب (مهاباراتا) المشهور، وصَدّر ترجمته بمقدّمة تتضمّن سيرته وقصّة رحلته إلي الهند. وفي مُنتصف القرن الثامن الميلادي، نُقل الكتاب في العراق من الفهلوية إلي العربية، وأُدرج فيه بابٌ جديد تحت عنوان (الفحص عن أمر دمنة)، وأُلحقت به أربعةُ فصولٍ لم ترِدْ في النصّ الفارسي، وكان ذلك علي يد أديب عبقريٍّ يُعتبر بحقّ رائد النثر العربيّ، وأوّل من وضع كتابًا عربيًّا مكتملاً في السياسة، هو (عبد الله بن المقفَّع). 

    وُلد (ابن المقفع) سنة 720 ميلاديّة في بلدة (جور) الفارسيّة (التي أطلق عليها فيما بعد اسم (فيروزاباد))، وفيها ترعرع إلي أن بلغ أشُدَّه، فاصطحبه أبوه إلي (البصرة) حيث اعتنق الإسلام، وقرأ علي الشعراء والرواة واللغويّين المرموقين في عصره حتّي تمكّن من اللغة العربيّة وآدابها. ثم عمل كاتبًا للولاة الأمويّين في (كرمان) بإيران، وبقي في خدمتهم إلي أن انتصر العباسيّون، فالتحق بهم، ولزم (عيسي بن علي) عمّ الخليفة (المنصور). وكان (ابن المقفع) في أثناء ذلك يترجم ويؤلّف، مشاركًا في الحركة العلميّة الفذّة التي ازدهرت في (البصرة) و (الكوفة); فمن ترجماته التي لا يرقَي إليها الشك: (كليلة ودمنة) وكتابان أو ثلاثة في سِيَر ملوك الفُرس ونُظُمهم وعاداتهم، وله كذلك مؤلّفان في نصيحة الملوك هما: (الأدب الكبير) و (رسالة في الصحابة). 

    ولكنّ قُرب (ابن المقفَّع) من بيت الخلافة، وتعرُّضه لأمور المُلك في زمن احتدم فيه الصراع علي السلطة، أوْغَرا عليه صدور الحكّام، فاتُّهِم بالزَّندَقَة وأُلقي القبض عليه في (البصرة) بأمرٍ من الخليفة سنة 756 أو بعدها بقليل، وكان والي تلك المدينة يكرهُه، فعذَّبه عذابًا فظيعًا، وقتله. وأغلب الظن أن إعدامه لم يكن لسبب ديني كما قيل، بل لشك الخليفة في ولائه. 

    إن هذه المقتطفات من (كليلة ودمنة) لا تفي ابن المقفَّع كلّ حقّه إذ ليس فيها ما يشير إلي أسبقيته في التعريف بالحضارة الفارسية القديمة ولا إلي فكره السياسي المتميّز كما يظهر في رسالته (في الصحابة)، إلاّ أنَّها تكفي لبيان ما يدين له به النثر العربي في زمن نشأته الأولي. ونخص بالذكر لغة الكاتب الطيعة التي جمعت بين الدّقة والسلاسة، ممهّدة للأسلوب الكتابي الذي وُصف بالسهل الممتنع، وسطّر به كبار الناثرين العرب، من الجاحظ إلي ابن خلدون، مؤلفاتهم الخالدة. 

    بقلم / فاروق مردم بك
    ثقوا بالماء يا سكـّان أغنيتي
    al_nhar@hotmail.com

  • 03-02-2004 الساعة : 09:08 PM#2

    شاعر 



    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    1,102
    عرض الكتاب



    " لعبدِ اللهِ بنِ المقفَّعِ معرِّبِ هذا الكِتابِ " 

    هذا كتابُ كَليلَةَ ودِمْنَةَ وهو ممَّا وضَعَتهُ علماءُ الهِندِ مِنَ الأمثالِ والأحاديثِ التي أُلهِموا أن يُدخِلوا فيها أبلَغَ ما وَجَدوا مِنَ القَولِ في النَّحوِ الذي أرادوا، ولم تَزَلِ العلماءُ من كلِّ أمَّة ولسان يَلتَمِسونَ أن يُعقَلَ عنهم ويحتالونَ لذلك بصُنوفِ الحِيَلِ ويَبتَغونَ إخراجَ ما عندَهُمْ مِنَ العِلَلِ في إظهارِ ما لديهِمْ مِنَ العُلومِ والحِكَمِ، حتي كانَ من تلك العِلَلِ وضعُ هذا الكتابِ علي أفواهِ البَهائِمِ والطَّيرِ فاجتمعَ لهم بذلك خِلال . أما هم فَوَجَدوا مُنْصَرَفًا في القَولِ وشِعابًا يأخُذونَ منها وَوُجوهًا يَسلُكونَ فيها. وأمَّا الكِتابُ فَجَمَعَ حِكمَةً ولَهْوًا فاختارَهُ الحُكمَاءُ لحِكمَتِهِ والأغرارُ لِلَهْوِهِ. والمُتَعَلِّمُ مِنَ الأحداثِ ناشِط في حِفظِ ما صارَ إليهِ من أمر يُربَطُ في صدرِهِ ولا يدري ما هو بل عَرَفَ أنَّه قد ظَفِرَ من ذلك بمكتوب مَرقوم. وكانَ كالرجلِ الذي لمَّا استكمَلَ الرُّجوليَّةَ وَجَدَ أبويهِ قد كَنَزا له كُنوزًا وعَقَدا له عُقَدًا استَغني بها عنِ الكَدحِ فيما يَعمَلُهُ من أمرِ مَعيشتِهِ. فأغناهُ ما أشرفَ عليه مِنَ الحِكمَةِ عنِ الحاجَةِ إلي غيرِها من وُجوهِ الأدَبِ
    ثقوا بالماء يا سكـّان أغنيتي
    al_nhar@hotmail.com
  • 03-02-2004 الساعة : 09:12 PM#3

    شاعر 



    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    1,102
    مثل الحمَّالين والرجلِ الذي أصابَ كنزًا



    ومَنِ استَكثَرَ من جَمعِ الكُتُبِ وقِراءَةِ العلومِ من غيرِ إعمالِ الرَّويَّةِ فيما يَقرَأُهُ كانَ خَليقًا أن لا يُصيبَهُ إلاَّ ما أصابَ الرجلَ الذي زَعَمَتِ العلماءُ أنَّه اجتازَ ببعضِ المَفاوِزِ فَظَهَرَ له مَوضِعُ آثارِ كَنزٍ. فَجَعَلَ يَحفِرُ ويَطلُبُ فَوَقَعَ علي شيءٍ من عَينٍ ووِرْقٍ فقالَ في نفسِهِ: إن أنا أخَذتُ في نَقلٍ هذا المالِ قليلاً قليلاً طالَ عَلَيَّ وقَطَعَني الاشتِغالُ بنقلِهِ وإحرازِهِ عنِ اللَّذَّةِ بما أصَبتُ منه. ولكن سأستأجِرُ أقوامًا يَحمِلونَهُ إلي منزلي وأكونُ أنا آخِرَهُمْ. ولا يكونُ بَقِيَ ورائي شيءٌ يُشغَلُ فِكري بنقلِهِ. وأكونُ قد استَظهَرْتُ لنفسي في إراحَةِ بَدَني عنِ الكَدِّ بيَسيرِ أُجرَةٍ أُعطيها لهم.

    ثم جاء بالحمَّالينَ فجَعَلَ يُحَمِّلُ كلَّ واحدٍ منهم ما يُطيقُ فينطلِقُ به إلي منزلِهِ هو فيفوزُ به، حتي إذا لم يبقَ مِنَ الكَنزِ شيءٌ انطلَقَ خَلفَهُمْ إلي منزلِهِ فلم يَجِدْ فيه مِنَ المالِ شيئًا لا كثيرًا ولا قليلاً. وإذا كلُّ واحدٍ مِنَ الحمَّالينَ قد فازَ بما حَمَلَهُ لنفسِهِ. ولم يكنْ للرجلِ من ذلك إلاَّ العَناءُ والتَّعَبُ لأنَّه لم يُفَكِّرْ في آخِرِ أمرِهِ 



    مثل طالبِ العلمِ والصَحيفةِ الصفراء



    وكذلك مَن قَرَأَ هذا الكتابَ ولم يَفهَمْ ما فيه ولم يَعلَمْ غَرَضَهُ ظاهِرًا وباطِنًا لم يَنْتَفِعْ بما يَبدو له من خَطِّهِ ونَقشِهِ. كما لو أنَّ رجلاً قُدِّمَ له جَوزٌ صحيحٌ لم يَنتَفِعْ به إلاَّ أن يَكسِرَهُ ويَستَخرِجَ ما فيه. وكانَ أيضًا كالرجلِ الذي طَلَبَ عِلمَ الفَصيحِ من كلامِ الناسِ. فأتي صديقًا له مِنَ العلماءِ لَه عِلمٌ بالفَصاحَةِ فأعلَمَهُ حاجَتَهُ إلي عِلمِ الفَصيحِ. فَرَسَمَ له صديقُهُ في صحيفَةٍ صَفراءَ فَصيحَ الكلامِ وتَصاريفَهُ ووُجوهَهُ. فانصَرَفَ بها إلي منزلِهِ فَجَعَلَ يُكثِرُ قِراءَتَها ولا يقِفُ علي مَعانيها ولا يَعلَمُ تأويلَ ما فيها حتي استَظهَرَهَا كلَّها، فاعتَقَدَ أنَّه قد أحاطَ بعِلمِ ما فيها. 

    ثم إنَّه جَلَسَ ذاتَ يومٍ في مَحفِلٍ من أهلِ العِلمِ والأدَبِ فأخَذَ في مُحاوَرَتِهِمْ فَجَرَتْ له كلمَةٌ أخطأَ فيها. فقالَ له بعضُ الجماعَةِ: إنَّك قد أخطأتَ والوَجهُ غيرُ ما تَكَلَّمتَ به. فقالَ: كيفَ أُخطِئُ وقد قَرَأتُ الصَّحيفَةَ الصَّفراءَ وهي في منزلي? فكانت مقالَتُهُ هذه أوجَبَ للحُجَّةِ عليه وزادَهُ ذلك قُربًا مِنَ الجَهلِ وبُعدًا مِنَ الأدَبِ 



    مثل ربِّ البيت والسارق



    ثم إنَّ العاقِلَ إذا فَهِمَ هذا الكتابَ وبَلَغَ نهايَةَ عِلمِهِ فيه يَنبَغي له أن يَعمَلَ بما عَلِمَ منه لِيَنتَفِعَ به ويَجعَلَهُ مِثالاً لا يَحيدُ عنه. فإذا لم يَفعَلْ ذلك كانَ مَثَلُهُ كالرجلِ الذي زَعَموا أنَّ سارِقًا تَسَوَّرَ عليه وهو نائِمٌ في منزلِهِ، فعَلِمَ به فقالَ: واللهِ لأسكُتَنَّ حتي أنظُرَ ماذا يَصنَعُ ولا أذْعَرُهُ ، فإذا بَلَغَ مُرادَهُ قُمتُ إليه فَنَغَّصتُ ذلك عليه. ثم إنَّه أمسَكَ عنه وَجَعلَ السَّارِقُ يَتَرَدَّدُ وطالَ تَرَدُّدُهُ في جَمعِهِ ما يَجِدُهُ. فغَلَبَ الرجلَ النُّعاسُ فنامَ وفَرَغَ اللِّصُّ مِمَّا أرادَ وأمكَنَهُ الذَّهابُ. واستيقَظَ الرجلُ فَوَجَدَ اللِّصَّ قد أَخَذ المَتاعَ وفازَ به. فأقبَلَ علي نفسِهِ يلومُها وعَرَفَ أنَّه لم يَنتَفِعْ بعِلمِهِ باللِّصِّ إذ لم يَستَعمِلْ في أمرِهِ ما يجبُ. 


    مثل الإخوةِ الثلاثة

    وقد يَنبَغي للنَّاظِرِ في كتابِنا هذا أن لا تكونَ غايتُهُ التَّصَفُّحِ لِتَزاويقِهِ ، بل يُشرِفُ علي ما يَتَضَمَّنُ مِنَ الأمثالِ حتي يأتِيَ عليه إلي آخِرِه، ويَقِفُ عند كلِّ مَثَلٍ وكلمَةٍ، ويُعمِلُ فيها رَوِيَّتَهُ، ويكونُ مِثلَ ثالِثِ الإخوَةِ الثلاثَةِ الذينَ خَلَّفَ لهم أبوهُمُ المالَ الكثيرَ فَتنازَعوهُ بينهم. فأمَّا الاثنانِ الكبيرانِ فإنَّهُما أسرَعا في إتلافِهِ وإنفاقِهِ في غيرِ وجهِهِ. وأمَّا الصَّغيرُ فإنَّه عندَما نَظَرَ ما صارَ إليه أخَواهُ من إسرافِهِما وتَخَلِّيهِما مِنَ المالِ أقبَلَ علي نفسِهِ يُشاوِرُها وقالَ: يا نَفسِ إنَّما المالُ يَطلُبُهُ صاحِبُهُ ويجمعُهُ من كلِّ وجهٍ لبقاءِ حالِهِ وصَلاحِ معاشِهِ ودُنياهُ وشرفِ منزلتِهِ في أعْيُنِ الناسِ، واستِغنائِهِ عمَّا في أيديهِم، وصَرفِهِ في وجهِهِ من صِلَةِ الرَّحِمِ، والإنفاقِ علي الولَدِ والإفضالِ علي الإخوانِ. فمَن كانَ له مالٌ ولا يُنفِقُهُ في حُقوقِهِ كانَ كالذي يُعَدُّ فقيرًا وإن كانَ موسِرًا. وإن هو أحسَنَ إمساكَهُ والقيامَ عليه لم يَعدَمِ الأمرَينِ جميعًا من دُنيا تَبقي عليه وحَمدٍ يُضافُ إليه. ومتي قَصَدَ إنفاقَهُ علي غيرِ الوُجوهِ التي حُدَّتْ لم يَلبَثْ أن يُتلِِفَهُ ويبقي علي حَسرَةٍ وندامَةٍ. ولكنِ الرأيُ أن أُمسِكَ هذا المالَ، فإني أرجو أن يَنفَعَني الله به ويُغنِيَ أخَوَيَّ علي يَدي، فإنَّما هو مالُ أبي ومالُ أبيهِما. وإنَّ أولي الإنفاقِ علي صِلَةِ الرِّحِمِ وإن بَعُدَتْ، فكيفَ بأخوَيَّ! فأنفَذَ فأحضَرَهُما وشاطَرَهُما مالَهُ 




    مثل الصيَّادِ والصَدَفة



    وكذلك يجبُ علي قارِئ هذا الكتابِ أن يُديمَ النَّظَرَ فيه من غيرِ ضَجَرٍ، ويَلتَمِسَ جواهِرَ معانيهِ، ولا يَظُنَّ أنَّ نَتيجَتَهُ إنَّما هي الإخبارُ عن حِيلَةِ بَهيمَتَينِ أو مُحاوَرَةِ سَبُعٍ لثورٍ، فينصَرِفَ بذلك عنِ الغَرَضِ المقصودِ، ويكونَ مَثَلُهُ مَثَلَ الصَّيَّادِ الذي كانَ في بعضِ الخُلُجِ يَصيدُ فيه السَّمَكَ في زَورَقٍ. فَرأي ذاتَ يومٍ في عَقيقِ الماءِ صَدَفَةً تَتَلألأُ حُسنًا فَتَوَهَّمَها جَوهَرًا له قيمَةٌ. وكان قد ألقي شَبَكَتَهُ في البحرِ فاشتَمَلَتْ علي سَمَكَةٍ كانت قوتَ يومِهِ فخَلاَّها وقَذَفَ نفسَهُ في الماءِ ليأخُذَ الصَّدَفَةَ. فلمَّا أخرَجَها وجَدَها فارِغَةً لا شيءَ فيها ممَّا ظَنَّ. فندِمَ علي تَركِ ما في يدِهِ للطَّمَعِ وتأسَّفَ علي ما فاتَهُ. فلمَّا كانَ اليومُ الثاني تَنَحَّي عن ذلك المكانِ وألقي شبكتَهُ، فأصابَ حوتًا صغيرًا ورأي أيضًا صَدَفَةً سنيّة فلم يَلتَفِتْ إليها وساءَ ظَنُّهُ بها فَتَرَكَها واجتازَ بها بَعضُ الصَّيَّادينَ فأخَذَها فَوجَدَ فيها دُرَّةً تُساوي أموالاً. 

    وكذلك الجُهَّالُ علي إغفالِ أمرِ التَّفَكُّرِ في هذا الكتابِ والاغتِرارِ به وتَركِ الوُقوفِ علي أسرارِ معانيهِ والأخذِ بظاهِرِهِ دونَ الأخذِ بباطِنِهِ، ومَن صَرَفَ هِمَّتَهُ إلي النَّظَرِ في أبوابِ الهَزلِ منه فهو كرجلٍ أصابَ أرضًا طَيِّبَةً حُرَّةً وحَبًّا صَحيحًا فَزَرَعَها وسَقاها حتي إذا قَرُبَ خيرُها تَشاغَلَ عنها بجَمعِ ما فيها مِنَ الزَّهرِ وقَطعِ الشَّوكِ، فأهلَكَ بتَشاغُلِهِ ما كانَ أحسَنَ فائِدَةً وأجمَلَ عائِدَةً. 

    ويَنبَغي للنَّاظِرِ في هذا الكتابِ أن يَعلَمَ أنَّه يَنقَسِمُ إلي أربعَةِ أغراضٍ: أحَدُها ما قُصِدَ فيه إلي وضعِهِ علي ألسِنَةِ البَهائِمِ غيرِ النَّاطِقَةِ من مُسارَعَةِ أهلِ الهَزلِ مِنَ الشُّبَّانِ إلي قِراءَتِهِ فتُستَمالُ به قلوبُهُمْ. لأنَّ هذا هو الغَرَضُ بالنَّوادِرِ من حِيَلِ الحيواناتِ. والثاني إظهارُ خَيالاتِ الحيواناتِ بصُنوفِ الأصباغِ والألوانِ ليكونَ أُنْسًا لقُلوبِ الملوكِ ويكونَ حِرصُهُمْ عليه أشَدَّ للنُزهَةِ في تلك الصُّوَرِ. والثالثُ أن يكونَ علي هذه الصِّفَةِ فَيَتَّخِذَهُ الملوكُ والسُّوقَةُ فيكثُرَ بذلك انتِساخُهُ ولا يَبطُلَ فَيَخْلُقَ علي مُرورِ الأيامِ، ولينتَفِعَ بذلك المُصَوِّرُ والنَّاسِخُ أبدًا. والغَرَضُ الرابعُ وهو الأقصي مخْصوصٌ بالفَيلَسوفِ خاصَّةً 




    مثل الشيخِ وبنيه الثلاثة



    قالَ دَبشَليمُ الملِكُ لِبَيْدَبا الفَيلَسوفِ وهو رأسُ البَراهِمَةِ: اضرِبْ لي مَثَلاً لِمُتَحابَّينِ يَقطَعُ بينهما الكَذوبُ المُحتالُ حتي يَحمِلَهُما علي العَداوَةِ والبَغضاءِ. 

    قالَ بَيدَبا: إذا ابتُلِيَ المُتَحابَّانِ بأن يَدخُلَ بينهما الكَذوبُ المُحتالُ لم يَلبَثا أن يَتَقاطَعا ويَتَدابَرا وآفَةُ المَوَدَّةِ النَّميمَةُ. ومن أمثالِ ذلك أنَّه كانَ بأرضِ دَسْتاوَنْدَ رجلٌ شيخٌ له ثلاثَةُ بَنينَ. فلمَّا بَلَغوا أشُدَّهُمْ أسرَفوا في مالِ أبيهِمْ ولم يكونوا احتَرَفوا حِرفَةً يَكسِبونَ بها لأنفُسِهِمْ خيرًا. فلامَهُمْ أبوهُمْ ووَعَظَهُمْ علي سوءِ فِعلِهِمْ. وكانَ من قَولِهِ لهم: يا بَنيَّ إنَّ صاحِبَ الدُّنيا يَطلُبُ ثلاثَةَ أمورٍ لن يُدرِكَها إلاَّ بأربَعَةِ أشياءَ. أمَّا الثَّلاثَةُ التي يَطلُبُ فالسَّعَةُ في الرِّزقِ، والمَنزلَةُ في الناسِ، والزَّادُ للآخرَةِ. وأما الأربَعَةُ التي يَحتاجُ إليها في دَرَكِ هذه الثَّلاثَةِ فاكتِسابُ المالِ من أحسَنِ وجهٍ يَكونُ، ثم حُسنُ القِيامِ علي ما اكتَسَبَ منه، ثم استِثمارُهُ، ثم إنفاقُهُ فيما يُصلِحُ المعيشَةَ ويُرضي الأهلَ والإخوانَ فَيَعودُ عليه نَفعُهُ في الآخرَةِ. 

    فمَنْ ضَيَّعَ شيئًا من هذه الأحوالِ لم يُدرِكْ ما أرادَ من حاجتِهِ. لأنَّه إن لم يَكتَسِبْ لم يكنْ له مالٌ يَعيشُ به. وإن هو كان ذا مالٍ واكتِسابٍ ثم لم يُحسِنِ القِيامَ عليه أوشَكَ المالُ أن يَفني ويَبقي مُعدِمًا. وإن هو وَضَعَهُ ولم يَستَثمِرْهُ لم تَمنَعْهُ قِلَّةُ الإنفاقِ من سُرعَةِ الذَّهابِ. كالكُحلِ الذي لا يُؤْخَذُ منه إلاَّ غُبارُ الميْلِ ثم هو معَ ذلك سَريعٌ فَناؤُهُ. وإن هو أنفَقَهُ في غيرِ وَجهِهِ ووَضَعَهُ في غيرِ مَوضِعِهِ وأخطَأَ به مَواضِعَ استِحقاقِهِ صارَ بمنزلَةِ الفَقيرِ الذي لا مالَ له. ثم لم يَمنَعْ ذلك أيضًا مالَهُ مِنَ التَّلَفِ بالحوادِثِ والعِلَلِ التي تَجري عليه كَمَحبِسِ الماءِ الذي لا تَزالُ المياهُ تَنصَبُّ فيه، فإن لم يكن له مُخَرجٌ ومَفاضٌ ومُتَنَفَّسٌ يَخرُجُ منه الماءُ بقَدَرِ ما يَنبَغي خَرِبَ وسالَ ونَزَّ من نَواحٍ كثيرَةٍ وربَّمَا انبَثَقَ البَثقَ العَظيمَ فَذَهَبَ الماءُ ضَياعًا. 

