الصين واميركا: مقتطفات من افتتاحيتين كتبهما ماو تسي تونغ في 12 و 19 تموز 1945 لوكالة (( الصين الجديدة )) . وقد نشرتا في حينه مغفلتين من التوقيع.
ان السياسة الاميركية في الصين ، الممثلة بهارلي ، تخلق على نحو ظاهر للعيان اكثر فاكثر خطر خطرا يتهدد كلا الشعبين الصيني والاميركي. وهذا الخطر لا يمكن تلافيه ما لم تؤخذ بعين الاعتبار مصالح الصين واميركا المجملة على المدى الطويل. ان هذا الخطر هو خطر حرب اهلية في الصين. وحكومة الكيومنتانغ ، التي تنتهج بعناد سياسة رجعية قوامها اهمال الحرب ضد اليابان وقمع الحركة الديمقراطية الشعبية ، تعيش على الحرب الاهلية منذ ان قامت قبل ثمانية عشر عاما ... ويوم كان الرئيس روزفلت ما يزال على قيد الحياة كان يحسب حساب هذه النقطة ، وقد رفض ، لصالح اميركا بالذات ، ان ينتهج سياسة قوامها مساعدة معسكر في الصين ضد المعسكر الاخر. وعندما وصل هارلي في تشرين الثاني 1944 الى يينان بصفته ممثلا شخصيا لروزفلت ، اتخذ موقفا ايجابيا من الخطة التي قدمها الحزب الشيوعي الصيني والتي كانت تقترح الغاء دكتاتورية الكيومنتانغ الاحتكارية وانشاء حكومة تحالف ديمقراطية. وما كان آنذاك قد نبذ رغبة الرئيس روزفلت في عدم مساندة حكومة الكيومنتانغ بصورة احادية الجانب. وبعد ذلك ، قلب هارلي موقفه على نحو غير متوقع ، ونكص عما كان قد قاله في يينان. وقد ظهر هذا التبدل بوضوح كبير في التصريح الذي ادلى به في واشنطن في 2 نيسان. فلقد اصبحت حكومة الكيومنتانغ ، الممثلة بشيانغ كاي شيك ، على لسان هارلي نفسه ، جميلة جمالا منقطع النظير هذه المرة ، بينما صار الحزب الشيوعي قبيحا قبحا لا مثيل له. وعلاوة على ذلك فقد صرح بلا مواربة ان الولايات المتحدة لن تتعاون الا مع شيانغ كاي شيك لا مع الشيوعيين الصينيين. وطبيعي ان هذه ليست وجهة النظر النظر الشخصية لهارلي وحده ، وانما وجهة نظر مجموعة كاملة من الاشخاص على شاكلة هارلي في قلب الحكومة الاميركية. وهذا مع انها وجهة نظر خاطئة وخطرة ومعاكسة لسياسة روزفلت. وفي تلك الاثناء انطفأت الحياة في روزفلت ، ورجع هارلي وهو لا يتمالك نفسه من الفرح ، الى السفارة الاميركية في تشونكينغ. ان خطر السياسة الاميركية تجاه الصين كما يمثلها هارلي هو انها تسهم في تعزيز حكومة الكيومنتانغ وتزيد من خطر نشوب حرب اهلية في الصين. واذا لم يستبعد هذا الخطر، فان النتيجة التي لا مفر منها لن تكون مرحلة طويلة من الشقاء لشعب الصين فحسب ، بل ان الحكومة الاميركية ستكون ايضا قد وضعت بيديها على كاهلها عبئا ساحقا. أي انها ستسقط في حفرة مرحاض الرجعية الصينية ، تلك الحفرة النتنة العميقة التي ستعجز عن الخروج منها. انها ستضع نفسها بنفسها في موضع العداء تجاه الملايين والملايين من الصينيين الذين استيقظوا من سباتهم وما يزالون يستيقظون. وهذا سيلحق الضرر على المدى القريب والآني بالحرب ضد الغزاة اليابانيين ، وسيعرقل في المستقبل توطيد السلم في العالم ... اما فيما يتعلق بمسألة مستقبل الصين فان قسما كبيرا من الرأي العام الاميركي ، وكذلك عددا لا بأس به من السياسيين والعسكريين ، قد فهموا ان القوة الكبيرة التي لا تقاوم للشعب الصيني الذي يطلب الاستقلال والحرية والديمقراطية والوحدة والذي يريد ان يجعل البلاد غنية وقوية لا بد ان تثور لوضع حد للاضطهاد القومي والاقطاعي. ان هؤلاء الناس يحسون بخطر سياسة كسياسة هارلي تجاه الصين ويطالبون بتبديلها. ولكن يستحيل علينا الآن ان نقول ما اذا كانت سياسة الولايات المتحدة ستتغير في النهاية ، ومتى سيحدث هذا التغيير اذا كان الجواب بالايجاب. وهناك شيء واحد نستطيع ان نقوله بكل ثقة وهو: اذا لم تتغير سياسة هارلي المساندة للقوى المعادية للشعب في الصين ، تلك السياسة المناوئة لشعب عظيم التعدد كالشعب الصيني ، فانها ستثقل بباهظ وطأتها على الحكومة والشعب الاميركيين وستسبب لهما اوجاعا لا حصر لها ... ... منذ ان عرض هارلي في 2 نيسان في