من العصبوية الى التعاون مع الكيومنتانغ:
اذا كان هذا هو خط الأممية ، يصعب علينا في هذه الحال القول بأن الشيوعيين الصينيين قد فهموه او قبلوا به في ذلك العهد . ففي ((القرار الاول بصدد أعداف الحزب الشيوعي الصيني)) ، وهو القرار الذي تبناه المؤتمر الاول للحزب في تموز 1921 ، ورد التوكيد التالي : ((يحسن ، تجاه الاحزاب السياسية القائمة ، تبني موقف استقلالي ، هجومي ، استعبادي ... ان على حزبنا ان يهب منتصبا باسم البروليتاريا ، وألا يسمح البتة بعلاقات مع الاحزاب او الجماعات الاخرى)) . ترى الى أي جانب كان يقف ماو لدى مناقشة هذا النص العصبوي الضيق الأفق الذي لا يتكلم الا عن الثورة الاجتماعية وحدها ولا يلفظ حتى كلمة الثورة القومية ؟ ان الوثائق القليلة التي نملكها تشير الى انه كان يقف على الأرجح الى جانب الغالبية التي اقترعت عليه . فماو يحلل ، في رسائله الى صديقه كي هي شن في اواخر 1920 واوائل 1921 ، مشكلات الثورة العالمية بمصطلحات ((الرأسماليين)) و ((البروليتاريين)) وحدها . ولا يبدو البتة أنه كان يتصور ان الوضع في الصين يمكن ان يكون مختلفا عنه في فرنسا حيث كان كي هي شن يقيم آنذاك . ومما يعزز هذا الانطباع ان رسائل كي كانت تدعو الى قيام ((دكتاتورية البروليتاريا)) في الصين على نفس الوجه الذي قامت عليه في روسيا ، ولا تدلل على أي تفهم للطابع المعقد والمتناقض للمجتمع الصيني . وقد كان رد ماو على هذه الرسائل انه ((موافق على كل كلمة)) . ولكن اذا كان ماو وكي يتسمان بنفس المزاج الثوري الحماسي ، فان هذه الحماسة ، وما تولده من ميل الى تقسيم العالم الى أسود وأبيض ، الى رأسماليين وبروليتاريين ، كانت تتناقض مع هوى آخر عميق كامن في نفسه : هوى النزعة القومية . ومن قبيل ذلك أنه أبدى اكبر الحماسة في عام 1923 للتحالف مع الكيومنتانغ . بل انه لم يكتف بالدعوة الى التحالف مع البورجوازية ، وانما جعل أيضا ، في مقال له نشره في تموز 1923 ، من التجار القوة القائدة للثورة القومية . ان هذا الموقف ، البعيد عن الانسجام مع موقف ماو تسي تونغ قبل عام 1923 وبعده ، كان منسجما في الواقع مع السياسة الرسمية للحزب الشيوعي الصيني في ذلك العهد ، وهي السياسة التي أملتها عليه الأممية الثالثة في آب 1922 والتي تجسدت في انتماء الشيوعيين الصينيين الى الكيومنتانغ بصفة أعضاء فرديين وفي مشاركة عدد من الشيوعيين البارزين ، ومن بينهم ماو ، في أجهزة الكيومنتانغ القيادية . وقد كان موقف ماو في عام 1923 منسجما أيضا مع موقف معلمه لي دا زهاو الذي قال منذ عام 1920 بأن الصينيين يؤلفون في مجموعهم ((أمة بروليتارية)) . والافتراض بأن الشعب الصيني في مجموعه طبقة ثورية يضطهدها الامبرياليون قد أتاح لماو وللي على حد سواء ان يكونا ثوريين وقوميين في آن واحد . واذا كان شن دو كسيو بدوره قد قبل بالاتجاه الجديد الذي فرضته موسكو بصدد التعاون مع الكيومنتانغ ، فان قبوله به قد جاء من قبيل التسليم بالامر الواقع لا من قبيل القناعة والحماسة . فتشديد اللهجة من جهة أولى على الثورة القومية كان يعني في نظره ارجاء الثورة الاجتماعية الى أجل غير مسمى . وهو اذا كان معنيا من الجهة الثانية بمصير الصين ، فانه لبث على موقفه نصيرا للتغريب ، وما كان هذا كافيا للتشكيك في أهليته لزعامة الثورة الصينية ، حتى بدون الحاجة الى تحميله وزر أخطاء ستالين . ويبدو أن تطور لي دا زهاو من عام 1920 الى يوم وفاته في عام 1927 قد سار في خط مستقيم ثابت . ففي ايار 1924 ، وفي محاضرة له امام احدى المنظمات الطلابية في بكين اشتط الى أبعد حدود الاشتطاط في تصوره عن الصين بوصفها أمة بروليتارية مضطهدة . وقد قال : ان الاوربيين يتصورون أنهم يؤلفون طبقة عليا على الصعيد العالمي ، وينظرون الى الشعوب الملونة نظرتهم الى طبقة دنيا . وبذلك تكون المسألة العرقية على الصعيد العالمي قد أصبحت مسألة طبقية . ثم هتف قائلا : ان على الشعب الصيني أن يكون مستعدا لشن نضال طبقي ضد العروق الاخرى في العالم ، نضال يدلل فيه من جديد على خصائصه القومية . ونحن نجهل ما اذا كان ماو تسي تونغ قد عبر عن آرائه في الحقبة نفسها على نفس تلك الصورة البعيدة عن روح الماركسية ، لأننا لا نملك سطرا واحدا من كتاباته في عامي 1924 و 1925 . بيد ان مقالات 1923 ، بالرغم من عدائها الشديد للأجانب ، لا تقفز نهائيا فوق التحليل الطبقي : اذا كانوا يريدون لثورتهم الانتصار . ولكن ليس من المستبعد مع ذلك أن يكون ماو ، شأنه شأن لي دا زهاو ، قد مر آنذاك بمرحلة من النزعة القومية المتطرفة . ومن الواضح على كل الاحوال ان كتاباته في عامي 1924 و 1925 لا تتفق والصورة التي يراد اليوم أن تعطى عن الرئيس ماو ، والا فلن يكون في وسعنا أن نفسر واقعة الامتناع الكامل عن الاستشهاد بما كتبه في تلك الحقبة . وعلى أساس ما كتبه في عام 1923 ، وما نعرفه عن أعماله ابان السنتين التاليتين ، يمكننا ان نخمن طبيعة انحرافه : من جهة أولى اخلاص مفرط في التعاون مع الكيومنتانغ ، ومن الجهة الثانية تهوين من قوة الطبقة الفلاحية واساءة تقدير لها . وقد قال ماو بنفسه لادكار سنو انه لم يع الطاقات الثورية التي تتمتع بها الطبقة الفلاحية الا في أعقاب حادثة 30 أيار 1925 (1) . واذا كان ماو قد اشتط في عامي 1924 و 1925 في التعاون مع البورجوازية ، فلا مجال للشك في أن أهدافه ظلت أهدافا شيوعية ، وفي أنه كان تواقا الى اليوم الذي يتمكن فيه هو ورفاقه من السيطرة على الكيومنتانغ من الداخل . ولقد كانت هذه هي بالأصل نية الشيوعيين جميعا . ولقد كانوا يتصورون ان المشكلة هي بكل بساطة معرفة متى وكيف سينتقل زمام السلطة الى أيديهم . ومن هذه الزاوية كان من الصعب على ماو ان يكون اكثر حذرا وصبرا من ستالين نفسه الذي سيبدي استعداده للقبول حتى باعدام الحركة العاملة في المدن بأمل – أمل باطل – التفاهم مع شيانغ كاي شيك . ومهما يكن من أمر ، أسواء لأسباب صحيحة مزعومة كما قيل آنذاك أم تجنبا للاتهامات بالتعاون الطبقي ، فان ماو قد قفل راجعا في ربيع 1925 الى مسقط رأسه في احدى قرى هونان . وهناك اكتشف في خاتمة المطاف طاقة الفلاحين الثورية وبدأ بتنظيم روابط فلاحية . وما يلفت الانتباه ههنا أنه استغرق كل هذا الزمن ليعاود اكتشاف الطبقة الفلاحية ، بالرغم من أن أصله هو نفسه فلاحي . ولا ريب في ان تفسير ذلك كامن جزئيا في رد الفعل النفسي لمثقف شاب ضد عالم حداثته ((المبتذل)) ، بالاضافة الى الرأي الماركسي المسبق بصدد ((البلاهة الريفية)) وعلى كل الاحوال ، انه سيعمل من الآن فصاعدا على تدارك ما فاته من الزمن . (1) ادكار سنو : ((النجم الاحمر فوق الصين)) - ص 143 . |