    وإنَّ بَني الشَّيخِ اتَّعَظوا بقَولِ أبيهِمْ وأخَذوا به وعَلِموا أن فيه الخيرَ وعَوَّلوا عليه، فانطَلَقَ أكبَرُهُمْ نحو أرضٍ يُقالُ لها مَيُّونُ. فأتي في طَريقِهِ علي مكانٍ فيه وَحلٌ كثيرٌ. وكان معه عَجَلَةٌ يَجُرُّها ثَورانِ يُقالُ لأحدِهِما شَتْرَبَةُ وللآخَرِ بَنْدَبَةُ. فَوَحِلَ شَتْربَةُ في ذلك المكانِ، فعالَجَهُ الرجلُ وأصحابُهُ حتي بَلَغَ منهُمُ الجَهدُ فلم يَقدِروا علي إخراجِهِ. فَذَهَبَ الرجلُ وخَلَّفَ عندَهُ رجلاً يُشارِفُهُ لعلَّ الوَحلَ يَنشَفُ فَيَتْبَعَهُ به. فلمَّا باتَ الرجلُ بذلك المكانِ تَبَرَّمَ به واستَوحَشَ. فتَرَكَ الثَّورَ والتَحَقَ بصاحبِهِ فأخبَرَهُ بأنَّ الثَّورَ قد ماتَ. وقالَ له إنَّ الإنسانَ إذا انقَضَتْ مُدَّتُهُ وحانَتْ مَنِيَّتُهُ فهو وإن اجتَهَدَ في التَّوَقّي مِنَ الأمورِ التي يَخافُ فيها علي نفسِهِ الهَلاكَ لم يُغنِ ذلك عنه شيئًا. وربما عادَ اجتِهادُهُ في تَوَقِّيهِ وحَذَرِهِ وَبالاً عليه 





    مثل الرجل الهارب من الذئب واللصوص



    كالذي قيلَ إنَّ رجلاً سَلَكَ مَفازَةً فيها خَوفٌ مِنَ السِّباعِ وكانَ الرجلُ خَبيرًا بوَعَثِ تلك الأرضِ وخَوفِها. فلمَّا سارَ غيرَ بعيدٍ اعتَرَضَ له ذِئبٌ من أحَدِّ الذِّئابِ وأضراها. فلمَّا رأي الرجلُ أنَّ الذِّئبَ قاصِدٌ نحوه خافَ منه ونَظَرَ يَمينًا وشِمالاً ليَجِدَ مَوضِعًا يَتَحَرَّزُ فيه مِنَ الذِّئبِ، فلم يَرَ إلا قَريَةً خَلفَ وادٍ فَذَهَبَ مُسرِعًا نحو القَريَةِ. فلمَّا أتي الوادي لم يَرَ عليه قَنطَرَةً ورأي الذِّئبَ قد أدرَكَهُ فألقي نفسَهُ في الماءِ وهو لا يُحسِنُ السِّباحَةَ وكاد يَغرَقُ لولا أن بَصُرَ به قَومٌ من أهلِ القريَةِ فَتَواقَعوا لإخراجِهِ، فأخرَجوهُ وقد أشرَفَ علي الهَلاكِ. فلمَّا حَصَلَ الرجلُ عندَهُمْ وأمِنَ علي نفسِهِ من غائِلَةِ الذِّئبِ رأي علي عُدْوَةِ الوادي بيتًا مُفَردًا فقالَ: أدخُلُ هذا البيتَ فأستَريحُ فيه. فلمَّا دَخَلَهُ وَجَدَ جماعَةً مِنَ اللُّصوصِ قد قَطَعوا الطَّريقَ علي رجلٍ مِنَ التُّجَّارِ وهم يَقتَسِمونَ مالَهُ ويُريدونَ قَتْلَهُ. فلمَّا رأي الرجلُ ذلك خافَ علي نفسِهِ ومَضي نحو القريَةِ فأسنَدَ ظَهرَهُ إلي حائِطٍ من حيطانِها ليَستَريحَ ممَّا حَلَّ به مِنَ الهَولِ والإعياءِ إذ سَقَطَ عليه الحائِطُ فماتَ 

    قالَ الرجلُ: صَدَقتَ قد بَلَغَني هذا الحَديثُ. وأمَّا الثَّورُ فإنَّه خَلَصَ من مكانِهِ وانبَعَثَ فلم يَزَلْ في مَرجٍ مُخصِبٍ كثيرِ الماءِ والكَلأِ، فلمَّا سَمِنَ وأمِنَ جَعَلَ يَخورُ ويَرفَعُ صَوتَهُ بالخُوارِ. وكانَ قريبًا منه أجَمَةٌ فيها أسَدٌ عَظيمٌ وهو ملِكُ تلك النَّاحِيَةِ ومعه سِباعٌ كثيرَةٌ وذئابٌ وبناتُ آوي وثعالِبُ وفُهودٌ ونُمورٌ. وكانَ هذا الأسَدُ مُنفَرِدًا برأيِهِ دونَ أخذٍ برأيِ أحدٍ من أصحابِهِ. فلمَّا سَمِعَ خُوارَ الثَّورِ ولم يكن رأي ثَورًا قَطُّ ولا سَمِعَ خُوارَهُ خامَرَهُ منه هَيبَةٌ وخَشيَةٌ وكَرِهَ أن يَشعُرَ بذلك جُندُهُ. فكانَ مُقيمًا مكانَهُ لا يَبرَحُ ولا يَنشَطُ بل يُؤْتي بِرزقِهِ كلَّ يومٍ علي يَدِ جُندِهِ. وكانَ فيمَن معه مِنَ السِّباعِ ابنا آوي يُقالُ لأحدِهِما كَليلَةُ وللآخَرِ دِمنَةُ، وكانا ذَوَيْ دَهاءٍ وعِلمٍ وأدَبٍ 

    فقالَ دِمْنَةُ يومًا لأخيهِ كَليلَةَ: يا أخي ما شأنُ الأسَدِ مُقيمًا مكانَهُ لا يَبرَحُ ولا يَنشَطُ خِلافًا لعادَتِهِ? فقالَ له كَليلَةُ: ما شأنُكَ أنتَ والمسألَةَ عن هذا? نحن علي بابِ ملكِنا آخِذَينِ بما أحَبَّ وتارِكَينِ ما يَكرَهُ ولسنا من أهلِ المرتَبَةِ التي يَتَناوَلُ أهلُها كلامَ الملوكِ والنَّظَرَ في أمورِهِمْ. فأمسِكْ عن هذا واعلَمْ أنَّه مَن تَكَلَّفَ مِنَ القَولِ والفِعلِ ما ليسَ من شكلِهِ أصابَهُ ما أصابَ القِردَ مِنَ النَّجَّارِ. قالَ دِمْنَةُ: وكيفَ كانَ ذلك? 




    مثل القرد والنجار



    قالَ كَليلَةُ: زَعَموا أنَّ قِردًا رأي نَجَّارًا يَشُقُّ خَشَبَةً وهو راكِبٌ عليها، وكلَّما شَقَّ منها ذِراعًا أدخَلَ فيها وَتِدًا، فَوَقَفَ يَنظُرُ إليه وقد أعجَبَهُ ذلك. ثم إنَّ النَّجَّارَ ذَهَبَ لبعضِ شأنِهِ فَقامَ القِرْدُ وتَكَلَّفَ ما ليسَ من شأنِهِ فَرَكِبَ الخَشَبَةَ وجَعَلَ وجهَهُ قِبَلَ الوَتِدِ وظَهرَهُ قِبَلَ طَرَفِ الخشَبةِ فَتَدَلَّي ذَنَبُهُ في الشَّقِّ ونَزَعَ الوَتِدَ فلزِمَ الشَّقُّ عليه فكادَ يُغشي عليه مِنَ الألَمِ. ثم إنَّ النَّجَّارَ وافاهُ فأصابَهُ علي تلك الحالَةِ فأقبَلَ عليه يَضرِبُهُ. فكانَ ما لَقِيَ مِنَ النَّجَّارِ مِنَ الضَّربِ أشَدَّ ممَّا أصابَهُ مِنَ الخشَبةِ. 

    قالَ دِمنَةُ: قد سَمِعتُ ما ذَكَرتَ. وليسَ كلُّ مَنْ يـَدنو مِنَ الملوكِ يَقدِرُ علي صُحبَتِهِمْ ويَفوزُ بقُربِهِمْ. ولكن اعلَمْ أنَّ كلَّ مَنْ يَدنو منهم ليسَ يَدنو منهم لبطنِهِ، فإنَّ البطنَ يُحشي بكلِّ شيءٍ، وإنَّما يَدنو منهم ليَسُرَّ الصَّديقَ ويَكبِتَ العَدُوَّ. وإنَّ مِنَ الناسِ مَن لا مُروءةَ له وهُمُ الذينَ يَفرَحونَ بالقليلِ ويَرضَونَ بالدُّونِ كالكَلبِ الذي يُصيبُ عَظمًا يابِسًا فَيَفرَحُ به. وأمَّا أهلُ الفَضلِ والمُروءةِ فلا يُقنِعُهُمْ القليلُ ولا يَرضَونَ به دونَ أن تَسمُوَ بهم نُفوسُهُمْ إلي ما هم أهلٌ له وهو أيضًا لهم أهلٌ. كالأسَدِ الذي يَفتَرِسُ الأرنَبَ فإذا رأي البعيرَ تَرَكَها وطَلَبَ البَعيرَ. ألا تري أنَّ الكلبَ يُبَصبِصُ بذنبِهِ حتي تَرمِيَ له الكِسرَةَ مِنَ الخُبزِ فَيَفرَحُ بها وتُقنِعُهُ منك، وأنَّ الفيلَ المُعتَرَفَ بفضلِهِ وقُوَّتِهِ إذا قُدِّمَ إليه عَلَفُهُ لا يَعتَلِفُهُ حتي يُمسَحَ وجهُهُ ويَتَمَلَّقَ له? فَمَنْ عاشَ ذا مالٍ وكانَ ذا فَضلٍ وإفضالٍ علي نفسِهِ وأهلِهِ وإخوانِهِ غيرَ خامِلِ المنزلَةِ فهو وإن قَلَّ عُمرُهُ طويلُ العمرِ. ومَن كانَ في عَيشِهِ ضيقٌ وقِلَّةٌ وإمساكٌ علي نفسِهِ وذَويهِ وكانَ خامِلَ المنزلَةِ فالمَقبورُ أحيا منه. ومَن عَمِلَ لبطنِهِ وشهواتِهِ وقَنِعَ وتَرَكَ ما سِوي ذلك عُدَّ مِنَ البَهائِمِ 

    ثم إنَّ دِمنَةَ انطلَقَ حتي دَخَلَ علي الأسَدِ فَعَفَّرَ وجهَهُ بين يديهِ وسلَّمَ عليه. فقالَ الأسَدُ لبعضِ جُلَسائِهِ: مَن هذا? فقالَ: هذا دِمنَةُ بنُ سَليطٍ. قالَ: قد كنتُ أعرِفُ أباهُ. ثم سألَهُ: أين تكونُ? قالَ: لم أزَلْ ببابِ الملِكِ مُرابِطًا داعيًا له بالنَّصرِ ودَوامِ البقاءِ، رَجاءَ أن يَحضُرَ أمرٌ فأُعينَ الملِكَ فيه بنفسي ورأيي. فإنَّ أبوابَ الملوكِ تكثُرُ فيها الأمورُ التي ربما يُحتاجُ فيها إلي الذي لا يُؤْبَهُ له. وليسَ أحدٌ يَصغُرُ أمرُهُ إلاّ وقد يكونُ بعضُ الغَناءِ والمَنافِعِ علي قَدَرِهِ، حتي العُودُ المُلقي في الأرضِ ربما نَفَعَ فيأخُذُهُ الرَّجلُ فَيَحُكُّ به أذُنَهُ فيكونُ عُدَّتَهُ عند الحاجَةِ إليه 

    فلمَّا سَمِعَ الأسَدُ قَولَ دِمنَةَ أعجَبَهُ وطَمِعَ أن يكونَ عندَهُ نصيحةٌ ورأيٌ. فأقبَلَ علي مَن حَضَرَ فقالَ: إنَّ الرجلَ ذا النُّبلِ والمُروءَةِ يكونُ خامِلَ الذِّكرِ مُنخَفِضَ المنزلَةِ فتأبي منزلَتُهُ إلاَّ أن تَشُبَّ وترتَفِعَ كالشُّعلَةِ مِنَ النَّارِ يَضرِبُها. 

    ثم إنَّ دِمنَةَ استأنَسَ بالأسَدِ وخَلا به فقالَ له يومًا: رأيتُ الملِكَ قد أقامَ في مكانٍ واحدٍ لا يَبرَحُ منه خِلافًا لمألوفِهِ وهو، أعظَمَهُ اللهُ، منيعُ الجانِبِ نافِذُ الأمرِ آمِنُ السَّاحَةِ. فرأيتُ أن أتَطاوَلَ عليه بالاستفهامِ علي وجهِ النَّصيحَةِ، فإنَّ الأمورَ الخَفِيَّةَ لا يُظهِرُها إلاَّ البحثُ عنها، فإذا أُظهِرَتْ أُجِيلَتِ الفِكرَةُ فيها. 

    فبينما هما في هذا الحديثِ إذ خَارَ شَتْرَبَةُ خُوارًا شديدًا فَهَيَّجَ الأسَدَ وكَرِهَ أن يُخبِرَ دِمنَةَ بما نالَهُ. وعَلِمَ دِمنَةُ أنَّ ذلك الصَّوتَ قد أدخَلَ علي الأسَدِ رِيبَةً وهَيبَةً، فسألَهُ: هل رابَ الملِكَ سمَاعُ هذا الصَّوتِ? قالَ: لم يَرِبني شيءٌ سوي ذلك وهو الذي حَبَسَني هذه المُدَّةَ في مكاني. وقد صَحَّ عندي من طريقِ القِياسِ أنَّ جُثَّةَ صاحِبِ هذا الصَّوتِ المُنكَرِ الذي لم أسمَعهُ قَطُّ عظيمَةٌ لأنَّ صوتَهُ تابعٌ لبدنِهِ. فإن يكن كذلك فليسَ لنا معه قرارٌ ولا مُقامٌ. قالَ دِمنَةُ: ليسَ الملِكَ بحقيقٍ أن يَدَعَ مكانَهُ لأجلِ صوتٍ. فقد قالتِ العلماءُ: ليسَ من كلِّ الأصواتِ تَجِبُ الهَيبَةُ. قالَ الأسَدُ: وما مَثَلُ ذلك 




    ""
    ثقوا بالماء يا سكـّان أغنيتي
    al_nhar@hotmail.com
  • 03-02-2004 الساعة : 09:16 PM#4

    شاعر 



    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    1,102
    مثل الثعلب والطبل



    قالَ دِمنَةُ: زَعَموا أنَّ ثعلَبًا أتي أجَمَةً فيها طَبلٌ مُعَلَّقٌ علي شَجَرَةٍ وكُلَّما هَبَّتِ الرِّيحُ علي قُضبانِ تلك الشَّجَرَةِ حَرَّكَتها فَضَرَبَتِ الطَّبلَ فسُمِعَ له صوتٌ عظيمٌ باهِرٌ. فَتَوجَّهَ الثعلَبُ نحوه لأجلِ ما سَمِعَ من عَظيمِ صَوتِهِ. فلمَّا أتاهُ وَجَدَهُ ضخمًا فأيقَنَ في نَفْسِهِ بكثرَةِ الشَّحمِ واللَّحمِ. فعالَجَهُ حتي شَقَّهُ، فلمَّا رآهُ أجوَفَ لا شيء فيه قالَ: لا أدري لعلَّ أفسَلَ الأشياءِ أجهَرُها صوتًا وأعظَمُها جُثَّةً 

    وإنَّما ضَرَبتُ لك هذا المَثَلَ لتعلَمَ أنَّ هذا الصَّوتَ الذي راعَنا لو وَصَلْنا إليه لوجدناهُ أيسَرَ ممَّا في أَنْفُسِنا. فإن شاء الملِكُ بَعَثَني وأقامَ بمكانِهِ حتي آتِيَهُ بِبَيانِ هذا الصَّوتِ. فوافَقَ الأسَدُ قَولَهُ فأذِنَ له في الذَّهابِ نحو الصَّوتِ 

    فانطَلَقَ دِمنَةُ إلي المكانِ الذي فيه شَتْرَبَةُ. فلمَّا فَصَلَ دِمنَةُ من عندِ الأسَدِ فَكَّرَ الأسَدُ في أمرِهِ ونَدِمَ علي إرسالِ دِمنَةَ حيثُ أرسَلَهُ وقالَ في نفسِهِ: ما أصَبتُ في ائتِماني دِمنَةَ وإطلاعِهِ علي سِرِّي وقد كانَ ببابي مَطروحًا. فإنَّ الرجلَ الذي يَحضُرُ بابَ الملِكِ إذا كانَ قد أُطيلَتْ جَفوَتُهُ من غيرِ جُرمٍ كانَ منه أو كانَ مَبغِيًّا عليه عند سلطانِهِ. أو كانَ عندَهُ مَعروفًا بالشَّرِه والحِرصِ. أو كانَ قد أصابَهُ ضَرُّ وضَيقٌ فلم يَنعَشهُ . أو كانَ قد اجتَرَمَ جُرمًا فهو يَخافُ العُقوبَةَ منه. أو كانَ يرجو شيئًا يَضُرُّ الملِكَ وله منه نَفعٌ. أو يَخافُ في شيءٍ ممَّا يَنفَعُهُ ضَرًّا. أو كانَ لعدُوِّ الملِكِ سِلمًا ولسِلمِهِ حَربًا. أو كانَ قد حِيلَ بينه وبين ما في يديهِ مِنَ السُّلطانِ. أو باعَدَهُ. أو طَرَدَهُ. فليسَ السُّلطانُ بحقيقٍ أن يَعجَلَ في الاسترسالِ إلي هؤلاءِ والثِّقَةِ بهم والائتِمانِ لهم 

    وإنَّ دِمنَةَ داهِيَةٌ أريبٌ وقد كانَ ببابي مَطروحًا مَجفُوًّا. ولعلَّهُ قد احتَمَلَ عليَّ بذلك ضِغنًا ، ولعلَّ ذلك يَحمِلُهُ علي خيانَتي وإعانَةِ عَدُوِّي ونَقيصَتي عندَهُ، ولعلَّهُ أن يُصادِفَ صاحِبَ الصَّوتِ أقوي سلطانًا منّي فيَرغَبَ به عنّي ويَميلَ معه عليَّ. ولقد كانَ الواجِبُ أن أهجُمَ علي صاحِبِ هذا الصَّوتِ بنفسي. ولم يَزَلِ الأسَدُ يُحَدِّثُ نفسَهُ بأمثالِ ذلك حتي جَعَلَ يَمشي وينظُرُ إلي الطَّريقِ التي سارَ فيها دِمنَةُ. فلم يَمشِ غيرَ قليلٍ حتي بَصُرَ بدِمنَةَ مُقبِلاً نحوه فطابَتْ نفسُهُ بذلك وَرَجَعَ إلي مكانِهِ. 

    ودَخَلَ دِمنَةُ عليه فقالَ له الأسَدُ: ماذا صَنَعتَ وماذا رأيتَ? قالَ: رأيتُ ثَورًا وهو صاحِبُ الخُوارِ والصَّوتِ الذي سَمِعتَهُ. قالَ: فما قُوَّتُهُ? قالَ: لا شَوكَةَ له وقد دَنَوتُ منه وحاورتُهُ مُحاوَرَةَ الأكْفاء فلم يَستَطِعْ لي شيئًا 

    قالَ الأسَدُ: لا يَغُرَّنَّكَ ذلك منه ولا يَصغُرَنَّ عندكَ أمرُهُ، فإنَّ الرِّيحَ الشَّديدَةَ لا تَعْبَأُ بضعيفِ الحَشيشِ لكنَّها تَحطِمُ طِوالَ النَّخلِ وعَظيمَ الشَّجَرِ وتَقْلَعُ الدَّوْحَةَ العاتِيَةَ من مَوْضِعِها. قالَ دِمنَةُ: لا تَهابَنَّ أيُّها الملِكُ منه شيئًا ولا يَكبُرَنَّ عليكَ أمرُهُ فأنا علي ضعفي آتيكَ به فيكونُ لك عبدًا سامِعًا مُطيعًا. قالَ الأسَدُ: دونَكَ ما بدا لك. وقد تَعَلَّقَ أمَلُهُ به. 

    فانطَلَقَ دِمنَةُ إلي الثَّورِ فقالَ له غَيرَ هائِبٍ ولا مُكتَرِثٍ: إنَّ الأسَدَ أرسَلَني إليكَ لآتِيَهُ بك وأمَرَني إن أنت عَجِلتَ إليه أن أُؤَمِّنَكَ علي ما سَلَفَ من ذَنبِكَ في التَّأخُّرِ عنه وتَركِكَ لِقاءهُ. وإن أنت تأخَّرتَ وأحجَمتَ أن أُعَجِّلَ الرَّجعَةَ إليه فأُخبِرَهُ. قالَ له شَتْرَبَةُ: ومَن هذا الأسَدُ الذي أرسَلَكَ إليَّ وأين هو? وما حالُهُ? 

