|
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم
الحمد لله رب العالمين..
{ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } صدقَ الله العليّ العظيم
مَعَ تَفَشي الْظُّلم وَالْجور فِيْ هَذا الْزَّمَنْ، والسُّكُوت الْمَلْحُوظ عَنْه ، وَلَاْ عِلمَ لِيْ إنْ كَان خَوفاً، جُبْنَاً، أو حَتَّى غَفْلة..؟!! صِرْنَـا نَعِيشُ بهِ وكَأنَّنـَا: [ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ عَنِ الْحَقِّ ]..!! إلَّا أنَّ هُنَالك أرواحاً طَاهِرَة تَأبَى الظُّلْمَ، تَسْتَمِد قوتِها من الإيمَـانِ، لَاْ تَرْضَخ للظُّلم وَلَا للظُّلامِ ، تُقَاومُ بِكلِّ مَاْ تمْلك مِنْ روحٍ وَجَسدٍ وَمالٍ وَبَنُون، وَتُحِيِّ الشَّعَائرَ بعزمٍ رُغْمَـاً عنْ أُنُوفِ الْطُّغَاة { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ }. { لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }. مُهْدَاةٌ إلى كلِّ من ناضلَ للحقِ وساهمَ لـِ رفعةِ وطنهِ [ .. بكمُ الوطنُ يرفُّ رايتهُ فخْرَاً .. ]
جميع الحقوق محفوظة ولا يجوز نشرها بغير إذن، وبدون ذكر المصدر.
الفصل الأول: وَقَفْتُ أَنْظُرُ النُّورَ بِانْشِرَاحٍ وكأنِّي لِلْمَرَّةِ الأُولَى أرَاهُ... آآآه وأخيراً نُورُ الشِّمسِ يسقطُ مُتَبَعْثِرَاً عَلَى جَسَدِي يُطَهِّرُهُ مِنْ كلِّ دَنَسٍ ألْصَقُوهُ بي في المُعْتَقَلْ.. نَعَمْ، أنا (مُعْتَقَلٌ)، وَإِنْ تَسَاءَلْتُم عَن سَبَبِ اعْتِقَالِي، فَلَمْ يَكُن سِوَى لِأَجْلِ إِحْيَاءِ يَوْمِ القُدْس..! دَعُونِي أَسْتَرْسِلُ لَكُمْ في الحَدِيثِ لِأْذْكرُ لَكُم مَا جَرَى عليَّ من ظُلْمٍ وَطُغْيَانٍ، دَعُونِي أُحَدِّثكم بالأيامِ الَّتِي كُنْتُ بِهَا كَـ لُعْبَةٍ بَيْنَ أَيْدِيهِم، دَعُونِي أُخْبِركُم بِمَا جَرَى عَليَّ تلكَ الأيام.. سأبدأ منذُ البدايةِ بـِ {بِسْمِ الّلهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ}. كَمَا هو شَأنُ جَمِيعِ البُلْدَانِ وَالمَنَاطِق المُخْتَلِفَة الجِنْسِيَّات، عَلَيْنَا إِحْيَاءُ يَوْمٍ مَخْصُوصٍ بِالدُّعَاءِ والخُرُوجِ لِلإسْتِنْصَــارِ لِأخوَتِنا فِي القُدْسِ الأَبيّةِ.. وقد دُعيتُ إلى حُضُورِ إِحْدَى المَسِيرَاتِ المُتَعَلِّقَة بهِ [بـ يوم القدس العالمي].. وواجبٌ علينا أن نشاركَ بها وهذا أمرٌ مؤكّد، فالقدسُ قضِيَّةُ العالم.. ومن حكايةُ هذهِ المسيرةِ تطولُ القضِيَّة، فَكُونُوا مَعِي وَلَاحِظُوا مُجْرَيَاتِ الأَحْدَاثِ جَيِّداً..! وَرَدَنِي أنَّهَـا سَتُقَامُ اليَوْمَ فِي تمَامِ السَّاعَةِ الثالثةِ ظُهْرَاً.. ارتديْتُ ملابس مُلائِمَةُ لِلْخُرُوج.. اسْتَأذَنْتُ زَوْجَتِي للخروجِ، قَبَّلْتُ طِفْلَتي الحبيبَةِ هُدَى، وصَحِبْتُ ابني حَيْدَرَةً مَعِي.. أرشدتُهُ وأَعْطَيْتُهُ عَلَمَاً صَغِيراً يشدُّهُ عَلَى ذراعَهُ الأيْمَنِ، وآخَرٌ يرفَعهُ لينالَ عنانَ السَّماءِ، بِشُمُوخٍ لَا يَرْضَخُ أمْرُهُ لِلظُّلْمِ..!! سُعِدْتُ بـِــوقـْــفـَـــتِــهِ مَعَنا، ابنِي غَدَى رَجُلاً يهتمُّ بِقَضَايَا الأُمَّــــةِ، كَمْ أنَا فَخُورٌ بِكَ صغِيرِي.... كلّنا مِنْ أجْلِ القُدْس.. مُبَاركٌ سَعْيُكَ عزيزي، أثابَكَ الله بُنَيْ.. سِرْتُ في الصَّفِّ الأَوَّلِ مع المنظمين، أُشَاركهُم أَعْمالَهُم وأُشَاطِرهُم أَرْوَاحهُم بِرُوحِيَ المُتَلَهِّفَةُ لِنَصرِكِ يَا أرْضَنَا..! سِرْنا نَهْتف بالشِّعَاراتِ ونُفَجِّر أرْكَانَ البُيُوتِ بِأصْوَاتِنَا، صَرَخَاتُنَا كَانَت بِمَثابَةِ النِّدَاءِ الحَيِّ لِجَمِيعِ المُوَاطِنِينَ والسَّائحِينَ والزَّائِرينَ يَدْعُوهم لِلإنْضِمَامِ إلينا.. كَمْ كَانَ الوَضْعُ حَمَاسِيّـاً.. الجَمِيعُ شارَكَنا بِرُوحِهِ قبلَ جسَدِهِ... يــَا قُدْس، قُلُوبُنَـا مَعَكِ أَرْوَاحُنَا تُنَاشِدُكِ (..كُلُّنَـَـَاَ مَعَكِ..) النَّصْرُ لِلْإِسْــــلَاْمِ.. النَّصْــرُ لِلْإِسْـــــلَاْمِ لم تمضِ حتى نصفُ ساعةٍ وتَشَتَّتَ شَمْلُ الصُّفوفِ الأخيرة..!! مَاذا يجْرِي؟؟ كَرَّرْنَا عَلَى مَسَامعهم لَا تَتَفَرَّقُوا.. لَا تَتَفَرَّقُـــوا.. حِفَاظاً عَلَى الوحْدَةِ كُونُوا صفَّاً واحِدَاً (..كَالْبُنْيَــــانِ المَرْصُوص..)، تواصَلَ شملُ التَّشَتُّتِ باقْتِحَامِ الصُّفوفِ حَتَّى لَمْ يَبْقَى خَلْفنا سِوَى أَسْطُرٍ قَلِيلَة...!! شَيْئٌ أَجْبَرَهُم عَلَى فِعْلِ ذَلِك..!! مَاذَا يَجْرِي؟؟؟؟؟ جَاءَنَا هِتَافٌ قَوِيٌّ: (..اَلّلَهُ أَكْبـَــــــــرْ..)، تَفَرَّقـُــوا وَانْتَشـِـرُوا فَقَدْ بَدَأَ المُرْتَزِقةُ بِالْهُجُــوم..! مَا أَنْ سَمِعْنَا هَذَا حَتَّى لاذَ الجميعُ بِحَياتهِ وَفَرَّ من مُعْتَرَكِ الظُّلَاماتِ هَذَا...!! وجَدْتُ نَفْسِي وَاقِفاً وَحِيداً..!! الكُلُّ يَجْرِي...!! أريدُ فهمَ أمرٍ مَا، فَقَطْ وَفَقَطْ مَاذَا فَعَلْنَا حَتَّى نُجَابَهُ بِكُلِّ هَذَا؟؟؟؟ آخرَ مَا كُنْتُ أذْكُرهُ مِن تِلكَ اللَّحَظَاتِ أنَّ القَذائِفَ كَانَتْ تَتَطَايَرُ فَوْقَ رُؤُوسَنَا..!! بِتُّ أصْرَخُ وَأُنَادِي فِيهِمُ لِيَبْتَعِدُوا فَالْعُنْفُ هُنَا ضَخْمُ الجثَّــةِ لا يَرْحَمُ صَغِيراً وَلَا كَبِيراً..!!! الكلُّ يُفجِّرُ صَيْحَاتَه...!! الأَجْدَرُ بِي أَن أَبْتَعِدَ عَن هَذِهِ الحُفْرَةِ العَقِيمـَــةِ.. أسمعُ أصواتَ صفائِحَ يَرْتَطِمُ بِعْضها بالبَعْضِ مُحْدِثَاً جَلَبَةً كَبِيرة..! بَدَى وَكَأنَّ أحدهم يلحقني...!!! أحسَسْتُ بهذا فاسْتَرَقْتُ النَّظرَ.. كَانَ يَجْرِي نَحْوِي رجُلٌ، بلْ دَبَّابَةٌ حَرْبِيَّــــة..!! بِيَدهِ بُنْدُقِيـَّةً طَوِيلةٌ مَرْفوعَةً بِاتِّجَاهِي..!! أيُّهَــا المُجْرِم أَسَتَقْتُلُنِي؟؟ بِأيِّ حجّةٍ يا ظَالِمْ؟؟؟
الفصل الثاني: رَفَعْتُ حَجَراً كَانَ بِقُرْبِي وَرَمَيْتُهُ بِهَا.. أَصَابَتْ كَفَّــهُ فَأنْزَلَ سِلَاحَهُ لِيُعَايِنَهَـــا.. وجَّهَ بَصَرَهُ نَحْوِي بِنَظَراتِ استِهْجَانٍ وَغَضَبٍ، ثُمٌّ قَامَ بِمُنادَاةِ أصْحَابهِ بِلَهْجةٍ غَرِيبَةٍ مُتَطفِّلـةً..! ربَّاهُ حِفْظُكْ... أَصْبَحْتُ أجْرِي بِأَقْصَى سُرْعةٍ لَدَيَّ.. فِي ذَلِكَ الوَقْتِ كَانَ كُلَّ خَوْفِي مُتَجَمْهِرَاً حَوْلَ ابْنِي.. أَيْنَ حَيْدر؟؟ عَزِيزِي حَيْدَرٌ أتَمَنَّى أَنْ تَكُونَ بِخَيْر.. فِي دَوَّامَةِ الشَّتَاتِ والحَيْرةِ صُدِمْتُ بِوجودِ أَحَدَهُم قُبَالَةَ طَرِيقي..!! حَاوَلْتُ تَغْيِير مَسَارِي ولَكِنَّهُ أطْلَقَ الرَّصَاص على قدميَّ ليطرحني ذاكَ أرضـَـاً... بَدَأْتُ بِالزَّحْفِ بِكُلِّ مَا أُوتِيتُ مِن قوّةٍ، لكِنَّ أحدهم هَبَطَ بجثَّتِهِ الضَّخْمَةِ؛ لِيَقِفَ عَلَى جَسَدي مَانِعَاً إيَّايَ مِنَ التَّحَرُّكِ..! حَاوَلتُ التَّحَرُّرَ مِنْ ذَلِكَ، ولكنْ..! هَذَا أَمْرٌ مَكْتُوبٌ، وَمَحْتُومٌ عَليَّ أنْ أُوَاجِهَهُ عَلَى مَاْ يَبْدُو...! تَوَافَدَ الطُّغَاةُ وَتَجَمْهُروا حَوْلي بَلْ عَلَيَّ، ثمَّ تَجَاْسَرُوا فَوْقَ جَسَدِي وَبَدَأُوا بِضَرْبِهِ بِعُنْفٍ (لَيْسَ بِإِنْسَانِيٍّ أَبَدَاً).. تَهَاتَفُوا عليَّ بِأَقْدامِهِم وعِصِيِّهِم، إِلَى أَنْ تَلَقَّيْتُ ضَرْبَةً عَلَى رَأْسِي جَعَلَتْني أفْقِد الإحْساسَ بِمَا حَوْلِي.. وَمِنْ هُنَا تَوَقَّفَ إدراكي.. بِمَعْنَىً آخَرْ: غِبْتُ عَنِ الوَعْي...! أَفَقْتُ وأَنَا أشُمُّ رائحةً لا تُطَاق أبداً..!!! أَشَمِمْتَ يَوْمَــــاً رَائِحَةَ المَوْتِ؟؟ أعْنِي هَلْ جرَّبْتَ أَنْ تَمُرَّ بِـ مَقْبَرَةٍ لِلْحَيَوَانَاتِ..؟؟؟ أَفَرَأَيْتَ لَوْ تَمُرُّ بِمَنْطَقَةٍ يُغْرِقُهَا التَعَفُّنْ...!!! هَلْ أدْرَكْتَ مَعِيَ الأَمْر؟؟؟ إنَّكَ هُنَا لنْ تشمَّهــَـا، وَلَنْ تستَطِيعَ إِدْرَاكَهَا لِأَنَّكَ سَتَجِدَهَا أَرْدَى مِنْ ذَلِك..!! أفقتُ لــأَجِدَ نفسي مستلقياً في بلقعٍ مِنَ الأَوْبِئَةِ..! مَاْ هَذا الحَالُ الَّذي وَصَلتُ إِلَيْهِ؟؟؟ يـــَا الّلَه.. أُحِسُّ بِالْأَوْجَاعِ تَتَوَافَدُ عَلَى جَسَدِي وَالآلامُ تَعْصِفُ بِرَأْسِي.. حَاولْتُ الجُلُوسَ وَلَكِنِّي لَمْ أَسْتَطِعْ..!! أَحْسَسْتُ أنِّي مُقَيَّدٌ بالْفِرَاشِ...!! مَا هَذا؟؟ أينَ أكُونُ الآن..!! أهَذِهِ مَشْفَىً أَمْ سِجْنٌ..!! أتَى أَحَدهُم... اسْتَرِقَ النَّظَر إليَّ ومِنْ ثَمَّ خرج..! أَتَى بَعْدَهُ رَجُلٌ أعْتَقِد أَنَّهُ كَانَ طَبِيبَاً..! نَظَرَ إليَّ بِازْدِرَاءٍ وَمِنْ ثُمَّ خَرَجَ لِيَأتِيَ آخَرْ..! ظننتُ أني لن أخرج من هنا..! مَاذا يَجْرِي؟؟؟؟ هَكَذَا كان الوضع واحداً تِلْوَ الآخَرْ..! استَنْكَرْتُ مَا يَجْرِي...!! أَتَى رَجُلَانِ.. اعْتَقَدْتُ أنَّهُم سَيَخْرُجَــانِ أيْضَـاً، لكنَّ أحدهُمَا وَقَفَ بَعِيدَاً وبَقِيَ الآخرُ بِجَانِبِي...! مَا حِكَايَتكُم؟؟؟ كَانَ يَنْظُرُ إِلَيَّ بتَعَالٍ...! قَدْ كَانَ رَجُلاً ضَخْمَ الجُثَّةِ.. قَامَ بِإِلْقَاءِ نَظْرَةٍ عَلَى جَسَدِي المُغَطَّى بـِ بُرْدَةٍ لوْنُهَـا أقْرَبُ لـِـ الأَصْفَر.. لَكِن، أتَعْلَمُون؟؟ لَوْنُهَا كَانَ كَهَذَا بِسَبَبِ قَذَارَتِهَـا....!! أَخْبرتُهُ أَنَّنِي مُصَابٌ في رِجْلِي فقامَ بِصَفعي وَغَرَزَ فيَّ حقنةً جَعَلَتْنِي أُحِسُّ بـِثِقْلٍ شَدِيدٍ فِي رَأْسِي، أَدَسَسْتَ لِي سُمَّاً؟؟؟ لَوْعَةٌ عَنِيفَةٌ أَصَابَتْنِــي، أَدْرَكْتُ بِهـَــا أنَّ هَذَا ليْسَ سِوَى مُخَدِّرٍ سريعِ المَفْعُول...! جعَلَنِي هَذا الأَخِيرُ أُسَلِّم الأَمْرَ وَأَفْقِد الوَعْيَ لِفترةٍ من الزَّمَن..!! لا أعْلَمُ كَمْ مَضَى عليَّ مِنَ الوَقْتِ وَلَكِنِّي حِيْنَمَا أَفَقْتُ أَحْسَسْتُ بِثِقْلٍ شَدِيدٍ فِي وَجْهِي..!! تَأْثِيرُ المُخَدِّرِ طَبْعـَــاً..!! حَاوَلْتُ تَحْرِيكَ يَدَيَّ مُجَدَّدَاً فنجحتُ...!! تَحَرَّرْتُ....!! عَلَى مَا يَبْدُو أنَّهُم قَدْ أَزَاحُوا القَيْدَ عَنِّي...!! تَحَرَّرْتُ بَعْضَ الشَّيءِ..!! آه.. صرْتُ أتنَفَّسُ بَغْيَةَ طَلَبِ النَّقاءِ لـ رِئتي، لكن... لَمْ تَكُنْ تـَصِلُهَا سِوَى الرَّوَائِح البَشِعـَــةِ المُقَزِّزَة..!! أفٍّ لَكُمْ..!! إِلَى مَتَى سَأَبْقَى هُنَا؟؟ كَيْفَ سَيَكُونُ حَالِي، وَإِلى أَيْنَ مَآلِي؟؟؟ مَا حَالُ أَهْلِي وَأَبْنَائِي؟؟ مَا حَالُ قَرْيَتِي وَأَحْبَابِي؟؟ هَلِ افْتَقَدُونِي؟؟ هَلْ يَعْلَمُونَ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ أَخَذُونِي!! آآه تَسَاؤُلاتٌ كَثِيرةٌ تَتَبَادَرُ إِلَى ذِهْني تُؤَرِّقُهُ.. وَكَّلْتُ أَمْرِي عَلَى اَلّلَهِ.. وَكَّلْتُ أَمْرِي عَلَى اَلّلَهِ. قَضَيْتُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ هُنَا، مُتَوَسِّدَاً وَجَعِي، وَحْدِي فِي زَاوِيَةٍ مُهْمَلَةٍ.. قَدْ أبْقَوْنِي بِلَا طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ..!! تَتَقَلَّبُ مَعدَتِي جُوعَاً.. أمَّا حَلْقِي فـَ يَكَادُ يَنْفُثُ نَفْسَهُ بِسَبَبِ العَطَشْ!! أُرِيدُ وَلَوْ قطرة مَاء...!! لَكِنِّي لَا أَوَدُّ طَلَبَ هَذَا مِنْ هَؤُلاء...!!! أُفَضِّلُ المَوْتَ عَلَى ذَلِك....
الفصل الثالث: بَيْنَمَا كُنْتُ وَاقِعَاً بيْنَ غَيَاهِبِ أَفْكَارِي أتَى أَحَدَهُم وَقَامَ بِتَغْطِيَةِ وَجْهِي بِغِطَاءٍ مَنَعَنِي مِنْ رُؤْيَةِ أيَّ ظِلٍّ...!! عَقَدَ يَدَايَ خَلْفَ ظَهْرِي..!! إِلَى أَيْنَ؟؟؟؟؟ إِلَى أَيْنَ الَآن؟؟؟؟ لَمْ أَعُدْ أَرَى شَيْئاً وَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ وجْهَةَ المَسِيــر..! تَحدَّثْتُ إليهِ: هِيهْ، أَنْتَ يا هَذا..!! إِلَى أيْنَ سَتَأْخُذني؟؟ زَمْجَرَ كَرَعْدٍ لكنَّهُ مُرْتَعِد..!! أنِ اصمُتْ، وَإِلّا........!!! حاوَلْتُ التَّحَرُّرَ مِنْهُ لكنَّ لَكْمَةٌ قويّةٌ أخرستني.. آآآه أمْرِي لِلّهِ... أَمْرِي لِلّهِ. رَمَوْنِي في سَيَّارةٍ وانْطَلَقُوا بي..... مَعِي أيْضَـــاً مَجْمُوعةٌ مِنَ الغُرَبَاءِ أحْسَسْتُ بِوُجُودِهِم حَوْلِي، قَدْ كَانَ فَزَعَهُم دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِهِم.. فَلا يُمْكِنُ لأيِّ فردٍ أنْ لَا يَسْمَعَ صَوْتَ اصْطِكَاكِ أسْنَانِهِمْ، وَأَنْفَاسَهُم الَّتِي تُلَاحِقُ كلَّ واحِدَةٍ الأُخْرَى.. حَسَناً لَسْتُ أُخْفِي عَلَيْكُم كنتُ خائِفَا بَعْض الشَّيء.. لَكِن... عليَّ أًنْ لا أُظْهِرَ هَذًا لِلْأَعْداءِ...!! عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَويَّاً..!! نَعَمْ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا.. اسْتَوْحَيْتُ أنْفَاسَهُمْ الصَّارِخَةِ بِالْأَلَمْ، وَشَارَكْتُهُم أَنْفَاسِيَ الرَّاسِخَةُ بِأَصْدَاءِ الأَمَلْ.. كَانَ الحَالُ مُتَفَجِّعَاً بِـالنِّدَاءَاتِ المُخْرَسَةِ.. أنْفَاسٌ خَائِفَة! أَجْسَادٌ مُرْتَعِدة! زَفَرَاتُهُمُ أَوْحَتْ بِأنَّهُم عَلِمُوا بِوُجُودِ أَشْخَاصٍ مَعَهُمْ.. لَكِنَّ أحَدَهُمْ لمْ يَنْطِق!!! يَا اَلّلَهُ!! حَتِّى شَهْقاتُهُمْ مُخْرَسَة..!!! طَاْلَ بِنَا المَطَافُ إِلَى المَجْهُولِ وَلَا زِلْتُ أعْمَلُ كَـ جِهَازِ مُرَاقَبَةٍ لِأَحْوَالِهِم..!! وَأَخِيرَاً تَوَقَّفْنَا..! أَنْزَلُونِي بِعُنْفٍ وَطَرَحُونِي أرْضَاً.. سَمِعْتُ صُراخَ أحَدهُم..! كُنْتُ سَألطُمُ مَنْ يُمْسِكُنِي بَغْيَةَ الحُرِّيَّة، لَكِنِّي كُنْتُ أخشى أن أُصِيبَ أَحَدَ هَؤُلاءِ المُعْتَقَلِينَ..! جَرُّونِي جَرَّاً عَنِيفَاً، حَتَّــــى أنِّي أَحْسَسْتُ بِعِظَامِي تَرْتَطِمُ بِكُلِّ بقعةٍ في الأرض..!! حقيقةً أَتَتْ لَحْظَةٌ كُنْتُ أَضْحَكُ فِيهَا وَأنَا أُجَرّ فَتَوَقَّفُوا وَزَجَرُونِي..!! مَاذَا فَعَلْتُ الآَن؟؟ كُنْتُ بَاسِم الثَّغرِ فَقَطْ!! أُنَوِّهُ لَكُمْ أنَّنِي لَا زِلْتُ مَعْصُوبَ العَيْنَيْنِ.. حَسَناً، قَامَ بِصَفْعِي عِدَّةَ مَرَّاتٍ وَرَكَلَنِي مَرَّةً فِي وَجْهِي..! لَمْ أَسْتَطِعْ تَمَالكَ نَفْسِي فَصَرَخْتُ عَلَيْهِ أنْ بَيْنِي وَبَيْنكَ حُكْمُ اللهِ يا مُجْرِمْ..! مَا أَنْ قُلْتُ هَذَا حَتَّى انْهَالَ عَلَيَّ بِضَرْبٍ شَدِيدٍ...!! وَهَلْ تَرَوْنَ فِي كَلَامِي خَطأٌ مَشْبُوه؟؟ فَقَدْتُ الوَعْيَ جَرّاءَ ضَرْبهِ العَنِيفِ عَلَى رَأْسِي.. حَسَبَ تَقْدِيراتِي، أعْتَقِدُ أَنَّنِي بَعْدَ سَاعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَفَقْتُ.. أَفَقْتُ لـِــأَجِدَ نَفْسِي فِي غُرْفَةٍ لا يوجد بها أيُّ منفذٍ لِلنُّورِ..!! وكَيْفَ نَحْيـَـــا دُوْنَ هواءْ..! سنبقى نتَنَفَّسُ الهواء المُلَوَّث بـِضَغَائِنِهِم....؟؟؟ يا الله!! دَعُوْنِي أَصِفُ لكُمُ الحَالَ فِي هَذِهِ البُقْعَةِ المَوْبُوْءَةِ... كَانَتْ ضَيِّقة بِحُدُودٍ صَغِيرة، لا تَكَادُ تَكْفِي لـ وَضعِ أكْثَرَ من خَمْسِ أفْرَادٍ بِهَــا.. لَهَا بَابٌ حَدِيدِيٌّ بِهِ نافِذَةٌ صغيرة..!! أدْرَكْتُ حِينَهَا أَنَّنِي سَأَبْقَى هُنَا لِفَترةٍ لَيْسَت بِقَصِيـــرة.. المَكَانُ مُوْحِشٌ جِدَّاً... خَشِيتُ أن أتَحَرَّكَ فَأَسقُطَ بِحُفْرَةٍ مُخَبَّأَةٍ.....!! بَقِيتُ وَحْدِي أَتَفَقَّدُ هَذَا المَكَانُ بِعَيْنِي... وَصِرْتُ أُنَادِي كَالْمَجْنُونِ لَعَلَّ أَحَدَهُم يُجِيبُنِي..! وَمَن سَيَسْمَعني سِوَى أَصْحَابُ الخَبَائِثَ هَؤلاء..!! أوه، أحَدُهُم قــَـادِمْ..!! فُتِحَ البَابُ، دَخَلَ وَأَقْفَلَهُ آخَرٌ خَلْفَه..!! أَخَذَ يَحُومُ حَوْلِي وَهُوَ يَنْظُر إليَّ مِنْ أَعْلَى رَأْسِي حَتَّى أَخْمَصِ قَدَمَيَّ..! الرُّؤيَةُ لَمْ تَكُن وَاضِحَة لكنَّ لَسَعات الظُّلْمِ أثَرُهَــا واضِحٌ جِدَّاَ....! طــَـرِقَ بابَ الجُرْمِ لـ يُفتَح إليهِ ثمَّ نَادَى بِـ أَسْمَاءٍ عِدّةٍ كَانَتْ جَمِيعُهَا أَجْنَبِيَّةً وَغَرِيبَةٍ...!! دَخَلُوا ثُمَّ طَرَحُوا علَيَّ عِدَّة أَسْئِلَةٍ لَا عِلْمَ لِي بِأَصْلِهَا..! أُوْهْ ما هذهِ الأسئِلـَــهْ..! وَمَا أدراني أنا؟؟؟؟ أجَبْتُهُمْ...: لَا عِلْمَ لـِــي..! قلتُ هَذا فـَـ صُفِعْــت..!! أيُّهَـــا الحَمْقَـى!! تَهّاتَفُوا عَليَّ بالصَّفَعَاتِ والرَّكَلَاتِ، صَارَ الأمرُ لُعْبَةً بَيْنَ أيْدِهِم، وصَارَ جَسَدِي لُعْبَــــةً تحتَ أقدامِهُم...!! كُلَّمَا أَجَبْتُ بِأَنِّي لا أَعْلَمُ، وَلَا دَخْلَ لِي بِـ هَذِهِ الفِئَاتُ انْهَالُوا عَليَّ بِالضَّرْبِ أكْثَرَ وَأَكْثَر.. وَمَارَسُوا عَليَّ شتـَّـى أَنْوَاعِ الْعَذَابَاتِ..!!