واشنطن سياسته الخاطئة في تأييد شيانغ ومعارضة الشيوعيين ، انزاح النقاب عن الوجه الحقيقي لمجموعة العناصر الامبريالية داخل اميركا. فقد نشرت مؤخرا المجلة الاميركية (( ريدرز دايجست )) (المختار) التي يطالعها جمهور واسع جدا ، في عددها الصادر في حزيران مقالا مشتركا كتبه باول وايستمان تحت عنوان (( مصير العالم يقرر في الصين )). ومن الممكن القول انه بمثابة عرض مكشوف لسياسة هارلي. فبعد ان نوه باول وايستمان (1) بان الصين (( سيكون لها وزن حاسم عند تحديد مصير العالم )) اكد بان (( اكبر سؤال سياسي اليوم )) هو السؤال المتعلق بمعرفة ((ما اذا كانت الصين ستنحاز في خاتمة المطاف الى جانب الديموقراطية او الى جانب التوتاليتارية )) ... انهما يقولان ان السؤال المتعلق بمعرفة ما اذا كانت الصين ستنحاز الى الديموقراطية او الى التوتاليتارية (( مماثل للسؤال المتعلق بمعرفة من سيكون له الدور الموجه الحاسم : أأميركا الديموقراطية ام روسيا التوتاليتارية )). ايها الاخوة الصينيون ، استمعوا الى هذه الاعترافات من فم هؤلاء الامبرياليين ! ان سياستهم تجاه الصين تعني في الحقيقة وضع الصين تحت (( توجيه )) اميركا. وغني عن البيان ان معنى هذه العبارة (( مماثل )) للفكرة التالية هذه : تحويل الصين الى مستعمرة او نصف مستعمرة لاميركا. ان كل قناع مراء كاذب يتمزق ههنا ، ودوافع الامبرياليين تتجلى بكل عريها ! .. ان شعوذة (( الديموقراطية الاميركية )) و (( التوتاليتارية الروسية )) التي يتلهى بها باول وايستمان في مقالهما اكثر من مرة مضحكة وغبية في آن واحد. وما داما يقولان ان الطريق الذي يسلكه الان شيانغ كاي شيك هو (( طريق الديموقراطية الاميركية )) فهذا معناه ان (( طريق الديموقراطية الاميركية )) في الصين ليس غير طريق الفاشية الاقطاعية ، المموه بالديموقراطية. وما داما يقولان علاوة على ذلك ان الطريق الذي يسلكه الان شيانغ كاي شيك هو الطريق القمين بان يضمن لاميركا (( التوجيه )) في الصين ، فهذا معناه ان (( طريق الديموقراطية الاميركية )) في الصين هو الطريق القمين بالبداهة بان يجعل من الصين مستعمرة اميركية ... وبديهي ان شعب الصين لا يريد ان يسلك طريق المستعمرة الذي تريد العناصر الامبريالية الاميركية ان تفرضه عليه. ان الطريق الذي يريد ان يسلكه قد حدده زعيم الحزب الشيوعي الصيني ، الرفيق ماو تسي تونغ ، طريق الديموقراطية الجديدة المفضي الى الاستقلال والحرية والديموقراطية والوحدة والغنى والقوة ! .. ان الديموقراطية الجديدة التي تريد الصين ان تحققها ليست غير الدكتاتورية الديموقراطية المشتركة لجميع الطبقات المعادية للامبريالية والمعادية للاقطاع. وبديهي انها ليست الدكتاتورية البرجوازية الاميركية ، ولا دكتاتورية البروليتاريا في الاتحاد السوفياتي. واذا كانا لا يحبان الا دكتاتورية اقلية من كبار الملاك العقاريين ومن كبار البورجوازيين كما يمارسها شيانغ كاي شيك ، واذا كانا لا يحبان الدكتاتورية الشعبية لجميع الطبقات الثورية كما حددها رفيقنا ماو تسي تونغ ، واذا كانا يريدان بالتالي وباي ثمن ان ينعتا فاشية شيانغ كاي شيك الاقطاعية ب (( الديموقراطية )) وديموقراطيتنا الجديدة ب (( التوتاليتارية )) فانهما يملكان بلا ريب هذه (( الحرية )). ولكن شعب الصين يريد بلا ريب ايضا ان يسلك طريق الديموقراطية الجديدة الذي حدده ماو تسي تونغ ، لا طريق الفاشية الاقطاعية الذي حدده شيانغ كاي شيك ... واننا لنأمل ان تتدخل بقوة جميع العناصر المستقيمة من الرأي العام الاميركي ، والسياسيون والعسكريون ممن هم على استعداد لمعاملتنا على قدم المساواة ، من اجل تصحيح سياسة هارلي المغلوطة ، وذلك حتى نقهر مها اللصوص اليابانيين ونبني السلم في العالم ، في حين ان انتصار تلك السياسة لا يمكن ان يؤدي الا الى تأخير النصر على اليابان وتدمير السلم العالمي. (1) ماكس وايستمان: مفكر امريكي
كان ماركسيا بارزا قبل ردته. ((ملاحظة جورج طرابيشي))
|