    قالَ دِمنَةُ: هو ملِكُ السِّباعِ وهذه الأرضُ التي نحن عليها له وهو بمكانِ كذا ومعه جُندٌ كثيرٌ من جِنسِهِ 

    فَرُعِبَ شَتْرَبَةُ من ذِكرِ الأسَدِ والسِّباعِ وقالَ: إن أنت جَعَلتَ ليَ الأمانَ علي نفسي أقبَلتُ معكَ إليه. فأعطاهُ دِمنَةُ مِنَ الأمانِ ما وَثِقَ به ثم أقبَلَ والثَّورُ معه حتي دَخَلا علي الأسَدِ. فأحسَنَ الأسَدُ إلي الثَّورِ وقَرَّبَهُ وقالَ له: 

    متي قَدِمتَ هذه البلادَ وما أقدَمَكَها ? فقَصَّ شَتْرَبَةُ عليه قِصَّتَهُ. فقالَ له الأسَدُ: اصحَبني والزَمْني فإني مُكرِمُكَ ومُحسِنٌ إليكَ. فَدَعا له الثَّورُ وأثني عليه وانصَرَفَ وقد أُعجِبَ به الأسَدُ إعجابًا شديدًا لِما ظَهَرَ له من عَقلِهِ وأدَبِهِ. ثم إنَّه قَرَّبَهُ وأكرَمَهُ وأنِسَ به وائتَمَنَهُ علي أسرارِهِ وشاوَرَهُ في أمرِهِ ولم تَزِدْهُ الأيامُ إلاَّ عُجبًا به ورغبةً فيه وتقريبًا له حتي صارَ أخَصَّ أصحابِهِ عندَهُ منزلةً. 

    فلمَّا رأي دِمنَةُ أنَّ الثَّورَ قدِ اختَصَّ بالأسَدِ دونَهُ ودونَ أصحابِهِ وأنَّه قد صارَ صاحِبَ رأيِهِ وخَلَواتِهِ ولَهوِهِ حَسَدَهُ حَسَدًا عظيمًا وبَلَغَ منه غَيظُهُ كلَّ مَبلَغٍ. فشَكا ذلك إلي أخيهِ كَليلَةَ وقالَ له: ألا تَعجَبُ يا أخي من عَجزِ رأيي وصُنعي بنفسي ونَظَري فيما يَنفَعُ الأسَدَ وأغفلتُ نَفعَ نفسي حتي جَلَبت إلي الأسَدِ ثَورًا غَلَبَني علي منزلَتي! 

    قالَ كَليلَةُ: أخبِرني عن رأيِكَ وما تُريدُ أن تَعزِمَ عليه في ذلك 

    قالَ دِمنَةُ: أمَّا أنا فلستُ اليومَ أرجو أن تَزدادَ منزلَتي عند الأسَدِ فوقَ ما كانت عليه. ولكن ألتَمِسُ أن أعودَ إلي ما كانت حالي عليه. فإنَّ أمورًا ثلاثَةً العاقِلُ جَديرٌ بالنَّظَرِ فيها والاحتيالِ لها بجُهدِهِ. منها النَّظَرُ فيما مَضي مِنَ الضَّرِّ والنَّفعِ، أن يَحتَرِسَ مِنَ الضَّرِّ الذي أصابَهُ فيما سَلَفَ لئِلاَّ يَعودَ إلي ذلك الضَّرِّ، ويَلتَمِسَ النَّفعَ الذي مَضي ويَحتالَ لمُعاوَدَتِهِ. ومنها النَّظَرُ فيما هو مُقيمٌ فيه مِنَ المنافِعِ والمَضارِّ. والاستيثاق ممَّا يَنفَعُ، والهَرَبُ ممَّا يَضُرُّ. ومنها النَّظَرُ في مُستَقبَلِ ما يَرجو من قِبَلِ النَّفعِ وما يَخافُ من قِبَلِ الضَّرِّ لِيَستَتِمَّ ما يَرجو ويَتَوَقَّي ما يَخافُ بجُهدِهِ.

    وإني لمَّا نَظَرتُ في الأمرِ الذي به أرجو أن تَعودَ منزلَتي وما غُلِبتُ عليه ممَّا كنتُ فيه لم أجِدْ حِيلَةً ولا وَجهًا إلاَّ الاحتِيالَ لآكِلِ العُشبِ هذا حتي أُفَرِّقَ بينه وبين الحياةِ، فإنَّه إن فارَقَ الأسَدَ عادَتْ لي منزلَتي. ولعلَّ ذلك يكونُ خيرًا للأسَدِ. فإنَّ إفراطَهُ في تَقريبِ الثَّورِ خَليقٌ أن يَشينَهُ ويَضُرَّهُ في أمرِهِ 

    قالَ كَليلَةُ: ما أري علي الأسَدِ في رأيِهِ في الثَّورِ ومكانِهِ منه ومنزلتِهِ عندَهُ شيئًا ولا شرًّا 

    قالَ دِمنَةُ: إنَّما يُؤْتي السُّلطانُ ويَفسُدُ أمرُهُ من قِبَلِ سِتَّةِ أشياءَ: الحِرمانِ والفتنَةِ والهوي والفَظاظَةِ والزَّمانِ والخُرقِ. فأمَّا الحِرمَانُ فأن يُحرَمَ من صالحي الأعوانِ والنُّصَحاءِ والسَّاسَةِ من أهلِ الرأيِ والنَّجدَةِ والأمانَةِ، وأن يكونَ مَنْ حَولَهُ فاسِدًا مانِعًا من وُصولِ أمورِ المُلكِ إليه، وأن يَحرِمَ هو أهلَ النَّصيحَةِ والصَّلاحِ من عنايتِهِ والتِفاتِهِ إليهم. وأمَّا الفِتنَةُ فهي تُحارِبُ رعيَّتَهُ ووقوعُ الخِلافِ والنِّزاعِ بينهم. وأمَّا الهوي فالإغرامُ بالنِّساءِ والحديثِ واللَّهوِ والشَّرابِ والصَّيدِ وما أشبَهَ ذلك. وأمَّا الفَظاظَةُ فهي إفراطُ الشِّدَّةِ حتي يَجمَحَ اللِّسانُ بالشَّتمِ واليَدُ بالبَطشِ في غيرِ مَوضِعِهِما. وأمَّا الزَّمانُ فهو ما يُصيبُ الناسَ مِنَ السِّنينَ مِنَ المَوتاَنِ ونَقصِ الثَّمَراتِ والغَزَواتِ وأشباهِ ذلك. وأمَّا الخُرقُ فإعمالُ الشِّدَّةِ في مَوضِعِ اللّينِ، واللّينِ في مَوضِعِ الشِّدَّةِ. وإنَّ الأسَدَ قد أُغرِمَ بالثَّورِ إغرامًا شديدًا هو الذي ذَكَرتُ لكَ أنَّه خَليقٌ أن يَشينَهُ ويَضُرَّهُ في أمرِهِ. 

    قالَ كَليلَةُ: وكيفَ تُطيقُ الثَّورَ وهو أشَدُّ منكَ وأكرَمُ علي الأسَدِ منكَ وأكثرُ أعوانًا? 

    قال دِمنَةُ: لا تَنْظُرْ إلي صِغَري وضُعفي، فإنَّ الأمورَ ليست بالضُّعفِ ولا القُوَّةِ ولا الصِّغَرِ ولا الكِبَرِ في الجُثَّةِ. فَرُبَّ صغيرٍ ضَعيفٍ قد بَلَغَ بحِيلَتِهِ ودَهائِهِ ورأيِهِ ما يَعجِزُ عنه كثيرٌ مِنَ الأقوياء. أوَلَمْ يَبلُغكَ أنَّ غُرابًا ضَعيفًا احتالَ لأسوَدَ حتي قَتَلَهُ? 

    قالَ كَليلَةُ: وكيفَ كانَ ذلكَ? 




    م
    ثل الغراب والأسود



    قالَ دِمنَةُ: زَعَموا أنَّ غُرابًا كانَ له وَكرٌ في شَجَرَةٍ علي جَبَلٍ، وكانَ قريبًا منه جُحرُ ثُعبانٍ أسوَدَ. فكانَ الغُرابُ إذا أفرَخَ عَمَدَ الأسوَدُ إلي فِراخِهِ فأكَلَها فَبَلَغَ ذلك مِنَ الغرابِ فأحزَنَهُ. فشَكا ذلك إلي صَديقٍ لهُ من بَناتِ آوي وقالَ له: أُريدُ مُشاوَرَتَكَ في أمرٍ قد عَزَمتُ عليه. قالَ: وما هو? قَالَ الغُرابُ: قد عَزَمتُ أن أذهَبَ إلي الأسوَدِ إذا نامَ فأنقُرَ عَينَيهِ فأفقَأَهُما لعلِّي أستَريحُ منه. قالَ ابنُ آوي: بِئسَ الحِيلَةُ التي احتَلتَ! فالتَمِسْ أمرًا تُصيبُ فيه بُغيَتَكَ مِنَ الأسَودِ من غيرِ أن تُغَرِّرَ بنفسِكَ وتُخاطِرَ بها. وإيَّاكَ أن يكونَ مَثَلُكَ مَثَلَ العُلجُومِ الذي أرادَ قَتلَ السَّرَطانِ فَقَتَلَ نفسَهُ. قالَ الغُرابُ: وكيفَ كانَ ذلكَ? 




    مثل العُلْجُوم والسرطان



    قالَ ابنُ آوي: زَعَموا أنَّ عُلجُومًا عَشَّشَ في أجَمَةٍ كثيرَةِ السَّمَكِ. فكانَ يختلِفُ إلي ما فيها مِنَ السَّمَكِ فيأكُلُ منه. فعاشَ بها ما عاشَ ثم هَرِمَ فلم يستَطِعْ صَيدًا فأصابَهُ جوعٌ وجَهدٌ شديدٌ. فجَلَسَ حزينًا يَلتَمِسُ الحِيلَةَ في أمرِهِ. فمَرَّ به سَرطانٌ فرأي حالتَهُ وما هو عليه مِنَ الكآبَةِ والحُزنِ. فدَنا منه وقالَ له: ما لي أراكَ أيُّها الطَّائِرُ هكذا حزينًا كَئيبًا? 

    قالَ العُلجومُ: وكيفَ لا أحزَنُ وقد كنتُ أعيشُ من صَيدِ ما ههُنا مِنَ السَّمَكِ، وإني رأيتُ اليومَ صَيَّادَينِ قد مَرَّا بهذا المكانِ فقالَ أحدُهُما لصاحِبهِ: إنَّ ههُنا سَمَكًا كثيرًا أفَلا نَصيدُهُ أَوَّلاً? فقالَ الآخرُ: إني قد رأيتُ في مكانِ كَذَا سَمَكًا أكثَرَ من هذا السَّمَكِ، فلنَبدأ بذلك فإذا فَرَغنا منه جِئنا إلي هذا فأفَنيناهُ. وقد عَلِمتُ أنَّهُما إذا فَرَغا ممَّا ثَمَّ انتَهيَا إلي هذه الأجَمَةِ فاصطادا ما فيها. فإذا كانَ ذلك فهو هلاكي ونَفادُ مُدَّتي 

    فانطَلَقَ السَّرَطانُ إلي جَماعَةِ السَّمَكِ فأخبَرَهُنَّ بذلك. فأقبَلْنَ علي العُلجُومِ فاستَشَرنَهُ وقُلنَ له: إنَّا أتَيناكَ لتُشيرَ علينا، فإنَّ ذا العَقلِ لا يَدَعُ مُشاوَرَةَ عَدُوِّهِ، وبقاؤُكَ ببقائِنا. قالَ العُلجومُ: أمَّا مُكابَرَةُ الصَّيَّادَينِ فلا طاقَةَ لي بها. ولا أعلَمُ حِيلَةً إلاَّ المَصيرَ إلي غَديرٍ قريبٍ من هنا فيه سَمَكٌ ومياهٌ كثيرَةٌ وقَصَبٌ. فإن استَطَعتُنَّ الانتِقالَ إليه كانَ فيه صَلاحُكُنَّ وخِصبُكُنَّ . 

    فقُلنَ له: ما يَمُنُّ علينا بذلك غيرُكَ. فجَعَلَ العُلجومُ يَحمِلُ في كلِّ يومٍ سَمَكَتَينِ حتي ينتهي بهما إلي بعضِ التِّلالِ فيأكُلُهُما. حتي إذا كانَ ذاتَ يومٍ جاء لأخذِ السَّمَكَتَينِ فجاءهُ السَّرَطانُ فقالَ له: إني أيضًا قد أشفَقتُ من مكاني هذا واستَوحَشتُ منه، فاذهَبْ بي إلي ذلك الغَديرِ. فقالَ له: حُبًّا وكرامَةً. واحتَمَلَهُ وطارَ به، حتي إذا دَنا مِنَ التَّلِّ الذي كانَ يأكُلُ السَّمَكَ فيه نَظَرَ السَّرَطانُ فرأي عِظامَ السَّمَكِ مجموعَةً هنَاكَ فعَلِمَ أنَّ العُلجومَ هو صاحِبُها وأنَّه يُريدُ به مثلَ ذلك. فقالَ في نفسِهِ: إذا لَقِيَ الرجلُ عَدُوَّهُ في المَواطِنِ التي يَعلَمُ أنَّهُ فيها هالِكٌ سَواءٌ قاتَلَ أم لم يُقاتِلْ كانَ حَقيقًا أن يُقاتِلَ عن نفسِهِ كَرَمًا وحِفاظًا، ولا يُمَكِّنَهُ من نفسِهِ حتي يَستَفرِغَ ما عندَهُ مِنَ الحِيلَةِ في قِتالِهِ. لأنَّه قد بَني أمرَهُ علي التَّلَفِ فلعلَّ خَلاصَهُ في ذلك القِتالِ، والهَلاكُ واقِعٌ به كيفَ كانَ. فلم يَزَلْ يَحتالُ علي العُلجومِ حتي تَمَكَّنَ من عُنُقِهِ فأهوي بكَلبَتَيهِ عليها فعَصَرَها فماتَ وتخلَّصَ السَّرَطانُ إلي جماعَةِ السَّمَكِ فأخبَرَهُنَّ بذلك. 

    وإنَّما ضَرَبتُ لك هذا المَثَلَ لتَعلَمَ أنَّ بعضَ الحِيلَةِ مَهلَكَةٌ للمُحتالِ. ولكنّي أدُلُّكَ علي أمرٍ إن أنت قَدَرتَ عليه كانَ فيه هَلاكُ الأسوَدِ من غيرِ أن تُهلِكَ به نفسَكَ وتكونُ فيه سلامَتُكَ. قالَ الغُرابُ: وما ذاكَ? قالَ ابنُ آوي: تَنطَلِقُ فَتَتَبَصَّرُ في طَيَرانِكَ لعلَّكَ أن تَظفَرَ بشيءٍ من حُليِّ النِّساء فتَخْطَفَهُ ولا تَزالُ طائِرًا واقِعًا بحيث لا تَفوتُ العُيونَ. فإذا رأيتَ النَّاسَ قد تَبِعوكَ تأتي جُحْر الأسوَدِ فتَرمي بالحُليِّ عندَهُ. فإذا رأي الناسُ ذلك أخَذوا حُلِيَّهُمْ وأراحوكَ مِنَ الأسوَدِ. 

    فانطَلَقَ الغُرابُ مُحَلِّقًا في السَّماءِ، فوجَدَ امرأةً من بناتِ العُظَماءِ علي شاطِئ نهرٍ تَغتَسِلُ وقد وضعَتْ ثِيابَها وحُلِيَّها ناحيَةً، فانقَضَّ واختَطَفَ من حُلِيِّها عِقدًا وطارَ به. فَتَبِعَهُ الناسُ، ولم يَزَلْ طائِرًا واقِعًا بحيثُ يَراهُ كلُّ أحدٍ حتي انتَهي إلي جُحْرِ الأسوَدِ فألقي العِقدَ عليه والناسُ يَنظُرُونَ إليه. فلمَّا أتوا أخذوا العِقدَ وقَتلُوا الأسوَدَ 

    وإنَّما ضَرَبتُ لك هذا المَثَلَ لتَعلَمَ أنَّ الحِيلَةَ تُجزِئُ ما لا تُجزِئُ القُوَّةُ. قالَ كَليلَةُ: إنَّ الثَّورَ لو لم يَجتَمِعْ معَ شِدَّتِهِ رأيُهُ لكانَ كما تقولُ. ولكنَّ له معَ شِدَّتِهِ وقوَّتِهِ حُسنَ الرأيِ والعَقلَ فماذا تَستَطيعُ له? 

    قالَ دِمنَةُ: إنَّ الثَّورَ لكما ذَكَرتَ في قوَّتِهِ ورأيِهِ ولكنَّهُ مقِرٌّ لي بالفَضلِ وأنا خَليقٌ أن أصرَعَهُ كما صَرَعَتِ الأرنَبُ الأسَدَ. 

    قالَ كَليلَةُ: وكيفَ كانَ ذلكَ? 




    مثل الأرنب والأسد



    قالَ دِمنَةُ: زَعَموا أنَّ أسدًا كانَ في أرضٍ كثيرَةِ المياهِ والعُشبِ. وكانَ في تلك الأرضِ مِنَ الوحوشِ في سَعَةِ المياهِ والمَرعي شيءٌ كثيرٌ. إلا أنَّه لم يكن يَنفَعُها ذلك لخَوفِها مِنَ الأسَدِ. فاجتَمَعَتْ وأتَتْ إلي الأسَدِ فقالت له: إنَّك لتُصيبُ منَّا الدَّابَّةَ بَعدَ الجُهْدِ والتَّعَبِ. وقد رأينا لكَ رأيًا فيه صَلاحٌ لكَ وأمنٌ لنا. فإن أنت أمَّنتَنا ولم تُخِفنا فلك علينا في كلِّ يومٍ دابَّةٌ نُرسِلُ بها إليك في وقتِ غدائِكَ. فَرَضِيَ الأسَدُ بذلك وصالَحَ ش الوحشَ عليه ووَفَينَ له به 

    ثم إنَّ أرنبًا أصابَتها القُرعَةُ وصارَتْ غداءَ الأسَدِ. فقالت للوحوشِ: إن أنتُنَّ رَفَقتُنَّ بي فيما لا يَضُرُّكُنَّ رَجَوتُ أن أُريحَكُنَّ مِنَ الأسَدِ. فقالتِ الوحوشُ: وما الذي تُكَلِّفينَنا مِنَ الأمورِ? قالت: تأمُرنَ الذي يَنطَلِقُ بي إلي الأسَدِ أن يُمهِلني ريثما أُبطِئُ عليه بعضَ الإبطاء. فقُلنَ لها: ذلك لك. فانطَلَقَتِ الأرنَبُ مُتَباطِئةً حتي جاوَزَتِ الوقتَ الذي كانَ يَتَغَدَّي فيه الأسَدُ. ثم تَقَدَّمَتْ إليه وحدَها رويدًا وقد جاعَ، فغَضِبَ وقامَ من مَكانِهِ نحوها فقالَ لها: من أين أقبَلتِ? قالت: أنا رسولُ الوحوشِ إليكَ وقد بَعَثَني ومعي أرنَبٌ لك فتَبِعَني أسَدٌ في بعضِ تلك الطريقِ فأخذَها منّي وقالَ: أنا أولي بهذه الأرضِ وما فيها مِنَ الوحشِ. فقلتُ له: إنَّ هذا غداءُ الملِكِ أرسَلَتْ به الوحوشُ إليه فلا تَغصِبَنَّهُ. فَسَبَّكَ وشَتَمَكَ، فأقبَلتُ مُسرِعَةً لأُخبِرَكَ. 

    فقالَ الأسَدُ: انطَلِقي معي فأريني مَوضِعَ هذا الأسَدِ. فانطَلَقَتِ الأرنَبُ إلي جُبٍّ فيه ماءٌ غامِرٌ صافٍ. فاطَّلَعَتْ فيه وقالت: هذا المكانُ. فاطَّلَعَ الأسَدُ فرأي ظِلَّهُ وظِلَّ الأرنَبِ في الماءِ، فلم يَشُكَّ في قَولِها ووَثَبَ علي الأسَدِ ليُقاتِلَهُ فغَرِقَ في الجُبِّ. فانقَلَبَتِ الأرنبُ إلي الوحوشِ فأعلَمَتهُنَّ صَنيعَها بالأسَدِ. 