الفصل الرابع: كُلَّمَـــا صَرَخْتُ أَخَذُوا يَضْحَكُونَ مِنْ حَوْلِي...! كَاْنُوا يَحُومُونَ كـــ النُّسُورِ الضَّارِيَـةِ الجَائِعةِ الماجِنــَةِ حَوْلَ الفَرِيسَــــةِ..!! رُحْمَــــاكَ يــَـا رَاحِـــمْ.. عَطِش...! أُريدُ مَاءً..؟! ردَّ عليَّ أحدهُمْ بـ لهْجَةٍ غريبةٍ: تُرِيدُ مَاء؟ حَسَنَـــاً!! آه كنتُ أفكِّرُ بأنَّ حَلْقِي سَيَرْتَوِي.. لَكِنْ، كَانَ تَفْكِيرِي تَافِهَاً..!! إِذْ كَيْفَ لِـ طَاْغٍ أَنْ يُعِيـنَ فَرْداً مُسْتَضْعَفاً؟؟؟ فِعْلَاً.. أَتَوْ بِهِ ثُمَّ قامُوا بِسَكْبِـهِ عَلى الأرْضِ..!! رَكَلَنِي أحدهُم قائِلَاً بأنِّي لَنْ أحْصل عَلَى أيِّ شَيْءٍ طَالَمَا أنِّي أَرْفُضُ الإِعْتِرَاف..! مَهْلَاً....!! أَعْتَرِفُ عَلَى مَاذَا يَا قَوْم؟؟ مَا ذَنْبِي أَسَاسَاً..!! صرخْتُ بِهِم بكُلِّ جُرأةٍ.. وهَلْ لـ إسرائيلَ معكُمْ تَحَالُفٌ حتى تفعَلُوا كُلّ هَذَا بِي؟؟؟ كُنْتُ فِي مَسِيرَةٍ مِنْ أجْلِ القُدْسِ السَّليبةِ فقط!! لِمَ تَسْلِبُونَ مِنِّي حُرِّيَّةَ جَسَدِي؟؟؟ مَا وجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهُم وَبَيْنَكُمْ الآنَ؟؟ هُمْ فَلَسْطِيْنٌ وأنتُمْ مَاذَا؟؟؟؟؟؟؟؟؟ أيُّهَا الحَمْقـــَــى!! اِبْتَعِدوا عَنِّي!! أخذتُ أضْرِبُ بـ أَوْسَاطِهِم بِشَكْلٍ عَشْوائِي.. آه نَعَم.. ضَرَبْتُهُم..!! فَلَقَيْتُ جَزَائِي، وَلَمْ يَتْرُكُوني إِلّا بَعْدَمَا أَنْهَكُونِي وَصِرْتُ لَا أَقْوَى عَلَى الحَرَاكِ..!! لَمْ أكُنْ عَلَى عْلْمٍ بالوقت، أو حَتَّى مَا أنْ كَان اليومُ نهاراً أو لَيْلاً، فَكَمَا ذَكَرْتُ أنَّهُ لَا يُوْجَدُ أيَّ مَنْفَذٍ لِلنُّورِ.. بَقِيتُ عِدَّةَ سَاعَاتٍ دُونَ حَراكٍ، دَخَلَ أحَدَهُم، وَوَضَعَ بِقُربِي بَعْضَ الخُبْزِ واللحمِ وَكَأْسٌ مِنَ اللَّبَنِ.. جَلَسْتُ مُسْتَنِداً عَلَى الجِدَارِ ألفُظُ أَنْفَاسِي بقوّةٍ وَصُعُوبَةٍ.. بِدَايَةً كُنْتُ أَرْفُضُ تَنَاوُلُهُ، وَلَكِنَّ صَوْتَاً مَا حدَّثَنِي يَحُثَّنِي عَلَى الأَكْلِ..! لِي زَمِيلٌ فِي زِنْزَانَتِي وَلِتَوِّي أَلْحَظُ هَذَا..!! قالَ لِي ذَاكَ الغَرِيب: كُلْ حَتَّى تَقْوَى عَلَى تَحَمُّلِ مَا يَفْعَلُونَهُ بِكَ..! خَاطَبْتُهُ والَّوْعَةُ تَعْصُرُ مُهْجَتِي: آآهْ مَنْ تَكُونُ يَا هَذَا...؟؟؟؟؟؟؟؟؟ - لسْتُ أدْرِي مَنْ أَكُون!! تَجَاسَرَ الدَّهْرُ عَلَيَّ حَتى أنْسَانِي هُوِيَّتي.. لا يَهُمُّ من أكونُ الآنْ فَقَد صِرْتُ نَسْيَاً مَنْسِيَّـــــا..! - مابكَ أخي؟؟ لِمَ كُلُّ هَذَا التَّشَاؤُمُ وَاليـَــأْس؟؟؟ لا تَفْقِدِ الأمَلْ... نَحْنُ لَنْ نَبْقَى طَويلَاً.. - ألَا زِلْتَ تَتَحدَّثُ عنِ الأَمَل؟؟ ههه أَلَا زَالَ هَذَا الشَّيْءُ مَوْجُودٌ؟؟ غَادَرْتُ هَذِهِ الأَرْضَ مُنْذُ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ..! أَصْبَحْتُ فِي هَذِهِ الغَيَاهِبِ مُنْذُ سِنِينَ الغَبَرَةِ العَافِرَة، قَدْ غَادَرَت ذِكْرَايَ ألْسُنُ النَّاسْ..! في كلِّ مرَّةٍ يَأتِي ضيْفٌ هُنَا.. لَا تَمْضِي لَهُ مِنَ الأَيَّامِ سِوَى لَحَظَاتٌ ثمَّ يَرْحَلُ لِأبْقَى وَحِيدَاً مُجَدَّدَاً قابعاً بيْنَ الزَّوَايَا، تَأكُلُنِي الرَّزَايَا.. اعْتَدْتُ التَّعْذِيبَ حَتَّى أصْبَحَ جَسَدِي مُعْدَمَ الإِحْسـَــاس..! لَمْ أعُدْ أُبــَـالِي بِمَـا يَجْرِي عليَّ.. أَتَعْلَمُ يَا صاحِ..؟؟ كنتُ هُنَا حتَّى قبلَ أن يَطْفحَ مِنْ ذقني الشَّعْر.!... مَاذا تُريدُ منِّي الآن؟؟؟ أُصَفِّق؟؟؟؟؟ أفرَح؟؟؟؟؟ كيفَ لي أن أصدِّقَ أو حتّى آمُل أنني قَدْ أَخْرُجُ يَوْمَاً مَا بَعْدَ كُلِّ مَا جَرَى عَليَّ؟؟؟ دَعْني من هذهِ التُّرَهـَـات..!! مَوْتِي أدْرَكْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَنــي حتَّى.. أَتْعَبَني انتظَارُ الأمَلْ.. لا تحدِّثْنِي عَنْهُ فَمِن حَيَاتِي قَدْ رَحَلَ وَبِلَا عَوْدَةٍ أَيْضَــاً.. أفْزَعَتْنِي دَهْشَـــتِــي!!! أيُعْقـَـلُ أن يَكُونْ هُوَ.............؟؟؟ أيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ........؟؟؟ - مَنْ تَكُون...؟؟؟؟؟ باللهِ عليكَ أجِبْنِـــي!!!!!!!!!!! - وما المُهِمُّ فِي هَذَا الآَن؟؟
الفصل الخامس: - دَعْنِي أرَاكَ..! هَيَّا ابْتَعِد عنْ حُلَلِ السَّوَادْ..! اقْتَرَبَ نَحْوِي فأَهَالتْنِي الدماءُ الجَّامدَةُ على سائِرِ جَسَدِهِ.. تُغَطِّيهِ كأنَّهَــا بُرْدَةٌ بــَـالِيَــة.. أما مَلَابِسهُ فقد كَانَتْ مُهْتَرئَـةً مُمَزَّقـــةً.... بالكَادِ تُغَطِّي جِرَاحَاتَهُ... مَا أَنْ رَأيتُ مَلَامِحَهُ حتَّى صَرَخْتُ باكياً..... ساجِدَاً.... الحَمْدُ لِلهِ.... الحَمْدُ لِله... - ألا تعرفني يا مُحَمَّدْ..؟؟ أنتَ مُحَمَّد، أليْسَ هَذَا صَحِيحَاً..؟؟ أرْجُوكَ قُلْ... أَخْبِرْنِي؟؟ أَجِبْنِي؟؟؟ أنتَ مُحَمَّد؟؟؟؟؟؟؟ ظلَّ هَذَا الغَرِيبُ شَاخِصَاً بَصَرَهُ نَحْوِي.. تَقَدَّمتُ نَحْوَهُ صَارِخاً..!! أَجِبْنِــــي!!!!!! ماهَذَا؟؟ أَتَبْكِي؟؟ أشَاحَ بِوَجْهِــهِ عَنٍّي.. وَقَالَ: أبَدَاً، لا.. اسْتَرْجَعْتُ وَبَكَيْتُ.. تَزَعْزَعَتْ ذِكْرَيَاتِي... سَقَطَتْ آَمَالِي... اِنْهَارَت كُلَّ أَوْصَالِي.. اسْتَدارَ ثُمَّ حدَّثني..: هُوَ اسْمِي كَانَ مُحَمَّد.. لَمْ أسْمَع أيَّ كائنٍ يُناديني بهِ منْذُ احْتَوَشَني هذا المَكَان..! مَنْ تَكُون؟؟ - آآآآآآآآآآآآآه ياااااا مُحَمَّد!!!!!! أنَا عَبْدُ الله!!!!!! - نِضَالٌ؟؟ عَزِيزِي؟ - نَعَم...!! أخُوكَ.....! تَصَارَخَت أدمُعَنا مَعَاً، وبكَتْ أرْوَاحَنا... حَبِيبِي أَخِي؟؟؟؟؟؟؟ آآآآآآآآآه!!!!!!! - يا نِصْفِيَ الغَالِي!!!!!!! لمْ نَنْسَكَ.. ثِقْ بـ هَذَا عَزِيزِي!!!!!! كيْفَ نَنْسـَــاكَ وفي كُلِّ زاوِيَةٍ من أنْفَاسِ أخِيكَ زَفْرَةٌ إِلَيْـك!!!!! رغمَ اختِلافِ ملامِحَنَا إلَا أنَّ خطواتُنَا هِيَ ذاتُهَـــا..! أمَا تَدْرِي أنَّ القَوْمَ كلَّما رأَوْنِي نَظَرُوا للسَّمــَـاءِ يَدْعُونَ إلَيْكَ..؟؟ هُنَا عزيزي لا أَسْمَحُ لَكَ أَنْ تَقُولَ أنَّكَ كنتَ نَسْيَاً مَنْسِيَّا..! آآه أَخِي أَخِي أَخـِـــــــــــــــــــــي!!!!! ألا تدري ما الجرحُ الذي سبَّبَهُ غِيابك؟؟ - وما حيلتي يا أخي؟؟؟ لَمْ يكُن الأمرُ بِيَدِي!! سَلَبُونِـي وأنَا لا أزَالُ علَى مَقَاعِدِ الدِّرَاسَةِ..!! وَلِمَاذَا؟؟ لأنِّي صَرَخْتُ رافِضَاً للظُّلــْـــم..! - هَكَذَا هُوَ النِّظَامُ يَا عَزِيزِي.. اعْتَقَلُونِي لِأَنِّيَ قَدْ شَارَكْتُ فِي مَسِيْرَةِ القُدْسِ..!!! لماذا؟؟ هــَــلْ لِأَنِّيَ أَصْبَحْتُ عدوّاً لِلصَّهَــايِنَةِ.....؟؟ لستُ أدري حقيقةً..!! - آآه أخي كيْفَ غيَّرَكَ الزمانُ هكذا؟؟؟ كنتَ بِجَسَدٍ يهزُّ الجِبَالَ بِقُوَّتِـهِ.! كنتَ ذا وجهٍ ينْضُخُ بالبَيَاضِ؟؟ الفصل السادس: - أخــِــي عَزِيزِي..؟ كُنَّا أطْفَالاً حِينَمَا أَخَذُوكَ!! أَوَلَا تَذْكُرُ كَيْفَ كَانَ رَابطَ الأخوّةِ بَيْنَنَا؟؟ كُنَّا كـَالْجَسَدِ الوَاحِدَ..! حِينَمَا صُعِقتُ بِخَبَرِ فَقْدِكَ.. وَافتِقَادِ أَثَرِكَ.. أَصَابَتْنِي حُمَّىً كَادَت تُوْدِي بِحَيَاتي، اجْتَمَعَ حَوْلِي العَدِيدُ مِنَ الأَفْرَادِ.. بَلْ أَكَادُ أَجْزِمَ أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ القَرْيَةِ كَانُوا مُتَوَاجِدِينَ، حَتَّى أنَّ بَعْضَهُم أَحْضَرَ مَنْ يَقْرَأُ عَلَى رَأْسِي بَعْضَ السِّوَرِ وَالَآيَاتِ وَالشَّهَادَةِ...! لَوْ لَا رَحْمَةِ رَبِّي الَّذِي اسْتَجَابَ دَعَوَاتِ أُمِّيَ المَقْسُومِ ظَهْرِهَا لِفَقْدِكَ.. لَمْ تَكُنْ لِتَقْوَى عَلَى رَحِيلِيَ أَنَا الَآخَرِ.... عَلَى كُلِّ حَالٍ حَمَدْنَا الّلَه، فَقَدْ شُفِيتُ بَعْدَ فَتْرَةٍ لِأَبْقَى طَرِيحَ الفِرَاشِ لِفَتْرَةٍ لَا تَقِلُّ عَنِ الشَّهْرِ.. أخِي فَقْدُكَ قَلَبَ وَجْهَ شَرَايِينِي!! كُنْتُ بِالكَادِ أَتَنَفَّسُّ، بَقَيْتُ نَحِيلاً كَمَا عُودُ قَصَبٍ هَزَمَتْهُ الرِّيـــَــاحِ..! أتَعْلَمُ؟ حَتَّى المَدْرَسَةُ أجَازَتْنِي فَتْرَةً طَوِيلَةً بِدَرَجةِ أنِّي أعَدْتُ تلكَ السَّنَةِ وَاجْتَزْتُها بِصُعُوبَة!! آآه أَخِي أَخِي أَخِي بَقِيتُ أَرُوحُ وَأَجِيءُ وَلَمْ يَبْقَى سُقْمٌ إِلَّا وَأَصَابَنِي!! وَمَاجَرَى بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ غَيْره.. أَمْضَيْتُ أَيَّامِيَ أَجُرُّ شَوْقِيَ بِكُلِّ خُطْوَةٍ.. لَمْ أَنسَكَ حَتَّى لَحْظَةً.. حَتَّى وَالِدَتِي لَمْ تَزَلْ تَذْكُرُكَ حَتَّى رَحَلَت.. - أُمِّي؟؟؟؟؟؟؟؟؟ - نَعَم عَزِيزِي.. رَحَلَت حينما كُنَّــا فِي الثَّامِنَةَ عَشَرَ مِنْ عُمُرِنَـا.. أي لَمْ يمْضِ عَلَيْها سِوَى سَبْعُ سِنِينَ عَلَى رَحِيلِكَ.. كَانَ ذَلِكَ صَعْبَاً.. لَكِنْ مَا مَضَى قَدْ مَضَى.. صَارَ أَخِي بَيْنَ يَدَيَّ يَبْكِي ويَجُرُّ نَحِيبَاً سَقِيمَاً.. غَيْرَ أنَّ نَحِيبَهُ لَمْ يَطُلَ فَقَدِ اسْتَرْجَعَ وَذَكَرَ الَلَه.... فَكَمَا يَقُولُ، كَانَ وَحْدَهُ كَأنَّهُ مَقْطُوعَ النَّسَبْ، وَاعْتَادَ غِيَابَ الأَهْلِ وَكَانَ الأَمْرُ سِيَّانَ لَدَيْهِ إن رَحَلٌوا أو بَقَوْا عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ...! أَخْبَرْتُهُ بِشَيْءٍ مِنْ تَفَاصِيلِ حَيَاتِي الَّتِي غَابَ عَنْهَا... كـ أنِّي قَد تَزوَّجْتُ حِينَما بَلَغْتُ الثَّانِيَةَ وَالعِشْرُون.. وَلِيَ الآنَ شِبْلٌ وَطِفْلةٌ صَغِيرَة؛ فَاسْتَبْشَرَ وَكَانَتْ تِلْكَ اللَّحْظَةُ الأُولَى الَّتِي أَرَى فِيهَا اِبْتِسَامَةً حَقِيقِيَّة مِنْهُ..! كُنَّا نَتَحَدَّثُ مَعَاً وَنَتَسَلَّى بِذِكْرِ مَاسْتَطَعْنَا اسْتِحْضَارهُ حَتَّى فَاجَأَنَا أحَدُ الضَوَارِي بالهُجُومِ قَصْفَاً بِـ عُنْفٍ مُعْتَمْ..! كَانَت ألفَاظُ الشَّتِيمةِ تُقذَف مِن فِيهِ عَلَيْنَا، وَبَيْنَ طَيّاتِ حديثِهِ المَشْؤُومِ سَمِعْتُ هَذَا: هُوَ أَخُوكَ إِذَاً، أَنْتُمَا تَآمَرْتُمَا عَلَيْنَا..؟ تَسْتَحِقُّونَ المَوْت.. المـَــــــــــوْت.. المـَــوْت.. قَالَهَا وَكَرَّرَهَا وَبِكُلِّ حَرْفٍ كَانَ يَرْكُلُنَا بِقَسْوةٍ ضَارِيَةٍ هُوَ وَأَصْحَــابِهِ.. اصْطَبَغَت مَلَابِسَنَا بِالدِّمَاءِ، وَتغيَّبَ أَخِي عَنْ نَاظِرِي..!! أَخِي؟؟ لَا.!! لَااااا..!! عـــُــدْ..! أيُّهَا المُجْرِمُون إِلَى أَيْنَ أَخَذتُمْ أخِي؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ عُودُوا بِهِ..!!!!!! عــُــــودُوا..!!!!! إِنْ كُنْتُم تَتَّصِفُونَ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّجَاعَةِ عُودُوا..!!!!!!!!!! وَهَكَذَا..!! بكُلِّ بساطَةٍ..!! وكَانَ هَذَا آخرَ العَهْدِ معَ أخِي..!! أخِي الَّذِي حُرِمتُ مِنْهُ بِطُفُولَتِي..!! غَادَرَنِي مُجَدَّدَاً..!! يَحْرِمُونِي مِنْهُ مَرّةً أُخْرَى...!! عُودُوا....!!!!!!!!!!! مَاهَذَا الحَال؟؟ يَاااااااااااارَبِّي..!!! لِمَاذَا؟؟؟ لِمَاذَا؟؟؟؟؟؟ أُووه لَا لَا.. الحمد لله على كل حال.. نعم، الحمد لله.. لَنْ أُعِيدَ المَاضِي بِاعْتِرَاضِي عَلَى قَضَاءِ الّلَه.! سَأكْتَفِي بِذِكْرِ اللهِ والدُّعَــاء...... {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُوْن} الحَمْدُ لِّلَه عَلَى كُلِّ حَالٍ.. الحَمْدُ لِّلَه.. أتعلمونَ مَا جَرَى عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ غَادَرُوا بِهِ..؟؟ الفصل السابع:
لَسْتُ أدْرِي أَيَّ أصْنَافِ التَّعْذِيبِ قَدْ مَارَسُوهَا عَلَيْهِ.. كًنْتُ أَسْمَعُ صَرَخَاتَهُ كُلَّ يَوْمٍ.. أتَسْتَطِيعُونَ تَخَيّلِ هَذَا؟؟ أتُدْرِكُونَ كَيْفَ أصْبَحَ حَالِي؟؟؟ لَا أًرِيدُ التَّحَدُّثَ عَنْ هَذَا أَكْثَر..... صَرَخْتُ بِهِمُ فِي اليَوْمِ الأَوَّل.. فَصَرَخُوا عَليَّ وَهُم يَضْحَكُون لَا تَخَف..! لَا تَخَف..!! سَيَحِينُ دَوْرُكَ عمَّا قَرِيب..!! كُلُّ هَذا وأخِي غَائِبٌ عَن نَاظِري..!! حِينَما انْتَهَوا مِن أمْرِ أخِي أَتُوا نَحْوي يَخُطُّونَ تَجَارِبَهُم عَلَى جَسَدِي النَّحِيلِ.. تَرَكُوا عَلَامَاتٍ كَثِيرًةٍ، هِيَ ذَا انْظُروا يَدِي وَانْظُرُوا إِلَى ظَهْرِي وَالكَثِيرُ لَكِنَّمَا لَا حَاجَةَ لِكَشْفهِ الآنَ فَالْجَرَائِدُ قَامَت بِعَرْضِ أكْثَر مِنَ الَّازِمِ حَتَّى..!! وَفِي اليَوْمِ الثَّانِي.. اليَوْمُ الثَّانِي كَانَ السَّبَبَ فِي هَذا الحَرقِ الوَاضِحِ المُمْتَدِّ مِنْ صَدْرِيَ حَتَّى بَطْنِي.. نَعَم، لَا تَسْتَغْرِبوا الأَمْرَ.. قَامُوا بِحَرْقِ جَسَدي بِالمِكْوَاةِ..!! أيُمْكِنُكُم تَصَوُّرَ مَا جَرَى؟؟؟ حَرَقُوا جَسَدِي ثُمَّ قَامَ أَحَدُهُمْ بِرَكْلِي فِي صَدْرِي لِيُهَشِّمَ لِي ضِلْعَانِ ثَقَبَ أحَدَهُما رِئَتِي اليُمْنَى، أخَذُونِي لِلْمَشْفى بَعْدَها لِأَرْقُدَ يَوْماً أوْ بِضْعُ يوْم..! أخَذُونِي بعْدَها مُجَدداً لِتِلكَ الحَفِيرةِ المَوْبُوءَةِ...!! وهَكَذَا كَانَتِ الحَكَايَا وَالأَحْدَاثُ كُلَّ يَوْمٍ.. السِينَارْيُو المُعْتَاد.. ضَرْبٌ.. نَزْفٌ.. مَشْفَى.. ضَرْبٌ.. نَزْفٌ.. مَشْفَى.. أَعْلَمُ مَا يَدُورُ فِي ذِهْنِكَ..! أخِي مَاذَا حَلَّ بِهِ؟؟ أَخِي... أَخِي... ربَّما رَحَل..!! أظنُّ أنَهُ رَحَل، فَقَد تَوَقَّفَ صَوْتُ صُرَاخِهِ وَهَدَأَ النَّحِيبُ مِنْ مَوْقِعِ جَسَدِه..! أخِي غادَرَ يَرْسُمُ عَلَى جَبِينِهِ عُنْوَانُ الشَّهَادةِ.. لَسْتُ مُتَشَائِمَاً، وَلَكِن هَذَا هُوَ المُتَوَقَّعُ حُدُوثَهُ مِن هَؤُلَاءِ المُجْرِمِين..! سَأعُودٌ لـِ شِبْلِي أٌخْبِرهُ أنَّ لَهُ عمٌّ قَدْ رَحَل شَهِيداً.. سَأَحْكِي حَكَايَاهُ لِلْأَطْفَالِ وَأَبْنَاءِ الجِيرَانِ.. وَرُبَّمَا يَوْمَاً مَا لــِ أَحْفَادِي..! آه يَا رَبِّي.. دَعُونِي أُكْمِلْ لَكُم بَقِيَّةَ الأحْدَاثِ.. وَصَلْنا حَدَّ تِكْرَارِ الحَلَقَةِ ذاتِهَا.. أتَى يَوْمٌ لَمْ أَكُنْ أَدْرِي مَا بِهِ..! كَانُوا قَد هَجَمُوا عَليّ هُجُومَ الأَسَدِ عَلَى فَرِيسَتهِ، كَانُوا أشْبَهَ بِالْوُحُوشِ بَلْ هُمُ الوُحُوشُ الضَّارِيَة، كَانُوا يَنْهشُونَ لَحْمِي وَيُبَعْثِرُونَهُ عَلَى وَجَعِي ويُغْرِقُونَ بِالزِّنْزَانَةِ دِمَائِي.. اللَّهُمَّ انْتَقِم مِنْهُم..! اللَّهُمَّ انْتَقِم مِنْهُم..! كَانَت هَذهِ عِبَارَاتِيَ الَّتِي كُنْتُ أُرَدِّدُهَا تِلْكَ اللَّحَظَاتِ.. تَوَقَّفُوا هُنَيْئَةً لِيُخَاطِبُوني بِـ سَفَهٍ: هَلِ اكْتَفَيْتَ يَا مُجْرِمْ! أَصْبَحْتُ أنَا المُجْرِمُ الَآن..!! نَهَضْتُ عَلَى قَدَمَيَّ مُتَرنِّحَاً.. كُنتُ أَنْظرُ إِلَيْهم بِـ نَظَرَاتٍ تَتَشَدَّقُ بِالْحُرِّيَّةِ: لَنْ وَلَنْ وَلَنْ تَكْسِرُوا أنْفَاسِي.. الحُرُّ لَا يَرْضَخُ إلَى أَمْثَالِكُم..! أخْرَجَ أحَدَهُم سِلَاحهُ فَرَدَعَهُ آخَر.. هِيه هَل تُرِيدُ أنْ تُوْقِعَنا فِي مُشْكِلة؟ الرَّئِيسُ قَالَ يُرِيدُهُ لِلْيَومِ الأَسْوَد..! اليَوْمِ الأَسْوَد؟؟؟ طَبْعَاً لَم أعِي مَايَعْنِي هذا المُجْرِم..! وَلا أَنْتُم كَمَا أعْتَقِد..! حَسناً حسَناً.. أنْزَل سِلَاحهُ ثم أتَى نَحْوي وَرَمَى بِي عَرْضَ الحَائِطِ ثمَّ خَرجُوا..!! كُل هَذا مِن أجْلكِ يَا قُدس!! حَتَّى تَعْلمي أنِّي: كُلِّي فِدَاكِ.. صِرْت أمْسَحُ الدِّمَاءَ عَن وَجْهِي فَقَد شجُّوا لِي رَأسِي، أترَوْنَ هَذا الجُرْحُ الغَائرْ؟؟ نَعَم هَذا هُو.. أثرُ الجُرحِ ذاتُه.. لمَ يمضِ الكثِير حَتَّى أحْضَروا لِي الطَّعَام.. كُنْت جَائعاً فَلَم آكُل مُنذُ أيَّام..! ألَنْ يدعُونِي أغْسِل يَدي؟؟ فقد عُفِّرَت بالتُّراب.. آه ومَا المُهِمُّ الآن..؟؟ لَا يُهِم.. لَا يُهِم.. أبْعَدْتُ اللَّحْمَ عنِّي وبَدَأت آكلُ الخُبْزَ علَى مَهْلٍ.. كَان هذا كل طعامي طيلةَ فترةِ اعتِقَالِــي.. خبزٌ ولَبَن، أوْ خُبْزٌ وَمَاء.. أَحْسَسْتُ بِشَيءٍ كَالْخَنْجَرِ فِي فَمِي!! آآآآآه بَصَقْتُ ما فيهِ لِأَرَى كُتْلة مِن الدِّماء تَنْضَخ وتَتفجَّرُ كَالْبُرْكانِ المُرْتَعِش..!
