غزة و شيكاغو .. مدريد و برشلونة , لا فرق !


السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..

في مثل هذه الأحوال , و في مثل هذه الظروف .. تتكسر الأقلام , و تجفّ الأحبار , و تلهج الأنفس , و تـُلجم الألسن .. و لا يبقى سوى الصمت !

و حديث الصمت حديث بليغٌ أيضاً , له مفسّروه و مترجموه , و هو حديث الحزن الشديد , أو الفرح المفرط ! ..

لا زلت أذكر صمتي العام الماضي .. و في مثل هذه الأيام , بالتحديد في السابع عشر من مايو/أيار , عندما كانت برشلونة في باريس , و كانت لندن في باريس .. عندما واجه البارسا الأرسنال , فألحق به خسارةً لن ينساها , و وضع حداً لرقمه القياسي الذي كان يتكسر ثانيةً بثانية و لحظةً بلحظة ! , حتى أوقفه إيتو .. و أشعل من بعده بيليتي النيران و الأنوار الكاتالونيّة , و في قلب بــــاريس !

ذاك الصمت .. لم يكن من فراغ , فالفرح المفرط لا يمكن التعبير عنه باللسان أو بالأقلام , و أرقى وسيلة هي الدموع اللامعة المنسكبة من المُقل .. و الأفواه المفتوحة على مصراعيها .. و الحلق الناشف الذي لا يستطيع نطقاً !



فوز برشلونة بدوري الأبطال .. و خسارته لصدارة الدوري الأحد الماضي , أمران سيّان في نظرية الصمت التي أتحدث عنها !

و يا للعجب , و يا لسخرية القدر ..

تصمت هناك , و تصمت هنا ..

سيّان , و شتّان !

**

هنا في غزة .. الحرب الأهلية في أوجها , و أعيرة النيران تسمعها في أذنيك كما تسمع دقات ساعة الحائط .. لا فرق بين الاثنين !! .. هنا في غزة , في المجتمع المسلم المحافظ , صاحب القيم و العادات و التقاليد الرزينة , و الأعراف و القوانين العادلة .. أصبح "الفلسطيني" يوجه رصاصه إلى صدر أخيه "الفلسطيني" , و لا فرق ! ..



لا فرق بين غزة و شيكاغو .. غزة أم المقاومة , و رمز الثورة .. و شيكاغو عاصمة الفلتان الأمني و الانهيار القانوني في العالم أجمع ..

يا للتناقض !!


لا ألوم نفسي عندما أتسكع أمام جهاز الحاسوب , في أوج الظهيرة , و في الوقت الذي من المفترض أن أداوم فيه في جامعتي .. و أن يداوم فيه أبي في مشفاه , و أن تداوم فيه أمي في مدرستها .., لا ألوم نفسي عندما أجلس على حاسوبي , و عندما يقضي أبي وقته نائماً في سريره محاولاً الهروب من الواقع و الخروج إلى عالمٍ آخر , فما يكاد يستيقظ من نومه , ليسمع نشرة أخبار إحدى الإذاعات المحلية , و يحتسي أثناء سماعه فنجاناً من القهوة كانت أمي "المتفرغة" قد أعدته له قبل لحظات , حتى يشرع في الشتم و السب .. يشتم "فتحاً" , و يشتم "حماساً " .. و يشتم "شعباً فلسطينياً" هو جزءُُ ُ منه !!

يا للتناقض !!

بعدها .. يعود سريعاً إلى سريره , بعد أن يصرخ على إخوتي الصغار المتسكعين في الشارع , آمراً إياهم أن يدخلوا سريعاً إلى المنزل , خشية أن تستقر إحدى الرصاصات الطائشة في رأس أحدهم , أو أن تستقر إحدى الشظايا التائهة في صدر الآخر ..

ينام من جديد .. ليهرب من الواقع !!

أما أمي .. فهي لا تفتأ تنتقل من نافذةٍ إلى أخرى , تراقب الأوضاع .. و تنظر إلى الرصاص الأحمر الذي يملأ الأجواء ..




نظرة على النافذة الشرقية تطل بها على معسكر "حماس" ,
تتلوها نظرة أخرى على النافذة الغربية تطل بها على معسكر "فتح " ..

و يا قـــــلب .. إحـــــــــــــزن !!




أما أنا .. فكما ترون , أقضي وقتي أمام شاشة الحاسوب , أراقب مواضيع الفورسا .. أرد على ذاك الذي يشتم "ريكارد" , و أساند ذاك الذي يوبخ "اللاعبين" , و أشعر بعد ذلك بمللِ شديد بسبب عطلٍ يعتري الموقع , يستمر لنصف ساعة أو ساعتين .. أتسلى فيها بتدخين السجائر , و من ثم أعود .. لأعبث في قديم المواضيع و المقالات , و أكحّل عيني بمواضيع الأفراح و المهرجانات , التي كانت فقط .. قبل عامٍ واحد من الآن !!

يا للتناقض !!



**

هناك في اسبانيا .. فريق اسمه " برشلونة " .. و فريق آخر اصطلح على تسميته "ريال مضريط" تهكماً عليه , و تقليلاً من شأنه , و تفجيراً لكبتٍ ملأ الصدور بسبب تاريخٍ أسود ضارب في غابر السنين !

المصيبة , أن التناقض حاضرٌ هناك أيضاً ..

فـ"مضريط" هذا .. يزاحم برشلونة على صدارة الدوري , و يقتسم عرش الليغا مع "برشلونة" , بل و حتى في قسمته .. أخذ الجزء الأكبر من العرش , بحيث أن انتهاء الأمور بعد شهرٍ من الآن على نفس الوضع الحالي , يعني أنه البطل على الرغم من تساويه مع "برشلونة" في النقــــــاط !!

الغريب ..

أن المضريطيين يحتفلون و يهللون و يبتهجون و يفرحون , لأنهم تعادلوا مع أسيادهم في النقاط !

و لأول مرة في موضوعي .. أرى شيئاً منطقياً :

البرشلونيون حزينون .. لأنهم فقط صاروا ثاني اثنين في صدارة الدوري , و حزنهم مفرطٌ للغاية , و كأني بهم هبطوا إلى الدرجة الثانية !!



ما أعظمك يا برشلونة .. ما أعظمك يا غزة !

و يا لتناقضنا , و يا لتضاربنا ..

لسان حالي يقول :

"عشنـــــــــــــا .. و شفنـــــــــــــــا !! "


دمتم .. و دام الوطن !

فيسكا إلبارسا .. فيسكا كاتالونيا