    قالَ كَليلَةُ: إن قَدَرتَ علي هَلاكِ الثَّورِ بشيءٍ ليسَ فيه مَضَرَّةٌ للأسَدِ فشأنَكَ. فإنَّ الثَّورَ قد أضَرَّ بي وبك وبغيرِنا مِنَ الجُندِ. وإن أنت لم تَقدِرْ علي ذلك إلاَّ بهلاكِ الأسَدِ، فلا تُقدِمْ عليه فإنَّه غَدرٌ منّي ومنك 

    ثم إنَّ دِمنَةَ تَرَكَ الدُّخولَ علي الأسَدِ أيامًا كثيرَةً. ثم أتاهُ علي خُلوَةٍ منه، فقالَ له الأسَدُ: ما حَبَسَكَ عنّي? منذُ زمانٍ لم أرَكَ. ألا لِخَيرٍ كانَ انقِطاعُكَ. قالَ دِمنَةُ: ليكن خيرًا أيُّها الملِكُ. قالَ الأسَدُ: وهل حَدَثَ أمرٌ? قالَ دِمنَةُ: حَدَثَ ما لم يكن الملِكُ يُريدُهُ ولا أحدٌ من جُندِهِ. قالَ: وما ذاك? قالَ: كلامٌ فَظيعٌ. قالَ: أخبِرْني به 

    قالَ دِمنَةُ: إنَّ كلَّ كلامٍ يَكرَهُهُ سامِعُهُ لا يَجسُرُ عليه قائِلُهُ وإن كانَ ناصِحًا مُشفِقًا إلاَّ إذا كانَ المَقولُ له عاقِلاً، فإنِ اتَّفَقَ ذلك حَمَلَ القَولَ علي مَحمِلِ المَحَبَّةِ وعَلِمَ ما فيه مِنَ النَّصيحَةِ لأنَّ ما كانَ فيه من نَفعٍ فهو له 

    وإنَّكَ أيُّها الملِكُ لَذو فَضيلَةٍ ورأيُكَ يدُلُّكَ علي أنَّه يوجِعُني أن أقولَ ما تَكرَهُ. وإني واثِقٌ بك أنَّك تَعرِفُ نُصحي وإيثاري إيَّاكَ علي نفسي. وإنَّه ليعرِضُ لي أنَّك غيرُ مُصَدِّقي فيما أُخبِرُكَ به. ولكنّي إذا تَذَكَّرتُ وتَفَكَّرتُ أنَّ نُفوسَنا مَعاشِرَ الوحوشِ مُتَعَلِّقَةٌ بك لم أجِدْ بُدًّا من أداءِ النُّصحِ الذي يَلزَمُني وإن أنت لم تَسألني أو خِفتُ أن لا تَقبَلَهُ منّي. فإنَّه يُقالُ مَنْ كَتَمَ السُّلطانَ نَصيحَتَهُ والأطِبَّاءَ مَرَضَهُ والإخوانَ رأيَهُ فقد خانَ نفسَهُ. 

    قالَ الأسَدُ: فما ذاك? قالَ دِمنَةُ: حَدَّثَني الأمينُ الصَّدوقُ عندي أنَّ شَتْرَبَةَ خَلا برؤوسِ جُندِكَ وقالَ لهم: إني قد خَبَرتُ الأسَدَ وبَلَوتُ رأيَهُ ومَكيدَتَهُ وقوَّتَهُ، فاستَبانَ لي أنَّ ذلك يَؤُولُ منه إلي ضُعفٍ وعجزٍ وسيكونُ لي وله شأنٌ مِنَ الشّؤُونِ. 

    فلمَّا بَلَغَني ذلك عَلِمتُ أنَّ شَتْرَبَةَ خَوَّانٌ غَدَّارٌ، وأنَّك أكرَمتَهُ الكَرامَةَ كلَّها وجعلتَهُ نَظيرَ نفسِكَ فهو يَظُنُّ أنَّه مثلُكَ وأنَّك متي زُلتَ عن مكانِكَ كانَ له مُلكُكَ ولا يَدَعُ جُهدًا إلاَّ بَلَغَهُ فيك. وقد كانَ يُقالُ: إذا عَرَفَ الملِكُ من أحدِ رعيَّتِهِ أنَّه قد ساواهُ في المنزلَةِ والحال فليَصرَعهُ. فإن هو لم يَفعَلْ به ذلك كانَ هو المَصروعَ. وشَتْرَبَةُ أعلَمُ بالأمورِ وأبلَغُ فيها. والعاقِلُ هو الذي يحتالُ للأمرِ قَبلَ تَمامِهِ ووقوعِهِ. فإنَّك لا تأمَنُ أن يكونَ وأن لا تَستَدرِكَهُ. فإنَّه يُقالُ: الرجالُ ثلاثَةٌ حازِمٌ وأحزَمُ منه وعاجِزٌ. فالحازِمُ مَن إذا نَزَلَ به الأمرُ لم يَدهَشْ له ولم يَذهَبْ قلبُهُ شَعاعًا ولم تَعيَ به حِيلَتُهُ ومكيدتُهُ التي يَرجو بها المَخرَجَ منه. وأحزَمُ من هذا المِقدامُ ذو العُدَّةِ الذي يَعرِفُ الابتِلاءَ قبلَ وقوعِهِ فيُعظِمُهُ إعظامًا ويَحتالُ له حِيلَةً حتي كأنَّه قد لَزِمَهُ فيَحسِمُ الدَّاءَ قبلَ أن يُبتَلي به ويَدفَعُ الأمرَ قَبلَ وقوعِهِ. وأما العاجِزُ فهو في تَرَدُّدٍ وتَمَنٍّ وتَوانٍ حتي يَهلِكَ. ومن أمثالِ ذلك مَثَلَ السَّمَكاتِ الثَّلاثِ. قالَ الأسَدُ: وكيفَ كانَ ذلكَ? 





    مثل السمكات الثلاث



    قالَ دِمنَةُ: زَعَموا أنَّ غَديرًا كانَ فيه ثلاثٌ مِنَ السَّمَكِ: كَيِّسَةٌ وأكيَسُ منها وعاجِزَةٌ. وكانَ ذلك الغَديرُ بنَجوَةٍ مِنَ الأرضِ لا يكادُ يَقرَبُهُ أحدٌ. وبقربِهِ نهرٌ جارٍ. فاتَّفَقَ أنَّه اجتازَ بذلك النَّهرِ صَيَّادانِ فأبصَرا الغَديرَ فَتواعَدا أن يَرجِعا إليه بشِباكِهِما فيَصيدا ما فيه مِنَ السَّمَكِ. فسَمِعَتِ السَّمَكاتُ قَولَهُما. فأمَّا أكيَسُهُنَّ فلمَّا سَمِعَتْ قَولَهُما ارتابَتْ بهما وتَخَوَّفَتْ منهما فلم تُعَرِّجْ علي شيءٍ حتي خَرَجَتْ مِنَ المكانِ الذي يَدخُلُ فيه الماءُ مِنَ النَّهرِ إلي الغَديرِ فنَجَتْ بنفسِها. وأمَّا الكَيِّسَةُ الأخري فإنَّها مَكَثَتْ مكانَها وتَهاوَنَتْ في الأمرِ حتي جاء الصَّيَّادانِ. فلمَّا رأتهُما وعَرَفَتْ ما يُريدانِ ذَهَبَتْ لتَخرُجَ من حيثُ يَدخُلُ الماءُ فإذا بهما قد سَدَّا ذلك المكانَ فحينَئِذٍ قالت: فَرَّطتُ وهذه عاقِبَةُ التَّفريطِ فكيفَ الحِيلَةُ علي هذه الحالِ? وقلَّما تَنجَحُ حيلَةُ العَجَلَةِ والإرهاقِ . غيرَ أنَّ العاقِلَ لا يَقنَطُ من مَنافِعِ الرأيِ ولا ييأسُ علي حالٍ ولا يَدَعُ الرأيَ والجَهدَ. ثم إنَّها تَماوَتَتْ فطَفَتْ علي وجهِ الماءِ مُنقَلِبَةً علي ظَهرِها تارَةً وتارَةً علي بطنِها. فأخذَها الصَّيَّادانِ وظَنَّاها مَيتَةً فوضَعاها علي الأرضِ بين النَّهرِ والغَديرِ فَوَثَبَتْ إلي النَّهرِ فنَجَتْ. وأمَّا العاجِزَةُ فلم تَزَلْ في إقبالٍ وإدبارٍ حتي صِيدَتْ. 

    قالَ الأسَدُ: قد فهِمتُ ذلك ولا أظُنُّ الثَّورَ يَغُشُّني ولا يَرجو لِيَ الغَوائِلَ، وكيفَ يَفعَلُ ذلك ولم يَرَ منّي سوءًا قَطُّ ولم أدَعْ خيرًا إلاَّ فَعَلتُهُ معه ولا أُمنِيَّةً إلاَّ بَلَّغتُهُ إيَّاها! 

    قالَ دِمنَةُ: أيُّها الملِكُ إنَّه لم يَحمِلهُ علي ذلك إلاَّ ما ذَكَرتَهُ من إكرامِكَ له وتَبليغِكَ إيَّاهُ كلَّ منزلَةٍ خَلا منزلتِك وإنَّه مُتَطَلِّعٌ إليها. فإنَّ اللَّئيمَ لا يَزالُ نافِعًا ناصِحًا حتي يُرفَعَ إلي المنزلَةِ التي ليسَ لها بأهلٍ. فإذا بَلَغَها اشرَأَبَّتْ نفسُهُ إلي ما فَوقَها ولا سيَّمَا أهلُ الخيانَةِ والفُجورِ. فإنَّ اللئيمَ الفاجِرَ لا يَخدُمُ السُّلطانَ ولا ينصَحُ له إلاّ من فَرَقٍ أو حاجَةٍ، فإذا استَغني وذَهَبَتِ الهَيبَةُ والحاجَةُ عادَ إلي جَوهَرِهِ. كَذَنَبِ الكَلبِ الذي يُربَطُ ليَستَقيمَ فلا يَزالُ مُستَوِيًا ما دامَ مَربوطًا فإذا حُلَّ انحَني وتَعَوَّجَ كما كانَ 

    واعلَمْ أيُّها الملِكُ أنَّه مَن لم يَقبَلْ من نُصَحائِهِ ما يَثقُلُ عليه ممَّا يَنصَحونَ له لم يَحمَدْ غِبَّ رأيِهِ. كالمريضِ الذي يَدَعُ ما يَصِفُ له الطَّبيبُ ويَعمِدُ لِما تَشتَهيهِ نفسُهُ. وحُقَّ علي مُؤَازِرِ السُّلطانِ أن يُبالِغَ في التَّحضيضِ له علي ما يَزيدُ به سُلطانَهُ قوَّةً ويَزينُهُ والكَفِّ عمَّا يَضُرُّهُ ويَشينُهُ. وخيرُ الإخوانِ والأعوانِ أقَلُّهُمْ مُداهَنَةً في النَّصيحَةِ. وخيرُ الأعمالِ أحمَدُها عاقِبَةً. وخيرُ النِّساءِ الموافِقَةُ لبَعلِها. وخيرُ الثَّناءِ ما كانَ علي أفواهِ الأخيارِ. وأفضَلُ الملوكِ مَن لا يُخالِطُهُ بَطَرٌ ولا يَستَكبِرُ عن قَبولِ النَّصيحَةِ. وخيرُ الأخلاقِ أعوَنُها علي الوَرَعِ. 

    وقد قيلَ: لو أنَّ امرأً تَوَسَّدَ النَّارَ وافتَرَشَ الحيَّاتَ كانَ أحَقَّ أن يَهنِئهُ النومُ ممن يُحِسُّ من صاحبِهِ بعداوَةٍ يُريدُهُ بها ويَطمَئِنُّ إليه. وأعجَزُ الملوكِ آخَذُهُمْ بالهُوَيناءِ وأقَلُّهُمْ نَظَرًا في مستقبَلِ الأمورِ وأشبَهُهُمْ بالفيلِ الهائِجِ الذي لا يَلتَفِتُ إلي شيءٍ. فإن أحزَنَهُ أمرٌ تَهاوَنَ به وإن أضاعَ الأمورَ حَمَلَ ذلك علي قُرَنائِهِ. 

    قالَ الأسَدُ: لقد أغلَظتَ في القَولِ وقولُ النَّاصِحِ مَقبولٌ مَحمولٌ. وإن كانَ شَتَْرَبَةُ مُعادِيًا لي كما تقولُ فإنَّه لا يستَطيعُ أن يَضُرَّني ولا أن يَفُتَّ في ساعِدي ، وكيفَ يَقدِرُ علي ذلك وهو آكِلُ عُشبٍ وأنا آكِلُ لحمٍ? وإنَّما هو لي طَعامٌ وليسَ عليَّ منه مَخافَةٌ. ثم ليس إلي الغَدرِ به سبيلٌ بعد الأمانِ الذي جَعَلتُهُ له وبعد إكرامي له وثَنائي عليه. وإن غيَّرتُ ما كانَ منّي وبدَّلتُهُ فقد سَفَّهتُ رأيي وجَهَّلتُ نفسي وغَدَرتُ بذِمَّتي ونَقَضتُ عهدي. 

    قالَ دِمنَةُ: لا يَغُرَّنَّكَ قولُكَ هو لي طعامٌ وليسَ عليَّ منه مخافَةٌ. فإنَّ شَتْرَبَةَ إن لم يَستَطِعكَ بنفسِهِ احتالَ لك من قِبَلِ غيرِهِ. ويُقالُ إنِ استَضافَكَ ضَيفٌ ساعَةً من نهارٍ وأنت لا تَعرِفُ أخلاقَهُ فلا تَأمَنهُ علي نفسِكَ ولا تَأمَنْ أن يُصيبَكَ منه أو بسببِهِ ما أصابَ القَملَةَ مِنَ البُرغوثِ. 

    قالَ الأسَدُ: وكيفَ كانَ ذلكَ? 







    مثل القَمْلَةِ والبُرغوث



    قالَ دِمنَةُ: زَعَموا أنَّ قَملَةً لَزِمَتْ فراشَ رجلٍ مِنَ الأغنياءِ دَهرًا فكانت تُصيبُ من دَمِهِ وهو نائِمٌ لا يَشعُرُ وتَدِبُّ دَبيبًا رَفيقًا. فمَكَثَتْ كذلك حينًا حتي استضَافَها ليلَةً مِنَ الليالي بُرغوثٌ. فقالت له: بِتِ الليلَةَ عندنَا في دَمٍ طَيِّبٍ وفراشٍ لَيِّنٍ. فأقامَ البُرغوثُ عندَها حتي إذا أوَي الرجلُ إلي فراشِهِ وَثَبَ عليه البُرغوثُ فلَدَغَهُ لَدغَةً أيقَظَتهُ وأطارَتِ النومَ عنه، فقامَ الرجلُ وأمَرَ أن يُفَتَّشَ فراشُهُ فنُظِرَ فلم يُرَ إلاَّ القَملَةُ فأُخِذَتْ فقُصِعَتْ وفَرَّ البُرغوثُ. 

    وإنَّما ضَرَبتُ لك هذا المَثَلَ لتَعلَمَ أنَّ صاحِبَ الشَّرِّ لا يَسلَمُ من شَرِّهِ أحدٌ. وإن هو ضَعُفَ عن ذلك جاء الشَّرُّ بسببِهِ. وإن كنتَ لا تَخافُ من شَتْرَبَةَ فَخَفْ غيرَهُ من جُندِكَ الذينَ قد حَرَّشَهُمْ عليك وحَمَلَهُمْ علي عداوَتِكَ. 

    فَوَقَعَ في نفسِ الأسَدِ كلامُ دِمنَةَ. فقالَ: فما الذي تَرَي إذن وبماذا تُشيرُ? قالَ دِمنَةُ: إنَّ الضِّرسَ المَأكولَ لا يَزالُ صاحِبُهُ منه في ألَمٍ وأذًي حتي يَقلَعَهُ. والطعامَ الذي قد عَفِنَ في البطنِ الراحَةُ في قَذفِهِ. والعَدُوَّ المُخيفَ دواؤُهُ قَتلُهُ. قالَ الأسَدُ: لقد تَرَكتَني أكرَهُ مُجاوَرَةَ شَتْرَبَةَ إيَّايَ. وأنا مُرسِلٌ إليه وذاكِرٌ له ما وَقَعَ في نفسي منه. ثم آمُرُهُ باللِّحاقِ حيثُ أحَبَّ. 

    فَكَرِهَ دِمنَةُ ذلك وعَلِمَ أنَّ الأسَدَ متي كَلَّمَ شَتْرَبَةَ في ذلك وسَمِعَ منه جوابًا عَرَفَ باطِلَ ما أتي هو به واطَّلَعَ علي غَدرِهِ وكَذِبِهِ ولم يَخفَ عليه أمرُهُ. فقالَ للأسَدِ: أمَّا إرسالُكَ إلي شَتْرَبَةَ فلا أراهُ لك رأيًا ولا حَزمًا. فليَنظِرُ الملِكُ في ذلك فإنَّه لا يَزالُ لك في نفسِكَ الخِيارُ ما دامَ لا يَعلَمُ أنَّ أمرَهُ قد وَصَلَ إليك. فإنَّه متي عَلِمَ ذلك خِفتُ أن يُعاجِلَ الملِكَ بالمُكابَرَةِ. وهو إن قاتَلَكَ قاتَلَكَ مُستَعِدًا وإن فارَقَكَ فارَقَكَ فِراقًا يَليكَ منه النَّقصُ ويَلزَمُكَ منه العارُ. مَعَ أنَّ ذَوي الرَّأْيِ مِنَ المُلوكِ لا يُعلِنونَ عُقوبَةَ مَنْ لم يُعْلَنْ ذَنبَهُ. ولكنَّ لِكُلِّ ذَنْبٍ عِندَهُم عُقوبَةً. فَلِذَنْبِ العَلانِيَةِ عُقوبَةُ العَلانِيَةِ. ولِذَنْبِ السِّرِّ عُقوبَةُ السِّرِّ. 

    قالَ الأسَدُ: إنَّ الملِكَ إذا عاقَبَ أحدًا عن ظِنَّةٍ ظَنَّها من غيرِ تَيَقُّنٍ لجُرمِهِ فنفسَهُ عاقَبَ وإياها ظَلَمَ وكانَ ناقِصَ البَصيرَةِ. 

    قالَ دِمنَةُ: أمَّا إذا كانَ هذا رأيَ الملِكِ فلا يَدخُلَنَّ عليك شَتْرَبَةُ إلاَّ وأنت مُستَعِدٌّ له، وإيَّاكَ أن تُصيبَهُ منكَ غِرَّةٌ أو غَفلَةٌ. فإني لا أحسَبُ الملِكَ حين يَدخُلُ عليه إلاَّ سَيَعرِفُ أنَّه قد هَمَّ بعظيمَةٍ. ومن علاماتِ ذلك أنَّك تَري هيئتَهُ مُتَغَيِّرَةً، وتَرَي أوصالَهُ تُرعَدُ وتَراهُ مُلتَفِتًا يَمينًا وشِمالاً، وتَراهُ يُصَوِّبُ قَرنَيهِ فِعلَ الذي هَمَّ بالنِّطاحِ والقِتالِ. 

    قالَ الأسَدُ: سأكونُ منه علي حَذَرٍ وإن رأيتُ منه ما يَدُلُّ علي ما ذَكَرتَ عَلِمتُ أنَّ ما في أمرِهِ شَكٌ. 

    فلمَّا فَرَغَ دِمنَةُ من تَحريشِ الأسَدِ علي الثَّورِ وعَرَفَ أنَّه قد وقَعَ في نفسِهِ ما كانَ يَلتَمِسُ وأنَّ الأسَدَ سَيَتَحَذَّرُ مِنَ الثَّورِ ويَتَهَيَّأُ له أرادَ أن يأتِيَ الثَّورَ ليُغرِيَهُ بالأسَدِ. وأحَبَّ أن يكونَ إتيانُهُ من قِبَلِ الأسَدِ مخافَةَ أن يَبلُغَهُ ذلك فَيَتَأذَّي به، فقالَ: أيُّها الملِكُ ألا آتي شَتْرَبَةَ فأنظُرَ إلي حالِهِ وأمرِهِ وأسمَعَ كلامَهُ لعلّي أن أطَّلِعَ علي سِرِّهِ فأُطلِعَ الملِكَ علي ذلك وعلي ما يَظهَرُ لي منه? فأذِنَ له الأسَدُ في ذلك. فانطَلَقَ فدَخَلَ علي شَتْرَبَةَ كالكَئيبِ الحَزينِ. فلمَّا رآهُ الثَّورُ رَحَّبَ به وقالَ: ما كانَ سَبَبُ انقِطاعِكَ عنّي فإنّي لم أرَكَ منذُ أيامٍ، أسَلامَةٌ هو? قالَ دِمنَةُ: ومتي كانَ من أهلِ السَّلامَةِ مَن لا يَملِكُ نفسَهُ وأمرُهُ بيدِ غيرِهِ ممن لا يوثِقُ به ولا يَنفَكُّ علي خَطَرٍ وخَوفٍ حتي ما من ساعَةٍ تَمُرُّ ويأمَنُ فيها علي نفسِهِ! 

    قالَ شَتْرَبَةُ: وما الذي حَدَثَ? قالَ دِمنَةُ: حَدَثَ ما قُدِّرَ وهو كائِنٌ. ومَن ذا الذي غالَبَ القَدَرَ? ومَن ذا الذي بَلَغَ مِنَ الدُّنيا جَسيمًا مِنَ الأمورِ فلم يَبطَرْ? ومَن ذا الذي بَلَغَ مُناهُ فلم يَغتَرَّ? ومَن ذا الذي تَبعَ هَواهُ فلم يَخسَرْ? ومَن ذا الذي حادَثَ النِّساءَ فلم يُصَبْ? ومَن ذا الذي طَلَبَ مِنَ اللِّئامِ فلم يُحرَمْ? ومَن ذا الذي خالَطَ الأشرارَ فَسَلِمَ? ومَن ذا الذي صَحِبَ السُّلطانَ فَدامَ له منه الأمنُ والإحسانُ? ولقد صَدَقَ الذي قالَ: مَثَلُ السَّلاطينِ في قِلَّةِ وفائِهِمْ لِمَن صَحِبَهُمْ وسَخاءِ أنفسِهِمْ بمن فَقَدُوا من قُرَنائِهِمْ كَمَثَلِ صاحِبِ الخانِ كلَّما فَقَدَ واحِدًا جاء آخَرُ. 

    قالَ شَتْرَبَةُ: إني أسمَعُ منكَ كلامًا يَدُلُّ علي أنَّه قد رابَكَ مِنَ الأسَدِ رائِبٌ وهالَكَ منه أمرٌ. 

    قالَ دِمنَةُ: أجَلْ لقد رابَني منه ذلك وليسَ هو في أمرِ نفسي. 

    قالَ شَتْرَبَةُ: ففي نفسِ مَن رابَكَ? قالَ دِمنَةُ: قد تعلَمُ ما بيني وبينك وتَعلَمُ حَقَّكَ عليَّ وما كنتُ جَعَلتُ لك مِنَ العَهدِ والميثاقِ أيَّامَ أرسَلَني الأسَدُ إليك. فلم أجِدْ بُدًّا من حِفظِكَ وإطلاعِكَ علي ما اطَّلَعتُ عليه ممَّا أخافُ عليك منه. 