الفصل الثامن: حَالتِ الدِّماءُ بَيْنِي وبَيْنَ التَنَفُّسِ وصَارت تَخْنُقُنِي وتُعِيقُ مَجْرى الهَوَاء.. سَمَعت صَرَخَات أحَدَهم فَأَتى لِي أحَدُ الذِّئَابِ لِيَصْفَعنِي وَيَضْرِبني بِقوَّةٍ حَتَّى أُغْشِي عَليَّ..!! أفقتُ وَفِي فمي قطعٌ من القُطنِ وبِهَا بَعْض الدِّماءُ الجَّامِدةِ.. أخْرَجتُها وصِرتُ أبْصُقُ بقَايَا الدِّماءِ.. بقيتُ بعدَ ذَلكَ أيَّاماً دُونَ طَعامٍ.. وصَار جَسَدي أقْرَبُ لِأَعْوادِ القَصَبِ..! أتَى زَعِيمُهم يُلقي نظرةً عليَّ..! وَحِينَما رَآنِي سَمِعتُ صُرَاخهُ عَليهِم بِلغةٍ سَقِيمةٍ لَمْ أفْهَم مِنها حَتَّى كَلِمَة... كَانَت اللَّهْجَة كفِيلةً بِتَوْضِيحِ الحَدَث.. وَالحَدَثُ الرَّئِيسِيُّ الَّذِي جَرَى..، سَمِعتُ صَوتَ ضربٍ وصُراخ..! لابُدَّ أنَّهُ يُعَاقِبهُم..! آه تذكَّرتُ نعم.. سَمِعتهُم ذَلِكَ اليومِ يقُولُونَ أنَّ الرَّئِيسَ يَحْتَاجُنِي...! عَلَى كُلِّ حَالٍ، تَجَاهَلتُ مَا بَقِي مِنَ الأَمْر وَتَكفَّلتُ بِنَفسي.. مَضَى يَوْم.. يَوْمان.. رُبَّمَا أكْثَر، لسْتُ أدْرِي.. وَلكنَّهُم بعْدَ فَترَةٍ عَاودُوا حِكَايتهُم السَّابِقَة..: هّيَّا اعْتَرِف.. لَا أعْرِفُ شيْئَاً.. تَعْذِيب..!! بقِيتُ بعْدَها عَلَى هَذا الحَالِ فَتْرةً طَوِيلــــــــَــــةً، يأتُونَ فَيَضْرِبُوني ويَرْمُون غَضَبهٌم عَلَى جَسَدي، كَانُوا يضْطَرُّون لِأَخذِي لِتلكَ العِيَادةُ الوَضِيعَة بَيْن الحينِ والآخرِ وذلِكَ كَمَا تعْلَمُون؛ لِمُعالَجَةِ جُرُوحِي البَليغةُ وكُسُورِيَ العَدِيدةِ، كلَّ هَذا حتَّى يُوَاصِلونَ تَعْذِيبهُم لِي..!! إلَى مَتَى سَتَحْتَمِلُ الأَمْرَ يَا جَسَدِي؟؟ اللَّهُم إنِّي تَوَكَّلت عَلَيك.. كنْتُ طوَالَ تِلكَ المُدَّة أُصَبِّرُ نفْسِي أنَّـه يَوْماً مَا سـَـــأَخْرُجُ مِن هُنَا.. يَاااااااااارَبِّ قَد طَالَ مِنِّي الإِشْتِيَاقُ لِأَهْلِي وقَرْيَتِي الحَبِيبَةِ، شَوَارعَهَا الصَّغِيرةِ وَأَزِقتهَا الضَّيِّقَـة، أشْتَاقُ عَلِيلَ الرِّيَاحِ وصُرَاخُ الأَطْفَالِ وَلَعِبَهُم فِي الَأحْيَاءِ.. أشْتَاقُ ابنَتِي الصغيرةِ الَّتِي كُلَّمَـا فَتَحْتُ بَابَ المَنْزِلِ هَرْوَلَت نَحْوِي.. وَابْنِي سَنَدِي القَوِيِّ وَعِزِّيَ الشَّـامـخ.. أشْتَاقُ زَوْجَتي الحَنُونَة العَطُوفةِ.. آآآآهٍ كَم أفْتَقدُ الجَمِيــع.. الأَحْدَاثُ الَّتِي جَرَت عَليَّ لمْ تُنْسِني أحِبَّتِي.. كَنْتُ بَيْن زَوَايا ذَاكِرَتِي حَتَّى أقْحَمُوا أَحَدَهُم فِي زنْزَانَتِي الصَّغِيرةِ..! بَقَيْتُ بِحَالِي أُرَاقِب... قَدْ بَدَى كَأنَّ غَضَبَهم صُبَّ على جَسَدِه النَّحِيل!! ضُرِبَ حَتَّى غَدَتْ مَلَابِسَـهُ حَمْرَاءَ اللَّوْنِ قَانِيَةً..!! أتُعِيدُونَ حِكَايتي فِي هَذا أيْضاً؟؟ مَاذَا سَتفْعَلُونَ بِهِ؟؟ اتْرُكُوهُ..!! مِسْكِينٌ أنْتَ أيُّهَا الغَرِيب..!! كُسِّرت أصَابِعُهُ وأُحرِقَت بعضُ مفاصِلِهِ.. ثمُّ تُرِكَ عَلَى الأرْضِ مُسَجَّىً.. قَدْ تَتَسَاءَلُونَ أيْنَ أنَا مِن كُلِّ هَذا، ولِمَ لَمْ أقُمْ بإيقافهم..! كُنْتُ مُسْتلقٍ فَاقِد الإِحْسَاس بِجَسدِي عَدَى كَتِفَيَّ وَيَدَاي.. غَيْر أنَّ وَعْيِي كَانَ يَتَرَنَّحُ قُرْبَهم، لِهَذا مُذ خَرَجوا سَارَعْت بِالزَّحْفِ علَى الأَرْضِ اتِّجَاهَ هَذا الجَسَد.. وَيْلَكم يَا مُجْرِمِين.. وَيْلَكُم مِن عَذَابِ الّلَه.. كَانَ مُسجَّىً عَلَى الأَرْضِ بِلَا حَرَاكٍ وَلَا نَفَسٍ يُحَرِّك صَدْرُه.. ضَغَطْتُ بِرِفْقٍ عَلَى صَدْرِه عِدَّةَ مَرَّاتٍ فَلَم يَكُن بِحَالةٍ جيِّدَةٍ كَذَلك.. أحْسَسْتُ بِأَنْفَاسِهِ تَتَلاحَقُ فَاطمأنَّ قَلْبي لِذَلِك.. بَقِيتُ اللَّيلَ أُطَيِّبُ جِرَاحَهُ وَأُعَالجُ كُسُوره بِلفِّ بعْضِ العصِيِّ بهِم.. قُمْت بِمَسْح الدِّمَاءِ عَن وَجْهِهِ ثُمَّ اسْتَلْقيتُ بَعِيداً عَنْهُ حَتَّى أُرَاقِبَهُ جَيِّدَاً وبَدَأتُ بِقِرَاءَة بَعْضِ السُّوَرِ التِّي استَحْضَرْتُها عَلَى لِسَانِي.. آآه هُوَ (طِبُّ القُلُوبِ).. هَذِه فترةٌ كنتُ أُصَلِّي فِيهَا حَسْبَ تَقْدِيرَاتِي.. وكَانَ ذَلِك وَقْتُ صَلاة الفَجْر..!! الفَجْر؟؟؟ يَا رَبِّي!! مِن أيْنَ أتَوا بِهَذا الشابّ فِي مِثْلِ هَذَا الوَقْت؟؟؟؟؟؟؟؟؟
الفصل التاسع:
لمْ يَلْبث أنْ أفَاقَ حَتَّى أرَادَ النُّهُوضَ عَلَى قَدَمَيْهِ.. نَادَيْتُهُ يَا أنْتَ اجْلُس..!! لَا زَال جَسَدُكَ مُكْتَحِلاً بِعَيْنِ الكُسُور.. ابْقَى مَكَانَكَ حَتَّى لَا تَتَأذَّى أكْثَر..! حَاوَلَ الإبْتِعَاد عَنِّي ولَكِنِّي حَدَّثْتُهُ وأَخْبَرْتُهُ عَنِ الأَمْرِ.. قلتُ لهُ أنْ لاَ تَخَف فَحَالِي كَحَالكَ.. وفَعَلُوا بِي الكَثِير مِمَّا فَعَلُوه لَك.. انْظُر حَال جَسَدي لِتَطْمئنَّ أكْثَر...!! لَا تَخَف.. أنَا هُنا مُنذُ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ لَا أعْلَمُ تَحْدِيدَهَا.. فإنَّ اللَّيْلَ والنَّهَار تشَابَهَا عليَّ.. كَمَا تَرَى لَا شَمْسٌ تسْطَع هُنا، وَلا رِيحٌ تَشُمّهـَـا نَقِيـَّـةً!! أنا نِضَالٌ عَبْدُ اللهِ المُقَاوِمْ.. مَن تَكُونُ عَزِيزِي؟ شَخُصَ حِينَهَا بِعَيْنَيْهِ وَلاحَ بَرِيقُ عَيْنيهِ بِشَيْء مِنَ الدُّمُوعِ، غَدَى واضِحَاً بيْنَ الظُلَامَات.. أهِيَ مُفاجئةٌ أُخْرَى تَنْتَظِرني؟؟؟ تَحدَّثَ الغريبُ وقَال: اشتَــاق لكَ الجَمِيـــعُ يـَـا أبَا حَيْدَرَة..! اشْتَاقَ الجَمِيعُ لِصَوْتكَ الصَدَّاحُ المُتَردِّدِ فِي المَآذِن.. اشْتَاقَ لَكَ ابْنُك وَظَلّ يَتَنَقّلُ مِن اعْتِصَامٍ لآخَــــر، وَلَم يَتْركِ الهِتَافَاتِ حتَّى لَحْظَةً وَاحِدةً.. لَا تَراهُ صَامِتاً إلّا حِينِ قُربِ الأَذَانِ وَوَقتُ الصَّلاةِ كَذَلكَ حِينَ يَجْلسُ مَعَ وَالِدَتِهِ أَمَّا ابْنَتكَ الصَّغيرةُ فَتَظلُّ وَاقِفَـةً عَلى البَابِ بَعْد وَقْت الظَّهِيرةِ تَنْتَظِرُ عَوْدَتكَ وَكُلُّ مَنْ خَطَا بِالقُربِ مِنهـَـا أوقفَتْــهُ لتَسْأَل عَنْك وَعَن أَخْبَارِك.. أمَّا زَوْجتُك فَقَد اعْتَكَفَتِ الجُلُوسَ فِي المَنْزِل.. تَزُورُها النِّسَاء كُلَّ يومٍ للتَّرفِيهِ عنْهَـا.. أمَّا عَادِلٌ –أخ زوجَتك- فَهُوَ المُتَكفِّلُ بِشِرَاءِ حَاجِيَاتِ المَنْزِل.. - بِاللهِ عَليكَ مَن تَكُــــــون؟؟ - مَا الأمْرُ يَا عَزِيزِي؟؟ ألَم تَتَعرَّف عَليّ؟ - اعذُرْنِي فَأَنا لَا أَكَادُ أرَى بِسَبَبِ العُتْمَــةِ - أنَا صَادِقٌ ابنُ جَارِكَ سَلْمَان مَا أن عرفْتُ هُوِيَّتَهُ حَتَّـى قَبَّلْتَــهُ علَى جَبِينِــهِ ورَحَّبْتُ به، لَكِن لَيْس بَيْن قُضْبَان السِّجْن بَلْ بَيْن سَاحَاتِ نَفْسِي وَآَلامُهَا.. - كيْفَ حَالكَ صَغِيري؟؟ مَا هِي آخَر الأخْبَار؟؟ الأهَمُّ مِن ذَلِك كَيْف سَاقكَ الدَّهْرُ إِلَى هُنَا؟؟ - وَلِلَّهِ الحَمْد يَا عَمِّي أُحِسُّ بِأَنِّي أفضلَ من ذِي قَبْل.. إنَّ الأَهَالِي لَا زَالُوا يُقِيمُونَ الإِعتِصَامَات وَالإِحْتِجَاجَاتِ مُذْ أخَذُوك.. وَلَا زَالَتِ الإعْتِقَالَاتِ التَعَسُّفِيَّة بيْنَ الأَحْيَاء قَائمةً.. وَلَا زالَ الإِرْهَابُ يَتَنَقَّلُ بِعُنْفٍ بَيْنَنَا.. وظَهَر أَنَّ بَيْنَنا بَعْضُ السُّمُومِ المَدْسُوسَةِ.. أتَذْكُرُ ذَاكَ الحَاجُّ عَامِر؟ - نَعَم.. مَا بِهِ؟ الفصل العاشر:
