(1) مقدمة منذ سنوات و انا ابحث عن افكار تجيب عن تساؤلي الدائم كيف يمكن ان ننهض كفلسطينيين بطريقة جماعية. عندما بدأت كتابة هذه الورقة كمحاولة لاقتراح تجربة جديدة ربما تقودنا الى النهضة كان عنوان هذه الورقة "من التدمير الذاتي للشعب الفلسطيني ) والانسان "العربي"( الى النهضة الذاتية الجذرية" من قبيل ان النهضة المرجوة هي طور ما بعد الدمار، محاولا وصف الواقع الفلسطيني بالتدميري للدخول الى هذا الموضوع. كل منا لديه معلومات عن حالة الدمار التي نمر بها بحيث لا ارى ضرورة لوصفها. لكن في اللحظة الاخيرة قررت تغيير العنوان لاعتباري ان الطبيعة الفلسطينية الاصلية ليست بتدميرية و ان الهوية الجذرية التي نقرأها في اعمال فنانينا و شعرائنا و مفكرنا هي عذبة خلاقة منفتحة للثقافة و محبة للارض و الانسان و الحياة. اضافة ان فلسطين عبر التاريخ هي ممر للحضارات و الديانات مما يميز العنصر الفلسطيني بامتداده التاريخي عن كثير من الامم. فاعتبرت ان الهوية الفلسطينية مثقلة بصدمة النكبة. هذا الثقل بنظري هو رمز لأهم الحواجز و المعوقات النفسية لنهضة الفرد و المجتمع. فهل هي "صدمة مختارة" لتحديد صفات الهويه الجماعية المكتسبه كضحية و انتظار المنقذ؟ [1] من يريد ان يكون جزء من نهضه بناءه عليه ان يدرك المسؤولية الذاتية بكل ابعادها و لا يعول على غيره. المسؤولية الذاتية هي لب المسؤولية الجماعية التي اذا اشتركنا في بنائها كمجتمع مسؤول سنكون مؤثرين بالشروط الخارجية المتعلقة بتغيير واقعنا بل و سنكون شركاء بتصميم الواقع. اختيار الصدمه و دور الضحية لتحقيق الذات من هذا الموقع يمنع مخاض تكوُّن المجتمع المسؤول الذي هو اكبر تحدي ممكن و يضفي الشعور بالقوة (الوهمية) الناتجة عن من يشتركون بهذا الاختيار التي هي - القوة الوهمية - بالحقيقة عجز. لو اعتبرنا الصدمه و دور الضحية احد ابعاد الاحتلال بالمنظور الشمولي لمشروع التحرير يتوازى "مشروع تحرير العقل الفلسطيني" بشكله الحالي مع مشروع تحرير العقل الاسلامي من ظلماته و قيود الهوية و اكراهات المجتمع [2] و كذلك تحرير العقل الدارج من الفكر الاستعماري المسيطر بالقوة و النفوذ. اختيار
الصدمة كدافع للنضال يعني تحديد علاقة المناضلين فيما بينهم بعلاقتهم
بمُسبب الصدمه -الاحتلال الصهيوني-. و بما ان هذه العلاقة غير متجانسة 1) لفقدان الارضية القيادية المورثة لشعب لم يكن مستقل حين احتلت ارضه و 2) لتباعد و جهات النظر المنبثقة عن تصورات تختلف باختلاف المواقع الجغرافية
للشعب المشتت و 3) اختلاف ثقافته المضافة التي تبلورت عبر اجيال مختلفه بين
شعوب شتى حول المعمورة. 4) اضافة الى ذلك المعاناة الداخلية من نمط قيادته الاتوقراطي الثوري العنفواني ونزاعاتها الفؤوية. كل ذلك ادى الى تطور خلل جذري (مقارنة بالنظرة التقليدية من منطلق الدولة القومية ) في عملية البناء الفعلية للشعب
الفلسطيني. خصوصا ان ما