    قالَ شَتْرَبَةُ: وما الذي بَلَغَكَ? قالَ دِمنَةُ: حَدَّثَني الخَبيرُ الصَّدوقُ الذي لا مِريَةَ في قَولِهِ أنَّ الأسَدَ قالَ لبعضِ أصحابِهِ وجُلَسائِهِ: قد أعجَبَني سِمَنُ الثَّورِ وليسَ لي إلي حياتِهِ حاجَةٌ فأنا آكِلُهُ ومُطعِمٌ أصحابي من لحمِهِ. فلمَّا بَلَغَني هذا القَولُ وعَرَفتُ غَدرَهُ وسوءَ عهدِهِ أقبَلتُ إليك لأقضِيَ حَقَّكَ وتَحتالَ أنتَ لأمرِكَ. 

    فلمَّا سَمِعَ شَتْرَبَةُ كلامَ دِمنَةَ وتَذَكَّرَ ما كانَ دِمنَةُ جَعَلَ له مِنَ العَهدِ والميثاقِ وفَكَّرَ في أمرِ الأسَدِ ظَنَّ أنَّ دِمنَةَ قد صَدَّقَهُ ونَصَحَ له. ورأي أنَّ الأمرَ شبيهٌ بما قالَ دِمنَةُ. فأهَمَّهُ ذلك وقالَ: ما كانَ للأسَدِ أن يَغدُرَ بي ولم آتِ إليه ذَنبًا ولا إلي أحدٍ من جُندِهِ منذ صَحِبتُهُ، ولا أظُنُّ الأسَدَ إلاَّ قد حُمِلَ عليَّ بالكَذِبِ وشُبِّهَ عليه أمري، فإنَّ الأسَدَ قد صَحِبَهُ قَومُ سوءٍ وجَرَّبَ منهُمُ الكَذِبَ وأُمورًا تُصَدَّقُ إذا بَلَغَتهُ عن غيرِهِم. فإنَّ صُحبَةَ الأشرارِ ربما أورَثَتْ صاحِبَها سوء ظَنٍّ بالأخيارِ وحَمَلَهُ ما يَختَبِرُهُ منهم علي الخَطإ في حقِّ غيرِهم، كخطإِ البطَّةِ التي زَعَموا أنَّها رأتْ في الماءِ ضَوء كوكَبٍ فَظَنَّتهُ سَمَكَةً فحاوَلَتْ أن تَصيدَها. فلمَّا جَرَّبَتْ ذلك مِرارًا عَلِمَتْ أنَّه ليسَ بشيءٍ يُصادُ فتَرَكَتْهُ. ثم رأتْ من غَدِ ذلك اليومِ سَمَكَةً. فَظَنَّتْ أنَّها مثلُ الذي رأتهُ بالأمسِ فَتَرَكَتْها ولم تَطلُبْ صَيدَها. 

    قالَ دِمنَةُ: إنَّ إرادَةَ الأسَدِ بك ليست من تَحْريشِ الأشرارِ ولا سَكَرةِ السُّلطانِ ولا غيرِ ذلك. ولكنَّها الغَدرُ والفُجورُ منه فإنَّه فاجِرٌ خَوَّانٌ غَدَّارٌ لطعامِهِ حَلاوَةٌ وآخِرُهُ سُمٌّ مُميتٌ. 

    قالَ شَتْرَبَةُ: فأراني قد استَلذَذتُ الحَلاوَةَ إذ ذُقتُها وقد انتَهَيتُ إلي آخِرها الذي هو المَوتُ. ولولا الحَينُ ما كانَ مُقامي عند الأسَدِ وهو آكِلُ لحمٍ وأنا آكِلُ عُشبٍ. فأنا في هذه الورطَةِ كالنَّحلَةِ التي تَجلِسُ علي نَورِ النِّيلُوفَرِ إذ تَستَلِذُّ ريحَهُ وطَعمَهُ فتَحبِسُها تلك اللَّذَّةُ عنِ الحِينِ الذي يَنبَغي أن تَطيرَ فيه. فإذا جاء الليلُ يَنضَمُّ عليها فتَرتَبِكُ فيه وتَموتُ. ومَن لم يَرضَ مِنَ الدُّنيا بالكَفافِ الذي يُغنيهِ وطَمَحَتْ عينُهُ إلي ما سوي ذلك ولم يَتَخَوَّفْ عاقِبَتَهُ كانَ كالذُّبابِ الذي لا يَرضي بالشَّجَرِ والرَّياحينِ ولا يُقنِعُهُ ذلك حتي يَطلُبَ الماء الذي يَسيلُ من أُذُنِ الفيلِ فَيَضرِبُهُ الفيلُ بأُذُنَيهِ فيُهلِكُهُ. ومَن يَبذُلْ وُدَّهُ ونَصيحَتَهُ لِمَن لا يَشكُرُهُ فهو كَمَن يَبذُرُ في السِّباخِ . ومَن يُشِرْ علي المُعجَبِ كَمَن يُشاوِرُ المَيتَ أو يُسارُّ الأصَمَّ. 

    قالَ دِمنَةُ: دَعْ عنك هذا الكلامَ واحتَلْ لنفسِكَ. قالَ شَتْرَبَةُ: بأيِّ شيءٍ أحتالُ لنفسي إذا أرادَ الأسَدُ أكلي معَ ما عَرَّفَتني من رأيِ الأسَدِ وسوءٍ أخلاقِهِ? وأعلَمُ أنَّه لو لم يُرِدْ بي إلاَّ خَيرًا ثم أرادَ أصحابُهُ بمَكرِهِمْ وفُجورِهِمْ هَلاكي لَقَدروا علي ذلك. فإنَّه إذا اجتَمَعَ المَكَرَةُ الظَّلَمَةُ علي البَريءِ الصَّالِحِ كانوا خُلَقاءَ أن يُهلِكوهُ وإن كانوا ضُعَفاءَ وهو قَوِيٌّ. كما أهلَكَ الذِّئبُ والغُرابُ وابنُ آوي الجَمَلَ حين اجتَمَعوا عليه بالمَكرِ والخَديعَةِ والخيانَةِ. 

    قالَ دِمنَةُ: وكيفَ كانَ ذلكَ?
    ثقوا بالماء يا سكـّان أغنيتي
    al_nhar@hotmail.com
  • 03-02-2004 الساعة : 09:19 PM#5

    شاعر 



    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    1,102
    مثل الذئب والغراب وابن آوى والجمل


    قالَ شَتْرَبَةُ: زَعَموا أنَّ أسَدًا كانَ في أجَمَةٍ مُجاوِرَةٍ لطريقٍ من طُرُقِ الناسِ، وكانَ له أصحابٌ ثلاثَةٌ: ذِئبٌ وغُرابٌ وابنُ آوي. وإنَّ رُعاةً مَرُّوا بذلك الطَّريقِ ومعَهُم جِمالٌ. فتَخَلَّفَ منها جَمَلٌ فدَخَلَ تلك الأجَمَةَ حتي انتَهي إلي الأسَدِ. فقالَ له الأسَدُ: من أينَ أقبَلتَ? قالَ: من مَوضِعِ كذا. قالَ: فما حاجَتُكَ? قالَ: ما يأمُرُني به الملِكُ. قالَ: تُقيمُ عندنَا في السَّعَةِ والأمنِ والخِصبِ. فأقامَ الأسَدُ والجَمَلُ معه زمانًا طويلاً. 

    ثم إنَّ الأسَدَ مَضي في بعضِ الأيامِ لطَلَبِ الصَّيدِ، فَلَقِي فيلاً عَظيمًا فقاتَلَهُ قِتالاً شديدًا وأفلَتَ منه مُثقَلاً مُثخَنًا بالجِراحِ يَسيلُ منه الدَّمُ، وقد خَدَشَهُ الفيلُ بأنيابِهِ. فلمَّا وصلَ إلي مكانِهِ وَقَعَ لا يَستَطيعُ حراكًا ولا يَقدِرُ علي طَلَبِ الصَّيدِ. فَلَبِثَ الذِّئبُ والغُرابُ وابنُ آوي أيَّامًا لا يَجِدونَ طعامًا لأنَّهم كانوا يأكلونَ من فَضَلاتِ الأسَدِ وطعامِهِ. فأصابَهُمْ وأصابَهُ جوعٌ شديدٌ وهُزالٌ. وعَرَفَ الأسَدُ منهم ذلك فقالَ: لقد جُهِدتُمْ واحتَجتُمْ إلي ما تأكُلونَ. فقالوا: لا تُهِمُّنا أنفسُنا. لكنَّا نَري الملِكَ علي ما نَراهُ فليتَنا نَجِدُ ما يأكُلُهُ ويُصلِحُهُ. قالَ الأسَدُ: ما أشُكُّ في نصيحَتِكُمْ ولكنِ انتَشِروا لعلَّكُم تُصيبونَ صَيدًا تأتونَني به فَيُصيبَني ويُصيبَكُم منه رِزقٌ. 

    فَخَرَجَ الذئبُ والغرابُ وابنُ آوي من عند الأسَدِ فَتَنَحَّوا وائتَمَروا فيما بينهم وقالوا: ما لنا ولهذا الآكِلِ العُشبِ الذي ليسَ شأنُهُ من شأنِنا ولا رأيُهُ من رأينا، ألا نُزَيِّنُ للأسَدِ فيأكُلَهُ ويُطعِمَنا من لحمِهِ? قالَ ابنُ آوي: هذا ممَّا لا نَستَطيعُ ذِكرَهُ للأسَدِ لأنَّه قد أمَّنَ الجَمَلَ وجَعَلَ له من ذِمَّتِهِ. قالَ الغرابُ: أنا أكفيكُمْ أمرَ الأسَدِ. ثم انطَلَقَ فدَخَلَ عليه فقالَ له الأسَدُ: هل أصَبتَ شيئًا? قالَ الغرابُ: إنما يُصيبُ مَن يَسعي ويُبصِرُ. وأما نحن فلا سَعيَ لنا ولا بَصَرَ لِما بِنا مِنَ الجوعِ. ولكن قد وُفِّقْنَا إلي أمرٍ واجتَمَعنا عليه إن وافَقَنا الملِكُ فنحن له مُجيبونَ. قالَ الأسَدُ: وما ذاك? قالَ الغُرابُ: هذا الجَمَلُ آكِلُ العُشبِ المُتَمَرِّغُ بيننا من غيرِ مَنفَعَةٍ لنا منه ولا رَدِّ عائِدَةٍ ولا عَمَلٍ يُعقِبُ مصلحَةً. 

    فلمَّا سَمِعَ الأسَدُ ذلك غَضِبَ وقالَ: ما أخطأَ رأيَكَ وما أعجَزَ مقالَكَ وأبعدَكَ عنِ الوفاءِ والرَّحمَةِ! وما كنتُ حقيقًا أن تَجتَرِئَ عليَّ بهذه المقالَةِ وتَستَقِلَني بهذا الخِطابِ معَ ما عَلِمتَ من أني قد أمَّنتُ الجَمَلَ وجَعَلتُ له من ذِمَّتي. أوَ لم يَبلُغْكَ أنَّه لم يَتَصَدَّقْ مُتَصَدِّقٌ بصَدَقَةٍ هي أعظَمُ أجرًا ممن أمَّنَ نفسًا خائِفَةً وحَقنَ دَمًا مَهدورًا? أمَّنتُهُ ولستُ بغادِرٍ به ولا خافِرٍ له ذِمَّةً. 

    قالَ الغرابُ: إني لأعرِفُ ما يقولُ الملِكُ ولكنَّ النَّفسَ الواحِدَةَ يُفتَدي بها أهلُ البيتِ، وأهلُ البيتِ تُفتَدي بهمِ القبيلَةُ، والقبيلَةُ يُفتَدي بها أهلُ المِصرِ، وأهلُ المِصرِ فِدي الملِكِ. وقد نَزَلَتْ بالملِكِ الحاجَةُ وأنا أجعَلُ له من ذِمَّتِهِ مَخْرَجًا علي أن لا يَتَكَلَّفَ الملِكُ ذلك ولا يَلِيَهُ بنفسِهِ ولا يأمُرَ به أحدًا. ولكنَّا نَحتالُ بحيلَةٍ لنا وله فيها صَلاحٌ وظَفَرٌ. 

    فَسَكَتَ الأسَدُ عن جوابِ الغرابِ عن هذا الخطابِ. فلمَّا عَرَفَ الغرابُ إقرارَ الأسَدِ أتي صاحِبَيهِ فقالَ لهما: قد كَلَّمتُ الأسَدَ في أكلِهِ الجَمَلَ علي أن نَجتَمِعَ نحن والجَمَلُ عند الأسَدِ فنَذكُرَ ما أصابَهُ ونَتَوجَّعَ له اهتِمامًا منَّا بأمرِهِ وحِرصًا علي صَلاحِهِ. ويَعرِضُ كلُّ واحدٍ منَّا نفسَهُ عليه تَجَمُّلاً ليأكُلَهُ فَيَرُدَّ الآخرانِ عليه ويُسَفِّها رأيَهُ ويُبينَا الضَّرَرَ في أكلِهِ. فإذا جاءَت نَوبَةُ الجَمَلِ صَوَّبنا رأيَهُ فهَلَكَ وسَلِمنا كلُّنا ورَضِيَ الأسَدُ عنَّا. 

    ففعَلوا ذلك وتَقَدَّموا إلي الأسَدِ، فقالَ الغرابُ: قد احتَجتَ أيُّها الملِكُ إلي ما يَقوتُكَ. ونحن أحَقُّ أن نَهَبَ أنفسَنا لك فإنَّا بك نَعيشُ فإذا هَلَكتَ فليسَ لأحدٍ منَّا بَقاءٌ بعدَكَ ولا لنا في الحياةِ من خِيرَةٍ. فليأكُلني الملِكُ فقد طِبتُ بذلك نفسًا. فأجابَهُ الذئبُ وابنُ آوي أنِ اسكُتْ فلا خَيرَ للملِكِ في أكلِكَ وليسَ فيكَ شِبَعٌ. 

    قالَ ابنُ آوي: لكن أنا أُشبِعُ الملِكَ فليأكُلني فقد رَضيتُ بذلك وطِبتُ نفسًا. فَرَدَّ عليه الذِئبُ والغرابُ بقَولِهِما: إنَّك لَمُنتِنٌ قَذِرٌ. 

    قالَ الذِئبُ: إني لستُ كذلك فليأكُلني الملِكُ فقد سَمَحتُ بذلك وطابَتْ به نفسي. فاعتَرَضَهُ الغرابُ وابنُ آوي وقالا: قد قالتِ الأطِبَّاءُ مَن أرادَ قَتلَ نفسِهِ فليأكُلْ لحمَ ذِئبٍ. 

    فَظَنَّ الجَمَلُ أنَّه إذا عَرَضَ نفسَهُ علي الأكلِ التَمَسوا له عُذرًا كما التَمَسَ بعضُهُمْ لبعضٍ الأعذارَ فَيَسلَمُ ويَرضي الأسَدُ عنه بذلك ويَنجو مِنَ المَهالِكِ. فقالَ: لكن أنا فِيَّ للملِكِ شِبَعٌ وَرِيٌّ ولَحمي طَيِّبٌ هَنِيٌّ وبَطني نَظيفٌ فليأكُلني الملِكُ ويُطعِمْ أصحابَهُ وخَدَمَهُ فقد رَضيتُ بذلك وطابَتْ نفسي به. فقالَ الذئبُ وابنُ آوي والغرابُ: لقد صَدَقَ الجَمَلُ وكَرُمَ وقالَ ما عَرَفَ. ثم إنَّهم وثَبوا عليه فمَزَّقوهُ. 

    وإنَّما ضَرَبتُ لك هذا المَثَلَ لتَعلَمَ أنَّه إن كانَ أصحابُ الأسَدِ قدِ اجتَمَعوا علي هَلاكي فإني لستُ أقدِرُ أن أمتَنِعَ منهم ولا أحتَرِسَ وإن كانَ رأيُ الأسَدِ فِيَّ علي غيرِ ما هُم عليه مِنَ الرأيِ. فإنَّ ذلك لا يَنفَعُني ولا يُغني عنّي شيئًا. وقد يُقالُ خيرُ السَّلاطينِ مَن أشبَهَ النَّسرَ وحولَهُ الجِيفُ لا مَن أشبَهَ الجِيفَةَ وحولَها النُّسورُ. ولو أنَّ الأسَدَ لم يكن في نفسِهِ لي إلاَّ الخيرُ والرَّحمَةُ لغَيَّرَتهُ كَثرَةُ الأقاويلِ. فإنَّها إذا كَثُرَتْ لم تَكُفَّ دونَ أن تُذهِبَ الرِّقَّةَ والرَّأفَةَ. ألا تَرَي أنَّ الماء ليسَ كالقَولِ، وأنَّ الحَجَرَ أشَدُّ مِنَ الإنسانِ? والماءُ إذا دامَ انحِدارُهُ علي الحَجَرِ لم يَزَلْ به حتي يَثقُبَهُ ويُؤَثِّرَ فيه. وكذلك القَولُ في الإنسانِ. 

    قالَ دِمنَةُ: فماذا تُريدُ أن تَصنَعَ الآنَ? قالَ شَتْربَةُ: ما أري إلاَّ الاجتِهادَ والمُجاهَدَةَ بالقِتالِ، فإنَّه ليسَ للمُصَلِّي في صَلاتِهِ ولا للمُحتَسِبِ في صَدَقَتِهِ ولا للوَرِعِ في وَرَعِهِ مِنَ الأجرِ ما للمُجاهِدِ عن نفسِهِ إذا كانت مُجاهَدَتُهُ علي الحَقِّ. 

    قالَ دِمنَةُ: لا يَنبَغي لأحَدٍ أن يُخاطِرَ بنفسِهِ وهو يَستَطيعُ غيرَ ذلك. 

    ولكنَّ ذا الرأيِ جاعِلٌ القِتالَ آخِرَ الحِيَلِ وبادِئٌ قَبلَ ذلك بما استَطاعَ من رِفقٍ وتَمَحُّلٍ . وقد قيلَ: لا تَحقُرَنَّ العَدُوَّ والضَّعيفَ المُهينَ ولا سِيَّمَا إذا كانَ ذا حِيلَةٍ ويَقدِرُ علي الأعوانِ. فكيفَ بالأسَدِ علي جَراءَتِهِ وشِدَّتِهِ! 

    قالَ شَتْربَةُ: فما أنا بمُقاتِلٍ الأسَدَ ولا ناصِبٍ له العَداوَةَ سِرَّا ولا عَلانِيَةً ولا مُتَغَيِّرٍ له عمَّا كنتُ عليه حتي يبدو لي منه ما أتخَوَّفُ فأُغالِبَهُ. 

    فَكَرِهَ دِمنَةُ قَولَهُ وعَلِمَ أنَّ الأسَدَ إن لم يَرَ مِنَ الثَّورِ العلاماتِ التي كانَ ذَكَرَها له اتَّهَمَهُ وأساءَ به الظَّنَّ. فقالَ لشَتْربَةَ: اذهَبْ إلي الأسَدِ فسَتَعرِفُ حين ينظُرُ إليك ما يُريدُ منك. 

    قالَ شَتْرَبَةُ: وكيف أعرِفُ ذلك? قالَ دِمنَةُ: ستَري الأسَدَ حين تَدخُلُ عليه مُقعِيًا علي ذَنَبِهِ رافِعًا صَدرَهُ إليك مادًّا بَصَرَهُ نحوك قد صَرَّ أُذُنَيهِ وفَغَرَ فاهُ واستَوي للوَثبَةِ. قالَ: إن رأيتُ هذه العلاماتِ مِنَ الأسَدِ عَرَفتُ صِدقَكَ في قَولِكَ. 

    ثم إنَّ دِمنَةَ لمَّا فَرَغَ من تَحريشِ الأسَدِ علي الثَّورِ والثَّورِ علي الأسَدِ تَوَجَّهَ إلي كَليلَةَ. فلمَّا التَقَيا قالَ كَليلَةُ: إلامَ انتهي عَمَلُكَ الذي كنتَ فيه? قالَ دِمنَةُ: قريبٌ مِنَ الفراغِ علي ما أُحِبُّ وتُحِبُّ. 

    ثم إنَّ كَليلَةَ ودِمنَةَ انطَلَقا جميعًا ليَحضُرا قِتالَ الأسَدِ والثَّورِ وينظُرا ما يَجري بينهما وما يَؤُولُ إليه أمرُهُما. وجاءَ شَتَربَةُ فدَخَلَ علي الأسَدِ فرآهُ مُقعِيًا كما وصفَهُ له دِمنَةُ فقالَ: ما صاحِبُ السُّلطانِ إلاَّ كصاحِبِ الحيَّةِ التي في صدرِهِ لا يدري متي تَهيجُ عليه. 

    ثم إنَّ الأسَدَ نَظَرَ إلي الثَّورِ فرأي الدِّلالاتِ التي ذَكَرَها له دِمنَةُ فلم يَشُكَّ أنَّه جاءَ لِقِتالِهِ. فواثَبَهُ ونَشَأَتْ بينهما الحربُ واشتَدَّ قتالُ الثَّورِ والأسَدِ وطالَ وسالَتْ بينهما الدِّماءُ. 