- اتَّضَح لِي بِأنَّهُ جَاسُوسٌ لِهَؤُلَاء.. قُمْتُ بِتَحدِيثهِ اليَوْمَ المَاضِي عنْ غَضَبي واحْتِجَاجِي عَلى مَا يَفْعَلهُ الظَّالِمُون؛ فَفُوجِئْتُ اليَوْمَ فَجْراً بِاقْتِحَامِهِم بَيْتَنَا.. مَاذا يَعْني هَذا؟؟ أخبَرتُ والِدَتِي بِهَذا قَبْلَ أنْ يَجْري ما جَرَى.. قَامَ أحَدهُم بِضرْبِ أخْتِي وأُمِّي لإِخْرَاسِهِم فقَد كَانَتَا تَصْرُخَانِ عَليهِمْ لِيتَوَقفُوا وَلَكِن كَيْف لِقُلوبٍ مِن حَجَرٍ أنْ تَقْبَل قولَ النَّدَى؟؟ وَآخرونَ جَرُّوا أبِي لبَاحَةِ المَنْزلِ لِيَنْهَالوا عَلَيهِ بـِضَرْبٍ وَحْشيٍّ غيرَ إنْسَانِــيٍّ أبَداً..!! خَرَجْتُ لهُم غَاضِبَاً.. لِأُفَاجأ بهُجُومِهِم جمِيعَاً عَليَّ.. احْتَوَشُونِي مِن كُلِّ جَانِبٍ وَأَسْقَطُونِي عَلَى وَجْهِ التُّرَاب.. أخذُونِي بَعْدما حَالُوا دُوني وَدُونَ قَتْلهِم...!! بَعْد ذَلِك رَأَيْتَ مَا جَرَى.. لكنِّي أَقْوَى مِنْهُم.. أنَا أَقْوى مِنْهم وَمِن انْحِطَاطِ آثَارِهِمُ الغَائِرَة..! - حفَظَكَ اللهُ عزِيزِي.. أسْألكَ: كَم مضَى مِنَ الأَيّامِ مُنْذ اعْتِقَالِي؟ - سِتَّـةَ شُهُورٍ.. سِتَّة شُهُور؟؟؟؟؟؟؟؟ آآهٍ كمْ اشتقتُ لِتُرابِ وَطَني.. اشْتَقْتُ لِأُسْرَتِي وَعائِلتِي وكُلُّ أهْلِي وَجِيرَانِي وأحِبَّتِي.. آآآه يا قَلْبي لَكَ أنْ تَنْفَطِر بَلْ أنْ تَنْشَطِرْ.. مَضَتِ الأيَّامُ حتـَّـــى أصْبَحنا ثَلَاثةً فِي هذِهِ الغُرفَةِ المُعْتِمة، صِرْنا نُصبّر أنْفُسَنـا ونَتَسلَّــى بِذِكر بعْضِ الأحَاجِي القَدِيمَةِ وبَعْضُ القِصَصِ والحَوَادِثِ الَّتِي مَرَّت بِنَـا.. الثَّالِثُ كَانَ مَعَنـا بِرُوحِـهِ وضَحِكَاتـهِ فلَمْ يَكُن يَسْتَطيعُ الكَلَام.. مَرّت عِدَّة أيَّامٍ ومِنْ ثَمّ أتَى النِّدَاءُ بِإسْمِ "صَفْوَاْنٌ" وَهَكَذَا عَرفْنَا اسْمَـه.. وكأنَّهُ كَان يَعْلَم مَا سَيَجْرِي عَلَيهِ فَرَفضَ النُّهُوض، أتَى ذَلِكَ الضَّابِطُ وقَام بِجَرّه مِن مَلَابِسِهِ المُمَزَّقةِ وَنَادى فئةً منْهُم.. أخْرَجُوهُ مِنَ الزِّنزَانةِ وَأَقْفَلُوهَا حتَّى يَكُونَ ذلِكَ حَائِلاً بيْنَهُم وبَيْنَنَا..!! قَامُوا بِضَربهِ بِوحشيّةٍ حَيث بقيتُ معَ صَادق نَنظُر إليهِمُ بِاندِهَاشٍ واسْتِنكَارٍ شَدِيد.. نَهَضْنَا نَحْو البَابِ نركُلُهُ بكُلِّ قوّةٍ ونَصْرَخ فيهم.. تَوَقَّفُوا تَوَقَّفُوا..!! لسانُهُ مَقطُوع..!! كيْفَ سيُجِيبُكُم وهُوَ بِهَذِهِ الحَالَةِ..؟؟ اترُكُوهُ يَا حَمْقى!! يَا.... يَا.... فَصَرَخ أحدَهُم عَلَيْنا اصْمُتَا وإِلَّا حَان دَوْرَكُما.. خَشِيتُ عَلى صَادقٌ فطلبتُ منهُ التَّوَقف.. أصبَحَ الآنَ أمَانةً بَيْن يديَّ وعليَّ أن أنتبهَ إليهِ.. تَوَقفت حَمْحَمَاتُ صَفْوَان فَعَلِمنَا من ذلك نقطتان.... إمَّا رحَل وإمَّا رَحَلُوا بهِ... ولكِن دَعُونا لا نَكُونُ مُتَشَائِمِين..! رُبَّما أطْلَقُوهُ..!! أتتَذَكَرُون حِينَما أخبَرْتُكُم بِمَا جَرَى عَلى لِسَانهم؟؟ أعْنِي حِينَمَا سَمِعْتُهم يَقُولُونَ بِأنَّ الرَّئيسَ سَيَحْتاجُنِي لِلْأيامِ السَّوْدَاء؟؟ حسنَاً... أعتَقِدُ أنَّ هذهِ الأيَّامُ قدْ أتَتْ... وَمَاذا فَعَلُوا بِي؟؟ لَسْتُ أدري!!! آخرَ ما أتَذكَّرُهُ أنَّنِي كُنتُ أسِيرُ مُتَرنِّحاً وذهْنِي مُشَوَّشٌ بِشَكْلٍ غَرِيب..! آه مَالَّذِي يَجْري؟؟ مَاهذا؟؟ أوه سَيَّارَة؟؟؟؟ سقطتُ على الأرضِ لـِـ أُفَاجأ بِوُجُودِ جُثَّةٍ تحتَ قدمَيَّ........!!!!!!!!!!!! رَبـَّــــااااااااااااااااهُ..!!!!!!!!!!!!!!!!! الفصل الحادي عشر:
آه رَائِحَةٌ عَفِنَة..!! جُثَّة لَهَا بَعْضَ الأَيَّامِ، وَرُبَّمَا شُهُور..!! فالرَّائِحَةُ لمْ تكُنْ مَقْبولة أبَدَاً... أرَدْت أن أَنْظُرَ لـِ صَاحِبِهَا فسَقَطْتُ عليها.. نَهَضتُ فَزِعاً أنْشُد الرَّحيلَ والإبْتِعادِ عَن هَذا الشَّيْء..!! أرَدْتُ الهَرَبَ فَعَرْقلَتْنِي يَدَهُ المُتَشَحِّطَةِ بِالدِّمَـاء.. آه مَن أنتَ، وَمَن تَكُون؟؟ مَاذَا تُرِيد مِنِّي؟؟ كَأنكَ تُريدُ تَحْدِيثي..!! نَفَضْت رَأْسي بِعُنفٍ وَصِرتُ أضْحَكُ!! هَل أصَابَنِي خَرَفٌ حِينَها؟؟ لسْتُ أدْرِي..!! لَسْت أدْرِي..!! قَلَبْتُ تِلكَ الجُثّة، وصِرتُ أتَفَحَّصُ وَجْهَهُ..! مَا أن رَأَيتهُ حَتَّى صِرْتُ أنتفِضُ بِعُنْفٍ..!!!!!! أخي....؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ إنَّهُ.... إنَّهُ أخي!!!!!!!!!!! نَادَيتهُ... حَرَّكْتُهُ لَكِن... لَا جَواب، لَا جَوَاااب!!! أخذتُ أسيرُ بِلا هوادةٍ هُنَا وهُنَاكَ أُنَادِي بِأَحَدِهِمْ.. لكن.. لا جَوَاب.. لَا جَوَاااب..!! صِرتُ أصرخُ باكِيَــاً كالمَفْجُوعِ المذهُولِ: أخِي أخِي مَن فَعَل بِكَ هَكَذا؟؟؟ أخِي مَن أفْجَع قَلْبِي بِك؟؟ لقيتُكَ لِتَرْحَل عَنِّي؟ قَضَاءُ الله قضااءُ الله قضاااءُ الله.. إنَّا لله وإنَّا إليهِ رَاجِعُون.. أخَاهُ حَدِّثْني..!! مَاذَا جَرَى عَلَيكَ..؟؟ قَتَلُوك؟؟؟ أخْبِرْنِي مَن فَعَل بكَ هكذا؟؟؟؟ فجْأةً ودُونَ سابِقِ نِدَاء....: احْتَوشتني الدَّوْرياتُ من كلِّ جانبٍ..!! مَا هذا؟؟؟ ماذا يجري؟؟؟؟ قبضُوا عليَّ: أنتَ مُتهمٌ بـِ قتلِ مُحَمّد عبدُ الله المُقَاوم..! ماذا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ أيها المجرمون!!!!!!!!!!! أخي؟؟؟؟؟؟ كيف لي أن أقتله؟؟؟؟؟؟ كيف لي؟؟؟ كيف لـي أن أقتلــــــَـــــــه؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ إنهُ أنتم من فعلتم به هكذا!!!!!!!!! قتلتموه ثم نصبتم التهمـة لي!!!!!!!!!!!!!! ضربني أحدهم ضربة على رأسي لتفقدني وعيي.. جسدي نحيل ما عاد يقوى على تحمل صدماتٍ عنيفة أكثر من ذلك!! أفقت لأجد نفسي في السجن مرة أخرى!! كان معي صادق وجدته يعاين جسدي ويبكي!! جلستُ والمرارَةُ تَنْهَشني... سألتهُ: ما بكَ يا ولدي؟ فأجابني مخنوق العبرةِ: ماذا فَعَلُوا بك؟؟ آه.. عزيزي؟؟ أسَمِعْت حكاية أخي مُحَمَّد؟؟ - نعم سمعتها من والدِي - أو تعلم كم من السنين مضت على ذلك؟ - الكثير..!! حينما كنتَ صغيراً..! - نعم عزيزي، ولكن هل سمعتَ عنه خبراً إلى هذا اليوم؟ - كلا..!! لكن لماذا تسألُ هذه الأسإلة..؟؟ - عزيزي قبل أن يأتوا بكَ كان معي!! - ماذا تقول؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ هُنَــا!!!!!!! - نعم كان هنا وما أن سمعونا نتحدث وعلِمُوا بأنَّه أخِي أخذُوه.. و... ثُمَّ قتلوه..