يشدد تميز الشعب الفلسطيني عن باقي الشعوب انه لم يتسنى له بناء نفسه بنفسه كشعب -لكن كتجمعات ريفية اصيله- على مر
التاريخ قط بل كان رهينة صراع القوى و الهيمنه عليه و على ارضه و وطنه. غياب نظام الدولة القومية له اثر كوني فريد على الفلسطينيين ارجوا ان يبحث بتعمق اكتفي هنا بالاشارة اليه محاولا التطرق اليه في فقرة لاحقة .بينما شعوب الدولة القومية يعيشون تجربة "حديثة" تجاوزها الشعب الفلسطيني سيكون من الطلائعين لخوض التجربة الكونية الجديده بل وبناء لبنتها و هي عصر ما بعد الاستعمار الحديث. لا شك ان هناك عمليات و محاولات للبناء و للنهضة و لكنها متشرذمه مثقلة بالشعارات القديمه و الكليشيهات التقليدية عوضا عن كونها متواضعة قبال التحديات المنبثقة (فرضيا) عن اي تقييم شمولي لواقعنا الفلسطيني، و هو ما نفتقدة لعدم توفر الشروط و الارضية والبيئة المناسبة لانتاج هذا التقييم و تنفيذ ما ينتج عنه. كم من المواضيع يبث فيها هنا و هناك دون تبويب و لا يدار نقاشها الى ان تغلق، ولا يتمخض عنها شيئ جدي و جذري، نخوض في دوائر متشابهة منذ سنين. كثير هم من يسارعون الى توضيح معالم هذا الواقع من وجهة نظر على الاغلب فردية او ضيقة لا تتناسب مع تعدد التعقيدات الواقعية المجردة و ترابطاتها. في حين أن الاختلاف الثقافي للاجيال الفلسطينية المتوالية في اماكن متفرقة من بقاع الارض وحده يكفل ان يضفي الى كينونة الفلسطيني (معنى ان تكون فلسطينيا ) زخما ادراكيا متنوعا ثريا. فحالنا اليوم يثبت انه من غير الممكن ان يطرح مشروع سياسي فردي او فئوي حلولا نموذجية. ناهيك ان الحلول المثالية لن تتم بالثقافة التي انتجت المشاكل. لهذا يجب فهم طبيعة التسرع بأخذ المبادرة الفردية او الفئوية و عدم القدرة على اختلاف التقاليد لمعالجتها ليكون التفاعل الوطني المسؤول فعالا و منتجاً. وعليه، فأي مشروع فلسطيني- فلسطيني شمولي و تكاملي لتحليل وتقييم الواقع الفلسطيني يتطلب مايلي: 1 مشاركة كافة الفئات الفكرية و الثقافية المرتبطة به 2 فهم الاعطاب في النظم السياسية التقليدية لفهم عجزها و اختراع نظم بديلة للتغيير 3 تصميم الاليات العصرية من نظم المعلومات والتوصيل والادارة اللازمة لبناء أسس تمكن من التشارك فيه 4 التركيز على شمولية الطرح الدقيق بأولوية سامية وملحة كوننا نملك من الطاقات والقدرات المشتته يكفي لان نتشارك بمشروع نهضة جديدة ستكون بنظري طليعية رائدة فريدة يمتثل بها كافة البشر! ماذا نفتقد و كيف؟ فيما يلي ساحاول التعرض لبعض المحوار المتعلقة باشكاليات فهم واقعنا بطريقة مبدأية و عرض تصور لمناهج عمل ضمن فلسفة جديدة ربما تؤدي الى عملية تراكمية ناجحة تخدم في النهاية كل انسان فلسطيني و تمكينه من تحقيق ذاته و ربط جهوده وافكارة مع غيره بطريقة حرة و فعالة. مراجع [1] http://www.psychoanalysis.asn.au/downunder/backissues/6/427/large_group_vv , Dr. Vamik Volkan [2] تحرير العقل الاسلامي، قاسم شعيب تابع |