    فلمَّا رأي كَليلَةُ أنَّ الأسَدَ قد بَلَغَ مِنَ القِتالِ ما بَلَغَ قالَ لدِمنَةَ: أيُّها الفَسلُ ، ما أنكَرَ جَهلَتَكَ وأسوَأُ عاقِبَتَكَ في تَدبيرِكَ! قالَ دِمنَةُ: وما ذاكَ? قالَ كَليلَةُ: جُرِحَ الأسَدُ وهَلَكَ الثَّورُ. وإنَّ أخرَقَ الخُرقِ مَن حَمَلَ صاحِبَهُ علي سوءِ الخُلُقِ والمبارَزَةِ والقتالِ وهو يَجِدُ إلي غيرِ ذلك سبيلاً. وإنَّما الرجلُ إذا أمكَنَتهُ الفرصَةُ من عَدُوِّهِ يَترُكُهُ مخافَةَ التَّعَرُّضِ له بالمُجاهَرَةِ ورَجاءَ أن يَقدِرَ عليه بدونِ ذلك. وإنَّ العاقِلَ يُدَبِّرُ الأشياءَ ويَقيسُها قَبلَ مُباشَرَتِها، فما رَجا أن يَتِمَّ له منها أقدَمَ عليه، وما خافَ أن يَتَعَذَّرَ عليه منها انحرَفَ عنه ولم يَلتَفِتْ إليه. وإني لأخافُ عليك عاقِبَةَ بَغْيِكَ هذا، فإنَّكَ قد أحسَنتَ القَولَ ولم تُحسِنِ العَمَلَ. أينَ مُعاهَدَتُكَ إيَّايَ أنَّك لا تُضِرُّ بالأسَدِ في تَدبيرِكَ? وقد قيلَ: لا خيرَ في القَولِ إلاَّ معَ العَمَلِ. ولا في الفِقهِ إلاَّ معَ الوَرَعِ. ولا في الصَّدَقَةِ إلاَّ معَ النِّيَّةِ. ولا في المالِ إلاَّ معَ الجُودِ. ولا في الصِّدقِ إلاَّ معَ الوفاءِ. ولا في الحياةِ إلاَّ معَ الصِحَّةِ. ولا في الأمنِ إلاَّ معَ السُّرورِ. وقد شَرَطتَ أمرًا لا يَقدِرُ عليه إلاَّ العاقِلُ الرَّفيقُ. 

    فانتَهي كَليلَةُ من كلامِهِ إلي هذا المكانِ وقد فَرَغَ الأسَدُ مِنَ الثَّورِ. ثم فَكَّرَ في قَتلِهِ بعد أن قَتَلَهُ وذَهَبَ عنه الغَضَبُ وقالَ: لقد فَجَعَني شَتْرَبَةُ بنفسِهِ وكانَ ذا عَقلٍ ورأيٍ وخُلقٍ كريمٍ. ولا أدري لعلَّهُ كانَ بَريئًا أو مَكذوبًا عليه. فحَزِنَ ونَدِمَ علي ما كانَ منه. وتَبَيَّنَ ذلك في وَجهِهِ وبَصُرَ به دِمنَةُ فتَرَكَ مُحاوَرَةَ كَليلَةَ وتَقَدَّمَ إلي الأسَدِ فقالَ له: لِيَهنِئكَ الظَّفَرُ، إذ أهلَكَ اللهُ أعداءَكَ، فما يُحزِنُكَ أيُّها الملِكُ? قالَ: أنا حزينٌ علي عَقلِ شَتْرَبَةَ ورأيِهِ وأدَبِهِ. قالَ له دِمنَةُ: لا تَرحَمهُ أيُّها الملِكُ فإنَّ العاقِلَ لا يَرحَمُ مَن يَخافُهُ، وإنَّ الرَّجلَ الحازِمَ ربما أبغَضَ الرجلَ وكَرِهَهُ ثم قَرَّبَهُ وأدناهُ لِما يَعلَمُ عندَهُ مِنَ الغَناء والكَفاءَةِ فِعلَ الرجلِ المُتَكارِهِ علي الدَّواءِ الشَّنيعِ رَجاءَ مَنفَعَتِهِ. وربما أحَبَّ الرَّجلَ وعَزَّ عليه فأقصاهُ وأهلَكَهُ مخافَةَ ضَرَرِهِ. كالذي تَلدَغُهُ الحيَّةُ في إصبَعِهِ فيَقطَعُها ويَتَبَرَّأُ منها مخافَةَ أن يَسريَ سُمُّها إلي بَدَنِهِ. 

    فَرَضِيَ الأسَدُ بقَولِ دِمنَةَ. ثم عَلِمَ بعد ذلك بكَذِبِهِ وفُجورِهِ فقَتَلَهُ شَرَّ قِتلَةٍ 




    باب البوم والغربان


    قالَ دَبشَليمُ الملِكُ لبَيْدَبا الفَيلَسوفِ: قد سَمِعتُ مَثَلَ إخوانِ الصَّفاءِ وتَعاوُنِهِم. فاضرِبْ لي مَثَلَ العَدُوِّ الذي لا يَنبَغي أن يُغتَرَّ به وإن أظهَرَ تَضَرُّعًا ومَلَقًا . وأخبِرني عنِ العَدُوِّ هل يَصيرُ صديقًا وهل يُوثَقُ من أمرِهِ بشيءٍ، وكيفَ العَداوَةُ وما ضَرَرُها، وكيفَ يَنبَغي للملِكِ أن يَصنَعَ إذا طَلَبَ عَدُوُّهُ مُصالَحَتَهُ. 

    قالَ الفَيلَسوفُ: مَنِ اغتَرَّ بالعَدُوِّ الذي لا يَزالُ عَدُوًّا أصابَهُ ما أصابَ البومَ مِنَ الغِربانِ. قالَ الملِكُ: وكيفَ كانَ ذلكَ? 

    قالَ بَيْدَبا: زَعَموا أنَّه كانَ في جَبَلٍ مِنَ الجبالِ شجرَةٌ من شجرِ الدَّوحِ فيها وَكْرُ ألفِ غُرابٍ وعليهِنَّ والٍ من أنفسِهِنَّ. وكانَ عندَ هذه الشجَرةِ كهفٌ فيه ألفُ بومَةٍ وعليهِنَّ والٍ منهنَّ. فخَرَجَ ملِكُ البومِ لبعضِ غَدَواتِهِ ورَوحاتِهِ وفي نفسِهِ العَداوَةُ لملِكِ الغِربانِ وفي نفسِ الغِربانِ وملِكِها مثلُ ذلك للبومِ. فأغارَ ملِكُ البومِ في أصحابِهِ علي الغِربانِ في أوكارِها فقَتَلَ وسَبي منها خَلقًا كثيرًا. وكانت الغارَةُ ليلاً. فلمَّا أصبَحَتِ الغِربانُ اجتَمَعَت إلي مَلِكِها فقلنَ له: قد عَلِمتَ ما لَقينا الليلةَ من ملِكِ البومِ وما مِنَّا إلاَّ مَن أصبَحَ قَتيلاً أو جريحًا أو مَكسورَ الجَناحِ أو مَنتوفَ الرِّيشِ أو مَهلوبَ الذَّنبِ. وأشَدُّ ما أصابَنا ضَرًّا جرأتُهُنَّ علينا وعِلمُهُنَّ بمكانِنا، وهنَّ عائِداتٌ إلينا غيرُ مُنقَطِعاتٍ عنَّا لعِلمِهِنَّ بمكانِنا. فإنَّما نحن لكَ أيُّها الملِكُ فانظُرْ لنا ولنفسِكَ. 

    وكانَ في الغِربانِ خَمسَةٌ مُعتَرَفٌ لهنَّ بحُسنِ الرأيِ يُسنَدُ إليهِنَّ في الأمورِ وتُلقي إليهِنَّ مقاليدُ الأحوالِ. وكانَ الملِكُ كثيرًا ما يُشاوِرُهُنَّ في الأمورِ ويأخُذُ آراءَهُنَّ في الحوادِثِ والنَّوازِلِ . فقالَ الملِكُ للأوَّلِ مِنَ الخمسةِ: ما رأيُكَ في هذا الأمرِ? قالَ: رأيٌ قد سَبَقَتنا إليه العلماءُ وذلك أنَّهم قالوا: ليسَ للعَدُوِّ الحَنِقِ الذي لا طاقَةَ لكَ به إلاَّ الهرَبُ منه. قالَ الملِكُ للثَّاني: ما رأيُكَ أنتَ في هذا الأمر? قالَ: ما رأي هذا مِنَ الهَرَبِ. قالَ الملِكُ: لا أري لكما ذلك رأيًا أن نَرحَلَ عن أوطانِنا ونُخلِيَها لعَدُوِّنا من أوَّلِ نَكبَةٍ أصابَتنا منه، ولا يَنبَغي لنا ذلك فنكونَ به لهم عونًا علينا. ولكن نَجمَعُ أمرَنا ونَستَعِدُّ لعدُوِّنا ونُذكي نارَ الحربِ فيما بيننا وبين عدُوِّنا ونَحتَرِسُ مِنَ الغِرَّةِ إذا أقبَلَ إلينا فنَلقاهُ مُستَعِدِّينَ ونُقاتِلُهُ قِتالاً غيرَ مُراجِعينَ فيه ولا حامينَ منه. وتَلقي أطرافُنا أطرافَ العَدُوِّ ونَتَحَرَّزُ بحُصونِنا ونُدافِعُ عَدُوَّنا بالأناةِ مَرَّةً وبالجِلادِ أخري حيثُ نُصيبُ فرصَتَنا وبُغْيَتَنَا وقد ثَنَينا عَدُوَّنا عنَّا. 

    ثم قالَ الملِكُ للثَّالِثِ: ما رأيُكَ أنتَ? قالَ: لا أري ما قالا رأيًا، ولكن نَبُثُّ العُيونَ ونَبعَثُ الجواسيسَ ونُرسِلُ الطَّلائِعَ بيننا وبين عَدُوِّنا فَنعلَمُ هل يُريدُ صُلحَنا أم يُريدُ حَربَنا أم يُريدُ الفِديَةَ. فإن رأينا أمرَهُ أمرَ طامِعٍ في مالٍ لم نَكرَهِ الصُّلحَ علي خَراجٍ نُؤدِّيهِ إليه في كلِّ سَنَةٍ نَدفَعُ به عن أنفسِنا ونَطمَئِنُّ في أوطانِنا. فإنَّ من آراءِ الملوكِ إذا اشتَدَّت شَوكَةُ عَدُوِّهِم فخافوا علي أنفسِهِم وبلادِهِم أن يَجعَلوا الأموالَ جُنَّةَ البلادِ والملِكِ والرعيَّةِ. 

    قالَ الملِكُ للرابعِ: فما رأيُكَ في هذا الصُّلحِ? قالَ: لا أراهُ رأيًا بل أن نُفارِقَ أوطانَنا ونَصبِرَ علي الغُربَةِ وشِدَّةِ المَعيشَةِ خيرٌ من أن نُضِيعَ أحسابَنا ونَخضَعَ للعَدُوِّ الذي نحن أشرَفُ منه. معَ أنَّ البومَ لو عَرَضنا ذلك عليهِنَّ لَما رَضِينَ منَّا إلاَّ بالشَّطَطِ. ويُقالُ في الأمثالِ: قارِبْ عَدُوَّكَ بعضَ المقارَبَةِ لتَنالَ حاجَتَكَ ولا تُقارِبهُ كلَّ المُقارَبَةِ فيَجتَرِئَ عليك ويُضعِفَ جُندَكَ وتَذِلَّ نفسُكَ. ومَثَلُ ذلك مَثَلُ الخَشَبَةِ المَنصوبَةِ في الشَّمسِ إذا أمَلتَها قليلاً زادَ ظِلُّها، وإذا جاوَزتَ بها الحَدَّ في إمالَتِكَها نَقَصَ الظلَّ. وليسَ عَدُوُّنا راضيًا منَّا بالدُّونِ في المُقارَبَةِ. فالرأيُ لنا ولكَ المُحارَبَةُ. 

    قالَ الملِكُ للخامِسِ: ما تَقولُ أنتَ وماذا تَري? القِتالُ أمِ الصُّلحُ أم الجَلاءُ عنِ الوطَنِ? قالَ: أمَّا القِتالُ فلا سبيلَ للمَرءِ إلي قِتالِ مَن لا يَقوي عليه. وقد يُقالُ إنَّه مَن لا يَعرِفُ نفسَهُ وعَدُوَّهُ وقاتَلَ مَن لا يَقوي عليه حَمَلَ نفسَهُ علي حَتفِها. معَ أنَّ العاقِلَ لا يَستَصغِرُ عَدُوًّا. فإنَّ مَنِ استَصغَرَ عَدُوَّهُ اغتَرَّ به ومَنِ اغتَرَّ بعَدُوِّهِ لم يَسلَمْ منه. وأنا للبومِ شديدُ الهَيبَةِ وإن أضرَبنَ عن قِتالنا، وقد كنتُ أهابُها قَبلَ ذلك. فإنَّ الحازِمَ لا يأمَنُ عَدُوَّهُ علي كلِّ حالٍ. فإن كانَ بعيدًا لم يأمَنْ سَطوَتَهُ، وإن كانَ مُكثِبًا لم يأمَنْ وَثبَتَهُ، وإن كانَ وحيدًا لم يأمَنْ مَكرَهُ. وأحزَمُ الأقوامِ وأكيَسُهُمْ مَن كَرِهَ القِتالَ لأجلِ النَّفَقَةِ فيه. فإنَّ ما دونَ القِتالِ النَّفَقَةُ فيه مِنَ الأموالِ والقَولِ والعَمَلِ. والقِتالُ النَّفَقَةُ فيه مِنَ الأنفسِ والأبدانِ. وربَّما اكتُفِيَ عنه بالنَّفَقَةِ اليَسيرَةِ والكَلامِ اللَّيِّنِ. 

    فلا يَكونَنَّ القِتالُ للبومِ من رأيِكَ أيُّها الملِكُ. فإنَّ مَن قاتَلَ مَن لا يَقوي عليه فقد غَرَّرَ بنفسِهِ. فإذا كانَ الملِكُ مُحصِنًا للأسرارِ مُتَخَيِّرًا للوُزَراءِ مَهِيبًا في أعيُنِ الناسِ بعيدًا من أن يُقدَرَ عليه، كانَ خَليقًا أن لا يُسلَبَ، صَحيحَ ما أُتِيَ مِنَ الخَيرِ. وأنتَ أيُّها الملِكُ كذلك والملِكُ يَزدادُ برأيِ وُزَرائِهِ بَصيرَةً كما يَزيدُ البحرُ بمُجاوِرِهِ مِنَ الأنهارِ. 

    وقد استَشَرتَني في أمرٍ جوابكَ منّي عنه في بعضِهِ عَلَنِيٌّ وقد أجَبتُكَ به، وفي بعضِهِ سِرِّيٌّ. 

    فإنَّ وُزَراءَ الملِكِ إذا كانوا صالِحينَ وكانَ يُطيعُهُمْ في آرائِهِمْ لم يَضُرَّ في مُلكِهِ كَونُهُ جاهِلاً واستَقامَ أمرُهُ. كما فَعَلَتِ الأرنَبُ التي زَعَمَتْ أنَّ القَمَرَ مَلِكُها وعَمِلَتْ برأيِها. قالتِ الطَّيرُ: وكيفَ كانَ ذلكَ 






    مثل الأرنبِ وملك الفِيَلة


    قالَ الغرابُ: زَعَموا أنَّ أرضًا من أراضي الفِيَلَةِ تَتابَعَتْ عليها السِّنون وأجدَبَتْ وقَلَّ ماؤُها وغارَتْ عُيونُها وذَوي نَبتُها ويَبِسَ شجرُها. فأصابَ الفِيَلَةَ عَطَشٌ شديدٌ. فشَكَونَ ذلك إلي مِلكِهِنَّ فأرسَلَ الملِكُ رُسُلَهُ ورُوادَهُ في طَلَبِ الماءِ في كلِّ ناحيةٍ. فَرَجَعَ إليه بعضُ الرُّسُلِ فقالَ له: إني قد وَجَدتُ بمكانِ كذا عَينًا يُقالُ لها عَينُ القَمَرِ كثيرَةُ الماءِ. فَتَوجَّهَ ملِكُ الفِيَلَةِ بأصحابِهِ إلي تلك العَينِ ليَشرَبَ منها هو وفِيَلَتُهُ. وكانتِ العَينُ في أرضٍ للأرانِبِ فَوَطِئنَ الأرانِبَ في أجحارِهنَّ فأهلَكنَ منهُنَّ كثيرًا. فاجتَمَعَتِ الأرانِبُ إلي مِلكِها فقلنَ له: قد عَلِمتَ ما أصابَنا مِنَ الفِيلَةِ. فقالَ: ليُحْضِرْ منكُنَّ كلُّ ذي رأيٍ رأيَهُ. 

    فَتَقَدَّمَتْ أرنَبٌ مِنَ الأرانِبِ يُقالُ لها فَيروزُ، وكانَ الملِكُ يَعرِفُها بحُسنِ الرأيِ والأدَبِ. فقالت: إن رأي الملِكُ أن يَبعَثَني إلي الفِيَلَةِ ويُرسِلَ معي أمينًا ليَسمَعَ ويَرَي ما أقولُ ويَرفَعَهُ إلي الملِكِ.

    فقالَ لها الملِكُ: أنتِ أمينَةٌ ونَرضي بقَولِكِ فانطَلِقي إلي الفِيَلَةِ وبَلِّغي عنّي ما تُريدينَ. واعلَمي أنَّ الرَّسولَ برأيِهِ وعَقلِهِ ولِينِهِ وفَضلِهِ يُخبِرُ عن عَقلِ المُرسِلِ. فعليكِ باللِّينِ والرِّفقِ والحِلمِ والتَّأَنّي. فإنَّ الرَّسولَ هو الذي يُلَيِّنُ الصُّدورَ إذا رَفَقَ ويُخَشِّنُ الصُّدورَ إذا خَرِقَ . 

    ثم إنَّ الأرنَبَ انطَلَقَتْ في ليلَةٍ قَمراءَ حتي انتَهَتْ إلي الفِيَلَةِ. وكَرِهَتْ أن تَدنُوَ منهنَّ مَخافَةَ أن يَطَأنَها بأرجُلِهِنَّ فيَقتُلَنَّها وإن كُنَّ غيرَ مُتَعَمِّداتٍ فأشرَفَتْ علي الجَبَلِ ونادَت ملِكَ الفِيَلَةِ وقالت له: إنَّ القَمَرَ أرسَلَني إليك والرَّسولُ غيرُ مَلومٍ فيما يُبَلَّغُ وإن أغلَظَ في القَولِ. 

    قالَ ملِكُ الفِيَلَةِ: فما الرِّسالَةُ? قالت: يَقولُ لكَ أنَّه مَن عَرَفَ فَضلَ قُوَّتِهِ علي الضُّعَفاءِ فَاغتَرَّ في ذَلِكَ بالأقوِيَاء قِياسًا لَهُمْ عَلَي الضُّعَفَاءِكانت قُوَّتُهُ وَبالاً عليه. وأنتَ قد عَرَفتَ فَضلَ قُوَّتِكَ علي الدَّوابِ فغَرَّكَ ذلك فعَمَدتَ إلي العَينِ التي تُسمَّي باسمي فشَرِبتَ منها ورَنَّقتَها فأرسَلَني إليك فأُنذِرُكَ أن لا تَعودَ إلي مِثلِ ذلك. وأنَّه إن فَعَلتَ يُغَشِّي علي بَصَرِكَ ويُتلِفُ نفسَكَ. وإن كنتَ في شَكٍّ من رِسالَتي فهَلُمَّ إلي العَينِ من ساعَتِكَ فإنَّه مُوافيكَ بها. 

    فعَجِبَ مَلِكُ الفِيَلَةِ من قَولِ الأرنَبِ فانطَلَقَ إلي العَينِ معَ فَيروزَ الرَّسولِ. فلمَّا نَظَرَ إليها رأي ضَوءَ القَمَرِ فيها فقالت له فَيروزُ الرَّسولُ: خُذْ بخُرطومِكَ مِنَ الماءِ فاغسِلْ به وَجهَكَ واسجُدْ للقَمَرِ. فأدخَلَ الفيلُ خُرطومَهُ في الماءِ فَتَحَرَّكَ فخُيِّلَ إلي الفيلِ أنَّ القَمَرَ ارتَعَدَ. فقالَ: ما شأنُ القَمَرِ ارتَعَدَ? أتَرَينَهُ غَضِبَ من إدخالي خُرطومي في الماءِ? قالت فَيروزُ الأرنَبُ: نعم. فسَجَدَ الفيلُ للقَمَرِ مرَّةً أخري وتابَ إليه ممَّا صَنَعَ وشَرَطَ أن لا يَعودَ إلي مِثلِ ذلك هو ولا أحدٌ من فِيَلَتِهِ. 

    قالَ الغرابُ: ومعَ ما ذَكَرتُ من أمرِ البومِ فإنَّ فيها الخِبَّ والمَكَر والخَديعَةَ، وشَرُّ الملوكِ المُخادِعُ. 

    وإنَّما ضَرَبتُ لك هذا المَثَلَ لما أرجو أن نُصيبَ من حاجَتِنا بالرِّفقِ والحِيلَةِ. وإني أُريدُ مِنَ الملِكِ أن يَنقُرَني علي رؤوسِ الأشهادِ ويَنتِفَ ريشي وذَنَبي ثم يَطرَحَني في أصلِ هذه الشجرةِ ويَرتَحِلَ الملِكُ وجنودُهُ إلي مكانِ كذا. فإني أرجو أني أصبِرُ وأطَّلِعُ علي أحوالِهِمْ ومَواضِعِ تَحصينِهِمْ وأبوابِهِمْ فأُخادِعُهُمْ وآتي إليكم لنَهجُمَ عليهم ونَنالَ منهم غَرَضَنا إن شاءَ اللهُ تَعالي. 

    قالَ الملِكُ: أتَطِيبُ نفسُكَ لذلك? قالَ: نعم، وكيف لا تَطيبُ نفسي لذلك وفيه أعظَمُ الرَّاحاتِ للملِكِ وجنودِهِ!. ففَعَلَ الملِكُ بالغرابِ ما ذَكَرَ ثم ارتَحَلَ عنه. 

    فلمَّا جَنَّ الليلُ أقبَلَ ملِكُ البومِ وجُندُهُ ليوقِعَ بالغِربانِ، فلم يَجِدهُمْ، وهَمَّ بالانصرافِ. فجَعَلَ الغرابُ يَئِنُّ ويَهْمِسُ حتي سَمِعَتهُ البومُ ورأينَهُ يَئِنُّ فأخبَرنَ ملِكَهُنَّ بذلك. فقَصَدَ نحوه ليسألَهُ عنِ الغِربانِ. فلمَّا دَنا منه أمَرَ بومًا أن يسألَهُ فقالَ له: مَن أنتَ وأينَ الغِربانُ? فقالَ: أمَّا اسمي ففلانٌ. وأمَّا ما سألتَني عنه فإني أحسَبُكَ تَرَي أنَّ حالي حالُ مَن لا يَعلَمُ الأسرارَ. فقيلَ لملِكِ البومِ: هذا وَزيرُ ملِكِ الغِربانِ وصاحِبُ رأيِهِ فنسألُهُ بأيِّ ذَنبٍ صُنِعَ به ما صُنِعَ. فسُئِلَ الغرابُ عن أمرِهِ فقال: إنَّ مَلِكَنا استَشارَ جماعَتَنا فِيكُنَّ، وكُنتُ يَومَئِذٍ بمَحضَرٍ مِنَ الأمرِ، فقالَ: أيُّها الغِربانُ ما تَرَونَ في ذلك? فقلتُ: أيُّها الملِكُ لا طاقَةَ لنا بقِتالِ البومِ لأنَّهُنَّ أشَدُّ بَطشًا وأحَدُّ قَلبًا منَّا. ولكن أري أن نَلتَمِسَ الصُّلحَ ثم نَبذُلَ الفِديَةَ في ذلك فإن قَبِلَتِ البومُ ذلك منَّا وإلاَّ هَرَبنا في البلادِ. وإذا كانَ القِتالُ بيننا وبين البومِ كانَ خيرًا لهنَّ وشَرًّا لنا. فالصُّلحُ أفضَلُ مِنَ الخُصومَةِ. وأمَرتُهُنَّ بالرجوعِ عنِ الحرب وضَرَبتُ لهنَّ الأمثالَ في ذلك وقلتُ لهنَّ إنَّ العَدُوَّ الشَّديدَ لا يَرُدُّ بأسَهُ مثلُ الخُضوعِ له. ألا تَرَينَ إلي الحَشيشِ كيف يَسلَمُ من عاصِفِ الرِّيحِ للينِهِ ومَيلِهِ معها حيثُ مالَتْ والشَّجَرُ العاتي يُكسَرُ بها ويُحطَمُ? 

    فعَصَينَني في ذلك وزَعَمنَ أنَّهُنَّ يُرِدنَ القِتالَ واتَّهَمَنني فيما قلتُ وقلنَ: إنَّك قد مَالأْتَ البومَ علينا. ورَدَدنَ قَولي ونَصيحَتي وعَذَّبْنَني بهذا العذابِ وتَرَكَني الملِكُ وجُنودُهُ وارتَحَلَ ولا عِلمَ لي بهنَّ بعد ذلك. 

    فلمَّا سَمِعَ ملِكُ البومِ مقالَةَ الغرابِ قالَ لبعضِ وُزَرائِهِ: ما تَقولُ في الغرابِ وما تَرَي فيه? قالَ: ما أري إلاَّ المُعاجَلَةَ له بالقَتلِ فإنَّ هذا أفضَلُ عُدَدِ الغِربانِ، وفي قَتلِهِ لنا راحَةٌ من مَكرِهِ، وفَقدُهُ علي الغِربانِ شديدٌ. فإذا قُتِلَ ثُلَّ مُلكُهُم وتَقَوَّضَ وما أراهُ إلاَّ فَتحًا قد أرْسَلَهُ اللهُ إليك. ويُقالُ: مَن ظَفِرَ بالسَّاعَةِ التي فيها يَنجَحُ العَمَلُ ثم لا يعَاجِلُهُ بالذي يَنبَغي له فليسَ بحكيمٍ، فإنَّ الأمورَ مَرهونَةٌ بأوقاتِها. ومَن طلَبَ الأمرَ الجَسيمَ فأمكَنَهُ ذلك فأغفَلَهُ فاتَهُ الأمرُ. وهو خَليقٌ أن لا تَعودَ الفرصَةُ ثانيةً. ومَن وَجَدَ عَدُوَّهُ ضَعيفًا ولم يُنجِزْ قَتلَهُ نَدِمَ إذا استَقوي ولم يَقدِرْ عليه.

    قالَ الملِكُ لوَزيرٍ آخَرَ: ما تَرَي أنتَ في هذا الغرابِ? قالَ: أري أن لا تَقتُلَهُ لأنَّه قد لَقِيَ من أصحابِهِ ما تَراهُ فهو خَليقٌ أن يكونَ دَليلاً لكَ علي عَوراتِهِمْ ومُعينًا لكَ علي ما فيه هَلاكُهُمْ. وإنَّ العَدُوَّ الذَّليلَ الذي لا ناصِرَ له أهلٌ لأن يُؤَمَّنَ ولا سِيَّمَا المُستَجيرِ الخائِفِ. والعَدُوُّ إذا صَدَرَت منه المَنفَعَةُ ولو كانَ غيرَ مُتَعَمِّدٍ لها أهلٌ لأن يُصفَحَ عنه بسببِها. 

    قالَ ملِكُ البومِ لوَزيرٍ من وُزَرائِهِ: ما تَقولُ في أمرِ الغرابِ? قال: أري أن تَستَبقِيَهُ وتُحسِنَ إليه فإنَّه خَليقٌ أن يَنصَحَكَ. والعاقِلُ يَرَي مُعاداةَ بعضِ أعدائِهِ بعضًا ظَفَرًا حَسَنًا. ويَرَي اشتِغالَ بعضِ أعدائِهِ ببعضٍ خَلاصًا لنفسِهِ منهم ونَجاةً. 

    فقالَ الوزيرْ الأوَّلُ الذي أشارَ بقَتلِ الغرابِ: أظُنُّ أنَّ الغرابَ قد خَدَعَكُنَّ ووَقَعَ كلامُهُ في نفسِ الغَبيِّ منكُنَّ مَوقِعَهُ فتُرِدنَ أن تَضَعْنَ الرأيَ غيرَ مَوضِعِه. فمهلاً مهلاً أيُّها الملِكُ عن هذا الرأيِ ولا تَكونَنَّ لِما تَسمَعُ أشَدَّ تَصديقًا منك لِما تَرَي. 

    فلم يَلتَفِتِ الملِكُ إلي قَولِهِ وأمَرَ بالغرابِ أن يُحمَلَ إلي منازِلِ البومِ ويُكرَمَ ويُستَوصي به خيرًا. 

    ثم إنَّ الغرابَ قالَ للملِكِ يومًا وعندَهُ جماعَةٌ مِنَ البومِ وفيهِنَّ الوَزيرُ الذي أشارَ بقَتلِهِ: أيُّها الملِكُ قد عَلِمتَ ما جَري عليَّ مِنَ الغِربانِ وإنَّه لا يَستَريحُ قلبي دونَ الأخذِ بثأري منهُنَّ. وإني قد نَظَرتُ في ذلك فإذا بي لا أقدِرُ علي ما رُمتُ لأني غرابٌ. وقد رُوِيَ عنِ العلماءِ أنَّهم قالوا: مَن طابَت نفسُهُ بأن يُحرِقَها فقد قَرَّبَ للهِ أعظَمَ القربانِ لا يَدعو عند ذلك بدَعوَةٍ إلاَّ استُجيبَ له. فإن رأي الملِكُ أن يأمُرَني فأُحرِقَ نفسي وأدعُوَ رَبّي أن يُحَوِّلَني بومًا فأكونَ أشَدَّ عَداوَةً للغِربانِ وأقوي بأسًا عليهِنَّ لعلّي أنتَقِمُ منهُنَّ. 

    فقالَ الوَزيرُ الذي أشارَ بقَتلِهِ: ما أشبَهَكَ في خيرِ ما تُظهِرُ وشَرِّ ما تُضمِرُ بالخَمرَةِ الطَّيبةِ الطَّعمِ والرّيحِ المُنقَعِ فيها السُّمُّ. أرأيتَ لو أحرَقنا جِسمَكَ بالنارِ أنَّ جَوهَرَكَ وطَبعَكَ مُتَغَيِّرٌ? أوَلَيسَت أخلاقُكَ تَدورُ معكَ حيث دُرتَ وتَصيرُ بعد ذلك إلي أصلِكَ وطينَتِكَ? 

    فلم يَلتَفِتْ ملكُ البومِ إلي ذلك القَولِ ورَفَقَ بالغرابِ ولم يَزدَدْ له إلاَّ إكرامًا. حتي إذا طابَ عَيشُهُ ونَبَتَ ريشُهُ واطَّلَعَ علي ما أرادَ أن يَطَّلِعَ عليه راغَ رَوغَةً فأتي أصحابَهُ بما رأي وسَمِعَ، فقالَ للملِكِ: إني قد فَرغتُ ممَّا كنتُ أُريدُ ولم يَبقَ إلاَّ أن تَسمَعَ وتُطيعَ.. قالَ له: أنا والجُندُ تحت أمرِكَ فاحتَكِمْ كيف شِئتَ. 

    قالَ الغرابُ: إنَّ البومَ بمكانِ كذا في جَبَلٍ كثيرِ الحَطَبِ. وفي ذلك المَوضِعِ قَطيعٌ مِنَ الغَنَمِ معَ رجلٍ راعٍ ونحن مُصيبونَ هناكَ نارًا ونُلقيها في أثقابِ البومِ ونَقذِفُ عليها من يابِسِ الحَطَبِ ونَتَرَوَّحُ عليها ضَربًا بأجنِحَتِنا حتي تَضطَرِمَ النارُ في الحَطَبِ فمَن خَرَجَ منهُنَّ احتَرَقَ ومَن لم يَخرُجْ ماتَ بالدُّخانِ مَوضِعَهُ. 

    ففَعَلَ الغِربانُ ذلك فأهلَكنَ البومَ قاطِبَةً ورَجَعنَ إلي منازِلِهِنَّ سالِماتٍ آمِناتٍ. 

    ثم إنَّ ملِكَ الغِربانِ قالَ لذلك الغرابِ: كيف صَبَرتَ علي صُحبَةِ البومِ ولا صَبرَ للأخيارِ علي صُحبَةِ الأشرارِ? قالَ الغرابُ: إنَّ ما قُلتَهُ أيُّها الملِكُ لكذلك. فإنَّه يُقالُ: لَذعُ النارِ أيسَرُ علي المَرءِ من صُحبَةِ الأشرارِ والإقامَةِ مَعَهُمْ. ولكنَّ العاقِلَ إذا أتاهُ الأمرُ الفَظيعُ العَظيمُ الذي يَخافُ من عَدَمِ تَحَمُلِهِ الجائِحَةَ علي نفسِهِ وقَومِهِ لم يَجزَعْ من شِدَّةِ الصَّبرِ عليه لِمَا يَرجو من أن يُعقِبَهُ صَبرُهُ حُسنَ العاقِبَةِ وكثيرَ الخيرِ، فلم يَجِدْ لذلك ألَمًا ولم تَكرَهْ نفسُهُ الخُضوعَ لمَن هو دونَهُ حتي يَبلُغَ حاجَتَهُ فيَغتَبِطَ بخاتِمَةِ أمرِهِ وعاقِبَةِ صَبرِهِ. 

    قالَ الملِكُ: لقد احتَمَلتَ مَشَقَّةً شديدةً في تَصَنّعِكَ للبومِ وتَضَرُّعِكَ إليهِنَّ. قالَ الغرابُ: إنَّه مَنِ احتَمَلَ مَشَقَّةً يَرجو نَفعَها ونَحَّي عن نفسِهِ الأنَفَةَ والحَمِيَّةَ ووَطَّنَها علي الصَّبرِ حَمِدَ غِبَّ رأيِهِ. وإنَّه يُقالُ: لو أنَّ رجلاً حَمَلَ عَدُوَّهُ علي عُنُقِهِ وهو يَرجو هلاكَهُ وراحتَهُ منه لكانَ ذلك عندَهُ خَفيفًا هَيِّنًا كما صَبَرَ الأسوَدُ علي حَملِ ملِكِ الضَّفادِعِ علي ظَهرِهِ وشَبعَ بذلك وعاشَ. قالَ الملِكُ: وكيفَ كانَ ذلكَ? 







    مثل الأسود وملك الضفادع


    قالَ الغرابُ: زَعَموا أنَّ أسوَدَ مِنَ الحيَّاتِ كَبِرَ وضَعُفَ بَصَرُهُ وذَهَبَتْ قُوَّتُهُ فلم يَستَطِعْ صَيدًا ولم يَقدِرْ علي طَعامٍ. وإنَّه انسابَ يَلتَمِسُ شيئًا يَعيشُ به حتي انتَهي إلي عَينٍ كثيرَةِ الضَّفادِعِ قد كانَ يأتيها قَبلَ ذلك فيُصيبُ من ضَفادِعِها رِزقَهُ. فَرَمي نفسَهُ قريبًا منهُنَّ مُظهِرًا للكآبَةِ والحُزنِ. فقالَ له أحدُها: ما لي أراكَ أيُّها الأسوَدُ كئيبًا حَزينًا? قالَ: ومَن أحري بطولِ الحُزنِ منّي? وإنما كانَ أكثَرُ مَعيشَتي ممَّا كنتُ أُصيبُ مِنَ الضَّفادِعِ فابتُليتُ ببَلاءٍ حَرُمَتْ عليَّ الضَّفادِعُ من أجلِهِ حتي إني إذا التَقَيتُ ببعضِها لا أقدِرُ علي إمساكِهِ. 

    فانطَلَقَ الضِّفدعُ إلي مَلِكِ الضَّفادِعِ فبَشَّرَهُ بما سَمِعَ مِنَ الأسَودِ. فأتي مَلِكُ الضَّفادِعِ إلي الأسوَدِ فقالَ له: كيف كان أمرُكَ? قالَ: سَعَيتُ منذ أيامٍ في طَلَبِ ضِفدعٍ وذلك عند المساءِ فاضطَرَرتُهُ إلي بيتِ ناسِك ودَخَلتُ في أثرِهِ في الظُّلمَةِ، وفي البيتِ ابنٌ للنَّاسِكِ، فأصَبتُ إصبَعَهُ فظَنَنتُ أنَّها الضِّفدعُ فلَدَغتُهُ فماتَ. فخَرَجتُ هارِبًا. فتَبِعَني النَّاسِكُ في أثَري ودَعا عليَّ ولَعَنَني وقالَ: كما قَتَلتَ ابنِيَ البَريءَ ظُلمًا وتَعَدِّيًا أدعو عليكَ أن تَذِلَّ وتَصيرَ مَركَبًا لملِكِ الضَّفادِعِ فلا تَستَطيعَ أخذَها ولا أكلَ شيءٍ منها إلاَّ ما يَتَصَدَّقُ به عليك مَلِكُها. فأتَيتُ إليكَ لتَركَبَني مُقِرًّا بذلك راضِيًا به. 

    فَرَغِبَ مَلِكُ الضَّفادِعِ في رُكوبِ الأسوَدِ وظَنَّ أنَّ ذلك فَخرٌ له وشَرَفٌ ورِفعَةٌ. فرَكِبَهُ واستَطابَ ذلك. فقالَ له الأسوَدُ: قد عَلِمتَ أيُّها الملِكُ أني مَحرومٌ فاجعَلْ لي رِزقًا أعيشُ به. قالَ ملِكُ الضَّفادِعِ: لَعَمري لا بُدَّ لك من رِزقٍ يَقومُ بكَ إذا كنتَ مَركَبي. فأمَرَ له بضِفدِعَينِ يُؤْخَذانِ في كلِّ يومٍ ويُدفَعانِ إليه. فعاشَ بذلكَ ولم يَضُرَّهُ خُضوعُهُ للعَدُوِّ الذَّليلِ بَلِ انتَفَعَ بذلك وصارَ له رِزقًا ومَعيشَةً. 

    وكذلك كانَ صَبري علي ما صَبَرتُ عليه التِماسًا لهذا النَّفعِ العَظيمِ الذي اجتَمَعَ لنا فيه الأمنُ والظَّفَرُ وهلاكُ العَدُوِّ والرَّاحَةُ منه. 

    فهذا مَثَلُ أهلِ العَداوَةِ الذينَ لا يَنبَغي أن يُغتَرَّ بهم وإن هُم أظهَروا تَوَدُّدًا وتَضَرُّعًا 






    باب الجرذ والسِّنَّور


    قالَ دَبشَليمُ الملِكُ لبَيْدَبا الفَيلَسوفِ: قد سَمِعتُ هذا المَثَلَ، فاضرِبْ لي مَثَلَ رجلٍ كَثُرَ أعداؤُهُ وأحدَقوا به من كلِّ جانِبٍ، فأشرَفَ معهم علي الهلاكِ، فالتَمَسَ النَّجاةَ والمَخرَجَ بمُوالاةِ بعضِ أعدائِهِ ومُصالَحَتِهِ فسَلِمَ مِنَ الخَوفِ وأمِنَ. ثم وفي لمَن صالَحَهُ منهم. وأخبِرني عن مَوضِعِ الصُّلحِ وكيفَ يَنبَغي أن يكونَ. 

    قالَ الفَيلَسوفُ: إنَّ المَوَدَّةَ والعَداوَةَ لا تَثْبُتانِ علي حالَةٍ أبدًا. وربما حالَتِ المَوَدَّةُ إلي العَداوَةِ وصارَتِ العَداوَةُ وِلايَةً وصَداقَةً. ولهذا حوادِثُ وعِلَلٌ وتَجارِبُ. وذو الرأيِ يُحدِثُ لكلِّ ما يَحدُثُ من ذلك رأيًا جَديدًا. أمَّا من قِبَلِ العَدُوِّ فبالبأسِ وأمَّا من قِبَلِ الصَّديقِ فبالاستِئناسِ. ولا تَمنَعُ ذا العَقلِ عَداوَةٌ كانت في نفسِهِ لعَدُوِّهِ من مُقارَبَتِهِ والاستِنجادِ به علي دَفعِ مَرهوبٍ أو جَرِّ مَرغوبٍ. ومَن عَمِلَ في ذلك بالحَزمِ ظَفِرَ بحاجَتِهِ. ومَثَلُ ذلك مَثَلُ الجُرَذِ والسِّنَّورِ حين وَقَعا في الورطةِ فَنَجوا باصطِلاحِهِما جميعًا مِنَ الورطةِ والشِّدَّةِ. قالَ الملِكُ: وكيفَ كانَ ذلكَ? 

    قالَ بَيْدَبا: زَعَموا أنَّ شجرَةً عَظيمَةً كانَ في أصلِها جُحْرُ سِنَّورٍ يُقالُ له رومِيٌّ. وكانَ قريبًا منه جُحْرُ جُرذٍ يُقالُ له فَريدونُ. وكانَ الصَّيَّادونَ كثيرًا ما يَتَداوَلونَ ذلك المكانَ يَصيدونَ فيه الوَحشَ والطَّيرَ. فأتي ذاتَ يومٍ صَيَّادٌ فَنَصَبَ حِبالَتَهُ قريبًا من مَوضِعِ رومِيٍّ فلم يَلبَثْ أن وَقَعَ فيها. فخَرَجَ الجُرَذُ يَدِبٌّ ويَطلُبُ ما يأكُلُ وهو حَذِرٌ من روميٍّ. فبينما هو يَسعي إذ بَصُرَ به في الشَّركِ فسُرَّ واستَبشَرَ. ثم التَفَتَ فرأي خَلفَهُ ابنَ عِرسٍ يُريدُ أخذَهُ وفي الشَّجَرَةِ بومًا يُريدُ اختِطافَهُ. فتَحَيَّرَ في أمرِهِ وخافَ; إن رَجَعَ وَراءَهُ أخذَهُ ابنُ عِرسٍ، وإن ذَهَبَ يَمينًا أو شِمالاً اختَطَفَهُ البومُ، وإن تَقَدَّمَ أمامَهُ افتَرَسَهُ السِّنَّورُ. 

    فقالَ في نفسِهِ: هذا بَلاءٌ قدِ اكتَنَفَني وشُرورٌ تَظاهَرَتْ عليَّ، ومِحَنٌ قد أحاطَتْ بي. وبعد ذلك فمَعي عَقلي فلا يُفزِعُني أمري ولا يَهولُني شأني ولا يَلحَقُني الدَّهَشُ ولا يَذهَبُ قلبي شَعاعًا . فالعاقِلُ لا يَفَرقُ عند سَدادِ رأيِهِ ولا يَعزُبُ عنه ذِهنُهُ علي حالٍ. وإنَّما العَقلُ شَبيهٌ بالبحرِ الذي لا يُدرَكُ غَورُهُ، ولا يَبلُغُ البَلاءُ من ذي الرأيِ مَجهودَهُ فيُهلِكَهُ. وتَحَقُّقُ الرَّجاءِ لا يَنبَغي أن يَبلُغَ منه مَبلَغًا يُبطِرُهُ ويُسكِرُهُ فيَعمَي عليه أمرُهُ. ولستُ أري لي من هذا البَلاءِ مَخلَصًا إلاَّ مُصالَحَةَ السِّنَّورِ، فإنَّه قد نَزَلَ به مِنَ البَلاءِ مثلُ ما قد نَزَلَ بي أو بَعضُهُ. ولعلَّنا إن سَمِعَ كلامي الذي أُكَلِّمُهُ به ووَعي عنّي صحيحَ خِطابي ومَحضَ صِدقي الذي لا خِلافَ فيه ولا خِداعَ معه ففَهِمَهُ وطَمِعَ في مَعونَتي إيَّاهُ نَخلُصُ جميعًا. 

    ثم إنَّ الجُرَذَ دَنا مِنَ السِّنَّورِ فقالَ له: كيفَ حالُكَ? قالَ له السِّنَّورُ: كما تُحِبُّ في ضَنكٍ وضيقٍ. قالَ: وأنا اليومَ شريكُكَ في البَلاءِ. ولستُ أرجو لنفسي خَلاصًا إلاَّ بالذي أرجو لكَ فيه الخَلاصَ. وكلامي هذا ليسَ فيه كَذِبٌ ولا خَديعَةٌ. وابنُ عِرسٍ ها هو كامِنٌ لي، والبومُ يَرصُدُني، وكِلاهُما لي ولك عَدُوٌّ. وإني وإيَّاكَ وإن كنَّا مُختَلِفَي الطِّباعِ لكنَّنا مُتَّفِقا الحالَةِ. والذينَ حالَتُهُمْ واحدَةٌ وطِباعُهُمْ مُختَلِفَةٌ تَجمعُهُمْ الحالَةُ وإن فَرَّقَتهُمُ الطِّباعُ. فإن أنتَ جَعَلتَ ليَ الأمانَ قَطَّعتُ حَبائِلَكَ وخَلَّصتُكَ من هذه الورطَةِ. فإن كانَ ذلكَ تَخَلَّصَ كلُّ واحدٍ منَّا بسَببِ صاحِبِهِ، كالسَّفينَةِ والرُّكَّابِ في البحرِ فبالسَّفينَةِ يَنجونَ وبهم تَنجو السَّفينَةُ. 

    فلمَّا سَمِعَ السِّنَّورُ كلامَ الجُرَذِ وعَرَفَ أنَّه صادِقٌ قالَ له: إنَّ قَولَكَ هذا لشبيهٌ بالحَقِّ، وأنا أيضًا راغِبٌ فيما أرجو لك ولنفسي به الخَلاصَ. ثم إني إن فَعَلتَ ذلك سأشكُرُكَ ما بَقيتُ. 

    قالَ الجُرَذُ: فإني سأدنو منكَ فأقطَعُ الحَبائِلَ كلَّها إلاَّ حَبلاً واحدًا أُبقيهِ لأستَوثِقَ لنفسي منكَ. وأخَذَ في تَقريضِ حَبائِلِهِ. ثم إنَّ البومَ وابنَ عِرسٍ لمَّا رأيا دُنُوَّ الجُرَذِ مِنَ السِّنَّورِ أيِسا منه وانصَرَفا. 

    ثم إنَّ الجُرَذَ أبطَأَ علي رومِيٍّ في قَطعِ الحَبائِلِ فقالَ له: ما لي لا أراك جادًّا في قَطعِ حَبائِلي? فإن كنتَ قد ظَفِرتَ بحاجَتِكَ فتَغَيَّرتَ عمَّا كنتَ عليه وتَوانَيتَ في حاجَتي فما ذلك من فِعْلِ الصَّالِحينَ. فإنَّ الكريمَ لا يَتَواني في حَقِّ صاحِبِهِ، وقد كانَ لك في سابِقِ مَوَدَّتي مِنَ الفائِدَةِ والنَّفعِ ما قد رأيتَ. وأنتَ حَقيقٌ أن تُكافِئني بذلك ولا تَذكُرَ العَداوَةَ التي بيني وبينكَ. فالذي بيني وبينكَ مِنَ الصُّلحِ حَقيقٌ أن يُنسِيَكَ ذلك معَ ما في الوَفاءِ مِنَ الفَضلِ والأجرِ وما في الغَدرِ من سوء العاقِبَةِ. فإنَّ الكريمَ لا يكونُ إلاَّ شَكورًا غيرَ حَقودٍ تُنسيهِ الخَلَّةُ الواحِدَةُ مِنَ الإحسانِ الخِلالَ الكَثيرَةَ مِنَ الإساءَةِ. وقد يُقالُ: إنَّ أعجَلَ العُقوبَةِ عُقوبَةُ الغَدرِ. ومَن إذا تُضُرِّعَ إليه وسُئِلَ العَفوَ فلم يَرحَمْ ولم يَعفُ فقد غدَرَ. 

    قالَ الجُرَذُ: إنَّ الصَّديقَ صديقانِ، طائعٌ ومُضطَرٌّ، وكِلاهُما يَلتَمِسانِ المَنفَعَةَ ويَحترِسانِ مِنَ المَضَرَّةِ. فأمَّا الطَّائِعُ فيُستَرسَلُ إليه ويُؤْمَنُ في جميعِ الأحوالِ. وأمَّا المُضطَرُّ ففي بعضِ الأحوالِ يُستَرسَلُ إليه وفي بعضها يُتَحَذَّرُ منه. ولا يَزالُ العاقلُ يَرتَهِنُ منه بعضَ حاجاتِهِ لبعضِ ما يَتَّقي ويَخافُ. وليسَ غايَةُ التَّواصُلِ من كلٍّ مِنَ المُتَواصِلَينِ إلاَّ طَلَبَ عاجِلِ النَّفعِ وبُلوغَ مأمولِهِ. وأنا وافٍ لك بما وَعَدتُّكَ ومُحتَرِسٌ منكَ معَ ذلكَ من حيثُ أخافُكَ تَخَوُّفَ أن يُصيبَني منكَ ما ألجَأَني خَوفُهُ إلي مُصالحَتِكَ وألجأكَ إلي قُبولِ ذلك منّي. فإنَّ لكلِّ عَمَلٍ حينًا. فما لم يَكُن منه في حينِهِ فلا حُسنَ لعاقِبَتِهِ. وأنا قاطعٌ حبائِلَكَ كلَّها، غيرَ أني تارِكٌ عُقدَةً أرتَهِنُكَ بها ولا أقطَعُها إلاَّ في السَّاعَةِ التي أعلَمُ أنَّكَ فيها عنّي مَشغولٌ وذلك عند مُعايَنَتي الصَّيَّادَ. 

    ثم إنَّ الجُرَذَ أخَذَ في قَطعِ حبائِلِ السِّنَّورِ. فبينما هو كذلك إذ وافي الصَّيَّادُ. فقالَ له السَّنَّورُ: الآنَ جاءَ وقتُ الجِدِّ في قَطعِ حبائِلي. فجَهَدَ الجُرَذُ نفسَهُ في القَرضِ، حتي إذا فَرَغَ وَثَبَ السِّنَّورُ إلي الشَّجَرَةِ علي دَهَشٍ مِنَ الصَّيَّادِ، ودَخَلَ الجُرَذُ بعضَ الأجحارِ، وجاءَ الصَّيَّادُ فأخَذَ حبائِلَهُ مُقَطَّعَةً ثم انصَرَفَ خائِبًا. 

    ثم إنَّ الجُرَذَ خَرَجَ بعد ذلك وكَرِهَ أن يَدْنُوَ مِنَ السِّنَّورِ، فناداهُ السِّنَّورُ: أيُّها الصَّديقُ النَّاصِحُ ذو البَلاءِ الحَسَنِ عندي، ما مَنَعَكَ مِنَ الدُّنُوِّ إلَيَّ لأُجازِيَكَ بأحسَنِ ما أسدَيتَ إلَيَّ? هَلُمَّ إلَيَّ ولا تَقطَعْ إخائي، فإنَّه مَنِ اتَّخَذَ صديقًا وقَطَعَ إخاءَهُ وأضاعَ صداقتَهُ حُرِمَ ثَمَرَةَ إخائِهِ وأيِسَ من نَفعِهِ الإخوانُ والأصدقاءُ. وإنَّ يَدَكَ عندي لا تُنسي، وأنتَ حَقيقٌ أن تَلتَمِسَ مُكافَأةَ ذلك منّي ومن إخواني وأصدقائي ولا تَخافَ منّي شيئًا. واعلَمْ أنَّ ما قِبَلي لك مَبذولٌ. ثم حَلَفَ واجتَهَدَ علي صديقِهِ فيما قالَ. 

    فناداهُ الجُرَذُ: رُبَّ صداقَةٍ ظاهِرَةٍ باطِنُها عَداوَةٌ كامِنَةٌ وهي أشَدُّ مِنَ العَداوَةِ الظَّاهِرَةِ. ومَن لم يَحتَرِسْ منها وَقَعَ مَوقِعَ الرَّجلِ الذي يَركَبُ نابَ الفيلِ الهائِجِ ثم يَغلِبُهُ النُّعاسُ فيَستَيقِظُ تحت فَراسِنِ الفيلِ فيَدوسُهُ ويَقتُلُهُ. 

    وإنَّما سُمِّيَ الصَّديقُ صديقًا لِما يُرجي من صِدقِهِ ونَفعِهِ. وسُمِّيَ العَدُوُّ عَدُوًّا لِما يُخافُ مِنِ اعتِدائهِ وضَرَرِهِ. والعاقِلُ إذا رَجا نَفعَ العَدُوِّ أظهَرَ له الصَّداقَةَ، وإذا خافَ ضَرَّ الصَّديقِ أظهَرَ له العَداوَةَ. ألا تَري تَتَبُّعَ البَهائِمِ أُمَّاتِها رَجاء ألبانِها فإذا انقَطَعَ ذلك انصَرَفَتْ عنها? وربما قَطَعَ الصَّديقُ عن صَديقِهِ بعضَ ما كانَ يَصِلُهُ منه فلم يَخَفْ شَرَّهُ لأنَّ أصلَ أمرِهِ لم يَكُن عَداوَةً. فأمَّا مَن كانَ أصلُ أمرِهِ عَداوَةً جَوهَرِيَّةً ثم أحدَثَ صداقَةً لحاجَةٍ حَمَلَتهُ علي ذلك فإنَّه إذا زالَتِ الحاجَةُ التي حَمَلَتهُ علي ذلك زالَتْ صداقَتُهُ فتَحَوَّلَتْ وصارَتْ إلي أصلِ أمرِهِ . كالماءِ الذي يَسخُنُ بالنَّارِ فإذا رُفِعَ عنها عادَ بارِدًا. وليسَ من أعدائي عَدُوٌّ أضَرَّ لي منك، وقد اضَطَّرني وإيَّاكَ حاجَةٌ إلي ما أحَدثنا مِنَ المُصالَحَةِ. وقد ذَهَبَ الأمرُ الذي احتَجتَ إلَيَّ واحتَجتُ إليك فيه. وأخافُ أن يكونَ معَ ذَهابِهِ عَودُ العَداوَةِ. 

    ولا خَيرَ للضَّعيفِ في قُربِ العَدُوِّ القَوِيِّ، ولا للذَّليلِ في قُربِ العَدُوِّ العَزيزِ. ولا أعلَمُ لكَ قِبَلي حاجَةً إلاَّ أن تكونَ تُريدُ أكلي. ولا أعلَمُ لي قِبَلَكَ حاجَةً وليسَ عندي بك ثِقَةٌ. فإني قد عَلِمتُ أنَّ الضَّعيفَ المُحتَرِسَ مِنَ العَدُوِّ القَوِيِّ أقرَبُ إلي السَّلامَةِ مِنَ القَوِيِّ إذا اغتَرَّ بالضَّعيفِ واستَرسَلَ إليه. والعاقِلُ يُصالِحُ عَدُوَّهُ إذا اضطُّرَّ إليه ويُصانِعُهُِ ويُظهِرُ له وُدَّهُ ويُريهِ من نفسِهِ الاستِرسالَ إليه إذا لم يَجِدْ من ذلك بُدًّا. ثم يُعَجِّلُ الانصِرافَ عنه حينَ يَجِدُ إلي ذلك سبيلاً. 

    واعلَمْ أنَّ سَريعَ الاستِرسالِ لا تُقالُ عَثرَتُهُ. والعاقِلُ يَفي لمَن صالَحهُ من أعدائِهِ بما جَعَلَ له من نفسِهِ ولا يَثِقُ به كلَّ الثِّقَةِ ولا يأمَنُهُ علي نفسِهِ معَ القُربِ منه ويَنبَغي أن يُبعِدَ عنه ما استَطاعَ. وأنا أوَدُّكَ من بَعيدٍ وأُحِبُّ لك مِنَ البَقاءِ والسَّلامَةِ ما لم أكُن أُحِبُّهُ لك من قَبلُ. وليس عليكَ أن تُجازِيَني علي صَنيعي إلاَّ بمثلِ ذلك إذ لا سبيلَ إلي اجتماعِنا، والسَّلامُ . 






    باب الحمامة والثعلب ومالك الحزين


    قالَ دَبشَليمُ الملِكُ لبَيْدَبا الفَيلَسوفِ: قد سَمِعتُ هذا المَثَلَ، فاضرِبْ لي مَثَلاً في شأنِ الرَّجلِ الذي يَرَي الرأيَ لغيرِهِ ولا يَراهُ لنفسِهِ. 

    قالَ الفَيلَسوفُ: إنَّ مَثَلَ ذلك مَثَلُ الحمامَةِ والثَّعلَبِ ومالِكٍ الحَزينِ. 

    قالَ الملِكُ: وما مَثَلُهُنَّ? 

    قالَ الفَيلَسوفُ: زَعَموا أنَّ حَمامَةً كانت تُفرِخُ في رأسِ نَخلَةٍ طويلَةٍ ذاهِبَةٍ في السَّماءِ. فكانتِ الحمامَةُ إذا شَرَعَت في نَقلِ العُشِّ إلي رأسِ تلك النَّخلَةِ لا يُمكِنُها ذلك إلاَّ بعدَ شِدَّةٍ وتَعَبٍ ومَشَقَّةٍ لطولِ النَّخلَةِ وسُمقِها. وكانت إذا فَرَغَتْ مِنَ النَّقلِ باضَتْ ثم حَضَنَتْ بَيضَها، فإذا انقاض وأدرَكَ فِراخُها جاءَها ثَعلَبٌ قد تَعَهَّدَ ذلك منها لوقتٍ قد عَلِمَهُ رَيثَما يَنهَضُ فِراخُها، فوَقَفَ بأصلِ النَّخلَةِ فصاحَ بها وتَوَعَّدَها أن يَرقي إليها أو تَلقِيَ إليه فِراخَها فتُلقيها إليه. 

    فبينما هي ذاتَ يومٍ وقد أدرَكَ لها فَرخانِ إذ أقبَلَ مالكٌ الحَزينُ فَوقَعَ علي النَّخلَةِ. فلمَّا رأي الحمامَةَ كئيبَةً حَزينةً شديدَةَ الهَمِّ قالَ لها: يا حمامَةُ ما لي أراكِ كاسِفَةَ البالِ سَيِّئَةَ الحالِ? 

    فقالت له: يا مالِكُ الحَزينُ إنَّ ثَعلَبًا دُهيتُ به كلَّما كانَ لي فَرخانِ جاءَني يَتَهَدَّدُني ويَصيحُ في أصلِ النَّخلَةِ فأفرَقُ منه فأطرَحُ إليه فَرخَيَّ. 

    قالَ لها مالِكٌ الحَزينُ: إذا أتاكِ ليَفعَلَ ما تَقولينَ فقولي له: لا أُلقي إليكَ فَرخَيَّ فارقَ إلَيَّ وغرِّرْ بنفسِكَ. فإذا فَعَلتَ ذلك وأكلتَ فَرخَيَّ طِرتُ عنكَ ونَجَوتُ بنفسي. 

    فلمَّا عَلَّمَها مالِكٌ الحَزينُ هذه الحيلَةَِ طارَ فوَقَعَ علي شاطِئِ نَهرٍ. وأقبَلَ الثَّعلَبُ في الوقتِ الذي عَرَفَ، فوَقَفَ تحت النَّخلَةِ ثم صاحَ كما كانَ يَفعَلُ، فأجابَتهُ الحمامَةُ بما عَلَّمَها مالِكٌ الحَزينُ، فقالَ لها: أخبِريني مَن عَلَّمَكِ هذا? قالت: عَلَّمَني مالِكٌ الحَزينُ. 

    فَتَوجَّهَ الثَّعلَبُ حتي أتي مالِكًا الحَزينَ علي شاطِئِ النَّهرِ فوَجَدَهُ واقِفًا. فقالَ له الثَّعلَبُ: يا مالِكُ الحَزينُ إذا أتَتكَ الرّيحُ عن يَمينِكَ فأينَ تَجعَلُ رأسَكَ? قالَ: عن شِمالي. قالَ: فإذا أتَتكَ عن شِمالِكَ أينَ تَجعَلُ رأسَكَ? قالَ: أجعَلُهُ عن يَميني أو خَلفي. قالَ: فإذا أتَتكَ الرّيحُ من كلِّ مكانٍ وكلِّ ناحيةٍ أينَ تَجعَلُهُ? قالَ: أجعَلُهُ تحت جَناحَيَّ. قالَ: وكيفَ تَستَطيعُ أن تَجعَلَهُ تحت جَناحَيكَ? ما أراهُ يَتَهَيَّأُ لك. قالَ: بلي. قالَ: فأرِني كيفَ تَصنَعُ فلَعَمري يا مَعشَرَ الطَّيرِ لقد فَضَّلَكُمُ اللهُ علينا. إنَّكُنَّ تَدرينَ في ساعَةٍ واحدَةٍ مثلَ ما نَدري في سَنَةٍ. وتَبلُغنَ ما لا نَبلُغُ وتُدخِلنَ رؤؤسَكُنَّ تحتَ أجنِحَتِكُنَّ مِنَ البَردِ والرّيحِ. فهَنيئًا لَكُنَّ. فأرِني كيفَ تَصنَعُ. 

    فأدخَلَ الطَّائِرُ رأسَهُ تحت جناحَيهِ. فَوثَبَ عليه الثَّعلَبُ مكانَهُ فأخَذَهُ فهَمَزَهُ هَمزَةً دَقَّ بها عُنُقَهُ. ثم قالَ: 

    يا عَدُوَّ نفسِهِ تَرَي الرأيَ للحَمامةِ وتُعَلِّمُها الحيلَةَ لنفسِها وتَعجِزُ عن ذلك لنفسِكَ حتي يَتَمَكَّنَ منكَ عَدُوُّكَ! ثم قَتَلَهُ وأكَلَهُ. ألهَمَنا اللهُ أن نكونَ مِنَ المُؤْتَمِرينَ لِما يأمُرونَ والمُنتَصِحينَ بما يَنصَحونَ. 

    فلمَّا انتَهي المَنطِقُ بالفَيلَسوفِ إلي هذا المَوضِعِ سَكَتَ الملِكُ. فقالَ له الفَيلَسوفُ: أيُّها الملِكُ، عِشتَ ألفَ سَنَةٍ ومُلِّكتَ الأقاليمَ السَّبعَةَ وأُعطيتَ من كلِّ شيءٍ حَظَّا وبَلَغتَ ما أمَّلَتهُ من خيرِ الدنيا والآخرَةِ في سُرورٍ منكَ وقُرَّةِ عَينٍ من رَعِيَّتِكَ بك ومُساعَدَةِ القَضاءِ والقَدَرِ لكَ. فإنَّه قد كَمَلَ فيكَ الحِلمُ والعِلمُ وحَسُنَ منكَ العَقلُ والنِّيَّةُ وتمَّ فيكَ البأسُ والجُودُ واتَّفَقَ منك القَولُ والعَمَلُ. فلا يوجَدُ في رأيِكَ نَقصٌ ولا في قَولِكَ سَقَطٌ ولا عَيبٌ. وقد جَمَعتَ النَّجدَةَ واللِّينَ فلا تُوجَدُ جَبانًا عندَ اللِّقاءِ ولا ضَيِّقَ الصَّدرِ عندَ ما يَنوبُكَ مِنَ الأشياءِ. 

    وقد جَمَعتُ لكَ في هذا الكِتابِ شَملَ بَيانِ الأمورِ وشَرَحتُ لكَ جوابَ ما سألتَني عنه منها، تَزَلُّفًا إلي رِضاكَ وابتِغاءً لطاعَتِكَ، فأبلَغتُكَ في ذلك غايَةَ نُصحي واجتَهَدتُ فيه برأيي ونَظَري ومَبلَغِ فِطنَتي. واللهُ تَعالي يَقضي حَقّي بحُسنِ النِّيَّةِ منكَ في إعمالِ فِكرِكَ وعَقلِكَ فيما وَضَعتُ لكَ مِنَ النَّصيحَةِ والمَوعِظَةِ. معَ أنَّه ليسَ المَنصوحُ بأولي بالنَّصيحَةِ مِنَ النَّاصِحِ، ولا الآمِرُ بالخيرِ بأسعَدَ مِنَ المُطيعِ له فيه. فافهَمْ ذلك أيُّها الملِكُ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ العَلِيِّ العَظيمِ 




    انتهى الكتاب
    ثقوا بالماء يا سكـّان أغنيتي
    al_nhar@hotmail.com
  • معلومات الموضوع

    الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

       

    المواضيع المتشابهة

    1. إحسان عبد القدوس
      بواسطة يحيى العبدلي في المنتدى مـوسـوعـة الأدبــاء العــرب
      مشاركات: 1
      المشاركة الأخيرة: 09-03-2009, 08:35 AM
    2. من صبره صلى الله عليه و سلم
      بواسطة نضال في المنتدى المنتدى العام
      مشاركات: 2
      المشاركة الأخيرة: 22-03-2005, 02:59 AM
    3. مشاركات: 1
      المشاركة الأخيرة: 08-06-2004, 10:12 PM
    4. ‏ الدكتور عبد الله بن أحمد بن علي الفـَـيفي.‏
      بواسطة إبراهيم جبران في المنتدى مـوسـوعـة الأدبــاء العــرب
      مشاركات: 0
      المشاركة الأخيرة: 07-06-2004, 12:33 AM
    5. رحـــمته بالخلق عليه الصلاة و السلام ..
      بواسطة نضال في المنتدى المنتدى العام
      مشاركات: 1
      المشاركة الأخيرة: 12-05-2004, 08:49 PM

    تعليمات المشاركة

    • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
    • لا تستطيع الرد على المواضيع
    • لا تستطيع إرفاق ملفات
    • لا تستطيع تعديل مشاركاتك

    قوانين المنتدى


           
    Comments