الجزء الثاني عشر: هنا تقاطرت دُموعهُ وعلا نحيبه..: - ماذا؟؟؟؟؟؟؟ لكن لماذا؟؟؟؟؟؟؟ آآآآه ماهذا الظلم؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ - يـــارب.. تمالك نفسك ولا تفعل هكذا.. يكفيني تفتت مهجتي.. لستُ أدري ماذا حدث بعدها.. أخذوني من هنا.. أتذكر هذا؟؟ - نعم.. نعم.. رأيتهم.. ضربوكَ وأخذوا شيئاً من دمائك ثم حقنوا شيئاً ما في ذراعكَ.. - آه هكذا إذاً.. أتدري..!! كنتُ أحسُّ بوجود شيء غريب في جسدي.. المهم أني كنت أسير في طريقٍ ما..!! ظننت أني ألمسُ الحرية، وبهذا صِرتُ كـَ ثملٍ من أثَرِ السَّعَادة..! لكن أثْنَاء مسِيري تعرقلت بـ.. بــ.. آآآآه.. بــِ جثة أخي!! ولم يمض الكثير حتى احتوشوني من كل جانب وأعادوني إلى هنا..!! هناك أمرٌ قادم.. ليس بـ سهلٍ أبداً.. أحسُّ بهذا.. - تفائل بالخير يا عم.. دع الأمل نصب عينيك - وأين الأمل بهذا؟؟؟؟؟؟؟ أخي قالها...، سنتعفن هنا ولن يخرجونا أبداً.. وأخي قُتِل..!! والآن.. سيكون مصيرهُ مَصِيري.. وحثِيثُهُ حَثِيثِي..! وَأَنتَ بُنَي... عليكَ بالإبتعاد.. جِد لكَ منفذاً.. فأنتَ لا تَزَالُ صَغِيراً عزيزي.. انتبِه أن لا تقع ضحية السجنِ كـَــ... آآه.. كــَ أخي.. صَار حبيساً منذ كان أصغرُ منك.. حتى أذِنَ الله لروحهِ أنْ تُحلق بعيداً عن ظلمهم.. نحوَ جِنَانهِ إنْ شَاء الله.. - أي عَمْ؟؟؟؟؟؟ ماهَكَذا الظنُّ بـ روحك!!!! - اعذرني بُنَيَّ فقد كَان أخِي بيْنَ ذِراعيَّ بِلا رُوح!!!! وكَأَنَّ رُوحَهُ صَارَت بين جَنْبَيَّ..! - تحلَّ بشيء من الأَمَل.. أرْجُوكَ عَمِّي..! صَمَتُّ في هذه اللحظةِ ولَمْ أَتَحَدَّثْ؛ فسادَ السكون.. ولم يقطع حَبْلهُ سِوَى طَقْطَقَةُ المَفَاتِيحِ بينَ ضلوعِ البَاب..! أنَحْكُمُ بِبِدَايةِ المَكِيدَة؟؟ أَتَى أَحدَهُم يَضْحَكُ عَلَى حَالِي وَقَالَ: هِيهْ.. أنْتَ تَعَالَ مَعَنَا.. اليَوْمُ مُثُولُكَ أَمَامَ المَحْكَمَةِ..! نعَم...؟؟ تحدَّثْتُ والصَّوْتُ بِأَوْتَارِيَ غَائِمٌ: مَاذَا قُلْتَ؟؟؟ لِمَاذا؟؟؟؟؟؟؟؟ مَاذَا فَعَلْتُ أنَا...؟؟؟ تَعَالَت ضَحكَاتُهُ ثُمَّ قَالَ: جَرِيمَتُكَ القَتْلُ بِالدَّرَجَةِ الأُولَى.. هُنَا وقَفْتُ على رِجْلِي وَأنْفَاسِي تُحَارِبُهُ كَـرِيحٍ صَاخِبَةٍ تَكَادُ تنْزَعُ الأشْجَار منْ أوْكَارِهـَــا..! فجَابهَنِي رَافِعَاً رَأسَهُ لَا تُحَاوِل رَفْضَ هَذَا فَقَدْ وَجَدْنَاكَ مُتَلَبِّسَاً ثَوْبَ الجَرِيمَة... كُنْتَ تَسِيُر ثَمِلاً وبِثَوْبكَ حِجَارَةٌ مُلَطَّخَةٌ بِدِمَاءِ أخِيكَ وقَد نَشَب بَيْنكُما عِراكٌ فضَرَبكَ وتلطَّخَ هُوَ مِن دِمَاك.. وَلَدَيْنا الدَّلِيل.. الصُّوَرُ تَحْكِي الحَقِيقَة يَا مُجْرِم... مَاذا يقُولُ هَذا؟؟؟ صَارَ يَضْحكُ بِصَوْتٍ مُمْتلئٍ بِـ السَّفاهَةِ وَالحُمْقِ والتَّعَالِي..!! كُنْتُ لِأضْرِبهُ لَو لَا أنَّ مَجْمُوعَةً اقْتَحَمَت البَابَ لِتُمسِكنِي مِن كُلِّ جَانِبٍ وَتَعْقُدَ يَدَايَ خَلْفَ ظَهْرِي، سَحَبُونِي بعْدَهَــا نَحْو عَرَبَةٍ لَا يُرَى أيَّ شَيْءٍ دَاخلَهَا.. أدْخَلُونِي وغَطُّوا رَأسِي حَتَّى لَا أتَعَرَّفَ عَلَى المَعَـالِم..!!! صِرتُ أُحَاوِلُ اسْتِراقَ السَّمعِ لِلْخَارجِ، لكِن بَائَت مُحَاوَلاتِي بِالفَشَل..! مَاهَذِه المُصَفَّحَـة..؟! مَضَت فَتْرة حَتَّى تَوَقَّفْنَا وَأَنْزَلُوني لِيَجْعَلُونِي فِي غُرْفةٍ أشْبَهُ بِالسِّجْنِ..! بِهَا طَاوِلةٌ صَغِيرةٌ وكُرسِيَّانِ يُتَوِّجَانِها..! آه لابُدّ أنَّ هُناكَ مُحامٍ سَيَأتي بَعْد قَلِيل.. لابُدَّ من ذلِك.. هَكذا تَجْري الأمُورُ هُنَـــا، أليسَ كَذلِك؟؟
الفصل الثالث عشر: المُهِم أنِّي تَرَقَّبْتُ وتَرَقَّبْتُ وتَرَقَّبْت.. حتَّى جَاء رَجُلٌ غَرِيب علَيْهِ سِيمَاءُ الـصَّالِحِين! اسْتَبْشَرتُ بِهَذا كَثيـراً.. بِإذْنِ اللهِ سأكُونُ بِخَير.. أخَذَ يُحَدّثُني ولكِن بِاقْتِضَاب دُونَ تَبَسُّم.. جعلني هَذا أرتَبِك لِـ لَحظَاتٍ لكِنْ تَمَالكْتُ نفْسِي وَتَجَاسرتُ وَصِرتُ أحَدِّثُه بِمَا جَرَى وبِكُل ما أذْكُرهُ تَفْصِيلاً.. اكْتفَى المُحامِي بِهَذا وحَرَّكَ رَأْسَهُ اعْتِبَاطَاً.. الجَلْسَة الأُولَى مَوعِدها الآَن..!! دَخَلنا قَاعَة المَحْكَمة، لـِ يَبْدَأَ المُجْرمُون بالحَديـث أيْ أنَّهُم هُمُ الشُّهُود..!! أتَى المُحَامي المُوَكل بـِ مَقتَلِ أخِي...! آه لابُدَّ أنَّ أَهْلَ الوَطَن عَلَى علمٍ بـِما يَجْري..!!! مُؤَكّد أحَدهُم هُنَـا..! لابدّ مِن ذَلِك..!! آه رَأيْتُ ذَلِكَ الَّذي أخْبَرنِي عنْهُ صَادِقٌ ابْنُ جَاري، مُؤَكد لَازَالَ بِذَاكِرَتكُم...!! ذَلِكَ المجْرِمُ المَدْسُوس بيْنَ صُفُوفنا.. لابُدّ أنْ أُحَذّرَ جمِيعَ مَن فِي القَرْيةِ عَنْهُ.. (يَاعَالم: الحَاجُّ عَامِرٌ "جَاسُوسٌ" مَدْسُوس) ولَكِن أيْنَ أبْنَاء القَرْية...؟؟ لَا أحَد مَوْجُود..!! حقَّقْتُ النَظَر.. وإِذَا بِهــَا زوْجَتِي جَالِسَة وبَيْن ذِرَاعَيْها طِفْلتِي الصَّغِيرة مُتَشَبِّثة بِها بِفَزَعٍ ودُمُوعُها تتَسَاقطُ عَلى وجْنَتَيها بِصُورةٍ كَسَرَت قَلْبِـــي.. أرَدْتُ أنْ أُنَاديِها.. لَكنّهُم حَالُوا بيْنِي، وأعْطَوْني تَهْدِيداً صَرِيحاً واضِحَاً بِإِيذَائِهِم..!! مَاهَذَا..!! لوَّحْتُ لِزَوْجتي منْ بَعِيد المَدَى فلمَحْتُ اغْروْرَاقَ عيْنِها وعيْنُ طِفْلتي الصَّغيرَة.. وهَذا أمرٌ لا طَاقةَ لِي علَى احْتِمالهِ.. أشَرتُ لَها بِأَن تمْسَحَ ما تسَاقطَ كالسَّيلِ وتلزمَ الصَّبر، غَيْرَ أنِّي لا أعتقدُ بأنَّها رَأتْنِي ولا حَتَّى دَقَّقَتِ النَّظَرَ لِتَبحثَ عَنِّي..!!! أطْلَقتُ آهةً حبيسةً ثمَّ جلَسْت حيثُ يفْتَرضُ بِي أنْ أجْلُس، أتَى أحَدهُم وأعْرَبَ عن قُدومِ شخْصٍ، وَمَا فَهِمتهُ أنَّهُ رجلٌ ذَا هَيْبــَـةٍ ومَقامٍ مرمُوق..!! طَبْعاً هُوَ نَادى بِهَذا لِيَقِف الجَمِيع..!! غيْرَ أنِّي آثَرْتُ الجُلُوس؛ فَبِما أنَّني بيْنَ ظُلَّامٍ لا أتوقعُ أنَّ أيَّ شخصٍ منهم يسْتَحِقُّ الإحترام..!! وَكَزني المُحَامِي حتَّى أقِف، انصَعْتُ لِطَلبهِ وأنَا غيْرُ راغبٍ أبَدَاً بِذَلك، وقَفْتُ لاحْتِرامِي إليهِ.. فَهُو الَّذِي سيُسَاهم بِإيضاحِ قضيّتي وإعْلَانِ بَرَاءتِي....!! علِمتُ بعدَ أن رأيتهُ أنَّهُ القَاضِي.. شكْلهُ ينذرُ بـِ حكَايَا مجْهُولةِ القَدَر..!! حقّاً كَانَ ذلِكَ مُرْبكاً.. مَاذا سَيَجرِي الآن....؟؟؟ لا بَأسَ.. سَأكُون بِخَيرٍ طَالمَا المُحَامي الصَّالح بِـصَفِّي..! مَضَت اللَّحَظاتُ الأُولَى وَأنا مُزْدَرِئٌ مِن نَفْسي وأبتَلِعُ أنْفَاسِي بِصُعوبةٍ بَالِغة حتَّى ظَنَنْتُ أنَّ جَمِيعَ مَن بِـ القَاعةِ يَسْمعُ شَهِيقي وزَفِيرِي.. أمَّا دَقّاتُ قلبِي فكَانَت كَمَا سَاعة عملاقة تَهُزُّ بكلِّ تحرّكٍ الجبالَ العَتِيدة.. آآه مَتَى يَمْضِي الوقت!!! بدَأَ المُحَامِي المُوَكَّل بِقَتْل أخِي..! لكِنْ، مَهْلاً..! من وكَّلَهُ؟؟؟ هُمْ لا رَيْب!! فأبِي وأمِّي قدْ تُوفيّا... فمَنْ سيَرْفع القضِيّة غيرَهُم..!! وَمَن يَسْتطِيع التَجَاسُر علَيَّ بِتُهمةٍ بَاطِلَة لا أسَاسَ لهَا ولَا مِقْدَارَ غَيْرهُم هُمْ أَيْضَاً..! أتسَائلُ مَا رأْيُ زوْجَتي بِما سَمِعَت..؟؟ هَل صدَّقَت؟؟؟؟ هل يعلمُ أهلُ القرْيَة؟؟ لكن السؤال الأول الذي طرحَ نفسهُ كالأسدِ المقدَام: كيْفَ عَلِمَت هِيَ؟؟؟؟؟؟ آآه.. أخْشَى أنَّهم قَامُوا بتَحْريضِها عليَّ.. وجَّهتُ نظرِي نحوَهَا مرةً أخرى لأراها تنْظُر إليَّ ومِن ثمَّ تشيحُ النَّظَرَ عنِّي..!! لِمَاذا؟؟؟ لاااا، يا أمَّ حَيْدَرَة..؟؟؟؟؟ الفصل الرابع عشر: صرَخَ قلْبِي وهُوَ يتلوَّى ألماً وفَزَعاً وجَزَعـاً... وتندَّت آهَةٌ مريرةٌ تَقْلُبُ صفحَةَ وَجْهِي إِلَى تَجَاعِيدَ أَظْهَرَتْ عَجْزي واسْتِسْلَامِي لِمَا سَيَجْري.. حَتَّى أُمَّ أبنائي صَارت تنظرُ إليَّ نظَرَات اسْتِهْجانٍ واسْتِنْكار؟؟؟ أصْبَحتُ في عيْنِها كـَـ المُجْرمين!!!! ومَاذا فَعلتُ حَتى تُقْذَفُ عَليَّ الإتِّهَاماتُ البَاطِلة؟؟ مَاذا فعلتُ حتى تُشِيرُ إليَّ أصابعُ الإتِّهَام بعنوانِ (المُجْرِم)!!!... لكن، مهلاً.. توقفوا..!! توقفوا....... لم أفعل شيئاً يستحق المعاقبة..!!!! لستُ مجرماً أبداً يا ظُلَّام..!!! لستُ مجرمَاً..!!! عليَّ أن أهبَّ لـِ نَجْدَةِ سِنِينِي كَيْ لا تَضِيعَ بَيْنَ قُضْبَانِ السِّجْنِ بلا سَبَبٍ.. زَمْجَرْتُ بِمَلامِحِي مَرَّةً أُخْرى وَعَادَتِ الأنْفَاسُ والخَلَايا الحسِّيَّــة بالعملِ عَلَى قَسَماتِ وجهي مُثَابرةً نحوَ الأمَل... بدأت القضيّة وبدأَ محامي أخي بتوجيهِ أصابعَ الإتهامِ نحْوِي..! آه أخي..!! من ذا يُصَدق؟؟؟ اختفيتَ بسُجُونهم... ثمَّ زجُّوا بِي معَكَ.. وأخِيراً.. اتَّهموني بِقَتلك..!! تخلَّصْتَ يَا أخي من جَوْرِهم.. وبقِيَ أخَاكَ يُكابدُ مَكَائدهُم ومَكْرهم..!! أخِي انهَضْ من قبْرِكَ واصرخْ بهِمُ وافضَحَ المُجْرم الذي تسبَّبَ بِقَتلك.. انْهَض أخِي انْهَضْ.... لكِن مَا الجَدْوى الآنَ من صُراخي؟؟؟ أخي الآنَ تحتضنُهُ ألسنُ التُّرَاب، قَد صُمَّت آذانُهُ عنِّي، ولَمْ يعُد يسْمَعنــــِـــــــــــــي..!! آآه اللهُم إنِّي توكَّلْتُ عليك.. صارَ المحامي يلكزني.. هيّا قِفْ واذهَب نحْوَ تِلكَ النَّاصِية، واجْلُس علَى ذاكَ الكُرسِي.. أردتُ سؤالهُ عنِ السببِ فأنا أجهلُ أمرَ المَحَاكم؛ لأنَّها الزِّيارةُ الأُولَى لي؛ لكنَّهُ صدَّني وعجَّلَنِي بِالقِيام.. نهَضْتُ وأنَا أسترجعُ بنفسي وأذكرُ الله لتَسْكن نفسي.. فيشهَدُ الله كم كنتُ مضْطَرِباً ذلِك الحِين.. أنَا على وشكِ أن أتهمَ بقَتْل أخِي...! أخِي..!! هل تَفْهَمُون؟؟؟ نعَم مُؤكَّد.. لكِن اعذُرُوني.. فقدِ اسْتَحْوَذّ الإنْفِعالُ عليَّ، وأقْلَقني برودُ المحامي الموكَّلُ بالدِّفَــــاعِ عنِّـــــــــــي..!! جلستُ حيثُ طُلِبَ منِّي.. وقامَ مُحامي أخِي بتوجيهِ أسئلةٍ عديدةٍ نحوِي... كـَ: أينَ كنتُ.. ولماذا وجدوني قربَ الجثَّةِ، ولماذا بصماتي كانت على سلاحِ الجريمة.. ودِمَائي مُتَناثرة على جسدِ أخِي...!!!!!!! نعَم؟؟؟؟ اضْطَربتُ كثِيراً، وصِارَ حَالِي كَـحالِ ورقةِ الخَرِيفِ في لَحظَاتِها الأَخِيرة، ترتَعِشُ قبلَ السقوطِ بشدَّةٍ وهِي تكافحُ للبقاءِ بغصنِ الشَّجَرةِ والتي بِدَورِها ترْفُضُ أن تقومَ بِحَمْلِها..!! مَاهذا الحَال؟؟؟؟ بهُتَتْ جميعُ أجُوبَتي.. لستُ أدْرِي مَا أقُول..!!! كيفَ أحُول دُون إقْصَائي؟؟؟ كيْفَ أوْقِفُ هذهِ المَهْزلة؟؟؟؟ الدلائلُ كلها تشير عليَّ..!! بدأتُ الإسْتِنكار وإِظْهارَ الرَّفضِ لـكلّ مَا يجْرِي... حتى صَارت مَلَامحي تصْرُخُ لِأجلِ الحُريَّةِ، تُنَادي بالصِّدْقِ والأمانة...؟ أينَ صِدْقكم يَا أصْحَاب الشَّهامة؟؟؟؟ ههه أيّ صِدقٍ أطلبهُ من هؤلاء..!! أيعقل أن يكونَ للمجرمِين ضمِيرٌ حتَّى أتعاملَ معهُ وأطلبُ منهُ أموراً تخصُّ الأحْيَاااااء..؟؟؟ بدأَ جَسَدي يرتعشُ كعُصْفُورٍ ينفضُ البللَ عن جسدِهِ النَّحِيل، أرَدْتُ النُّهوض فقد بَدأت قوَّايَ تظهَرُ بعُنْفٍ تريدُ سردَ الحَقِيقةِ وسرجَ لجامِ الوقَائع وكَبْحَ لسانِ الكذِبْ... لكن هَيْهات..!! من سيُصَدِّقني؟؟؟؟؟ لاحَظَ القاضي استنفاري واستِنْكاري فَـ طلبَ مِني تلاوةَ القَسَمِ حتَّى أبدأُ بسردِ الأحْدَاث الّتي جَرَت.. وأخيراً..! متنفَّسٌ عادِل.. سيسْمَع القَاضِي براءَتي بِلِساني.. سَيحْكم بالعَدْل.. هذا دَيْدَنُ القُضَاة الصَّالحِين.. بدأتُ أحكي عن بدايةِ ترنّحِي فِي الشَّارعِ وذاكَ لِسببٍ أجْهَلهُ.. وَلاحظتُ بعد فترةٍ وجودَ علاماتٍ وأمَّاراتٍ تُشِيرُ إلى أنَّ أحدهم حقَنَ بِوَريدي شَيْئاً مَا جَعَلني عَلى هذهِ الحَالةِ.. وتمَّ نصْبُ الجريمةِ عليَّ وهَكذا... طلبَ مني أن أرفعَ كُمِّــي لـيرى آثارَ ما جرى حتى يكونَ مصداقاً على أقوالي.. فرفعتهُ وكَان كما قلتُ..
الفصل الخامس عشر: لمْ يُعلِّق القَاضي على هذا، وطلبَ من مُحامِيَّ أن يسردَ ما لدَيهِ، لكنَّهُ اكتفى بتأييدِ ما قلتُ وقامَ بتكريرِهِ كـ شريطٍ مُهترئ..! هنا لم يقم بتأييدِ بَرَاءتِي، بَل تحدَّثَ بحديثٍ بهِ شيءٌ من الإتِّهَام..!! بلِ الكثيرُ الكثيرُ مِنْهُ.....!!!!! فتَحْتُ عَينِي بِـأقْصَى مَا يمكنها وفغرتُ فَاهي من الدَّهْشـــة..!!!! أليْسَ هُو المُحامِي الذِّي يتَكفَّلُ بِي؟؟؟؟؟ ألا يُفْترضُ بهِ أن يُسَاهِمَ بِإعْلَانِ بَرَاءَتِي؟؟؟ وجَّهْتُ نظرَةَ استِنْقَاذٍ إلى زَوْجتي ولكِنِّي رأيْتُها تُجْهشُ بِالبُكَــاءِ لكِن بِصَمتٍ..!!!! توقَّفِي... توقَّفِـــي!!!!!!!!!! لستُ مجرماً.. حتَّى أنتِ؟؟؟ لا تدعي المكيدة تنطلي عليكِ.!! أرجوكِ..!!!! قد خدعَنِي مَظْهرُ هذا المُحَامي.... أظْهَرَ لِي تقْوَاهُ ومَلَامحهُ التي كانَت تنضخُ بالإيمَانِ...!! كَيْف...؟؟؟؟ كيْفَ لهُ أن يفعَلَ هَذا بِي؟؟؟؟ ماذا فَعَلتُ له؟؟؟؟؟ كيفَ لِمُؤمنٍ أن يفعل بي هذا؟؟؟؟ ههههههه....!!! آآآآآه ياربي نسِيتُ أمْرَاً مهمَّــاً..!! أصبحتِ الذِّئابُ هَذهِ الأيَّامُ تَتَنَكّرُ بـِمَلامِحِ الصَّلَاحِ....!!! كيْفَ لِي أن أنْسَى؟؟؟؟ لسْتُ أنا المُجْرِم..!! يا عَالَم... همُ المُجرِمُون.. صَدِّقُوني..!!!!! مالَّذِي يَجْري؟؟؟؟ صارَ الكونُ كَالغَمَامَةِ المُعْتِمَةُ المَلَامح بِوَجْهِيَ الصَّارخُ بِالعَدالة....!!! صَارَت تُحِيطني هَالةٌ مِن اضطِرابٍ، مِن غمٍّ..، مِن كُلِّ مَا هوُ مُؤْلِم...!!! لَمْ أعُدْ أسْمَعُ ما يُقَالُ وما يَقولُ هَذا ولَا ذاكَ، صِرتُ أنْظُرُ إلَى مُحَامي أخِي وهُوَ يأخُذُ رزْمَةَ أوْرَاقٍ ويضَعُها عَلَى طَاولةِ القَاضِي..! لَمْ يَمْضِ الكَثِيرُ حتَّى اسْتَحثَّنِي الجُنُودُ على النُّهوضِ، على أملِ العَوْدةِ بعدَ فترةِ ساعةٍ لسَمَاعِ الحُكْم...!!!! مهْلاً.. هَلْ لِي بأن أحدِّثَ زوجَتِي؟؟؟ أرجُوكُم.. دعوني أستَطِب مَعَها حدِيثاً.. أرجُوكُم.. لَعلَّهُ يكون آخرَ الحَدِيثِ بينَنَـــــا؛ فقَد أُزَجُّ بـِقَبري آخِرَ المَوْضُوع..! أرْجُوكُم؟؟؟؟؟؟؟؟ طلَبْتُ مِنْهم بِرَجاءٍ أن يُحْضِرُوها لِي.. هَذهِ السَّاعة فقَطْ.. سَاعَة لا أكْثَر وَلَا أقَلْ..!!! تمَّ تلْبِية طَلبي بَعْد عنَاءٍ اسْتَحْوذَ على أنْفَاسِي وقَطَعَها عَنِّي......!!!! تَرَكُوني مُقيَّداً في تلكَ الغرفةِ (التي اعتدتُ أن أجلسَ بها مع المحامي)، وهل يُعقَلُ أن أهْرُبَ حتَّى أبْقَى مُقيَّدَاً....؟؟ ترَكُوني وحْدِي ثمَّ دقائقُ ودَخَلت، زَوْجتي وكانت عَلَى ذراعَيْهَــا طِفْلتي متشبِّثَةٌ بِهَــا.. ما أن رَأَتْنِي حتَّى صَرَخَت باكِيَةً وقَفزت من بينِ ذِرَاعَيْ أمّها لتتشبَّثَ بِي.. أَبِي .. أَبِي .. أَبِي بنوحٍ وعَوْلَةٍ صَارت تُنَاديني.. آآآآآآآآه أرَدْتُ احْتِضَانَها فتحركَ صوْتُ السَّلاسل مُحْدثاً ضَجِيجاً أفْزَعَها، فحَشَرَتْ نفْسَها بيْنَ ثنَايا أذْرعِي تطْلُبُ الأمَان..!! الحَنَان..!!! بقِيتُ مدْهُوشاً حتَّى نسِيتُ نفْسِي ومَنْ مَعِي.. دقائقُ ثم أحسَسْتُ بقَرْصَةٍ في أوْرِدتي ينْقُلها قلْبِي لعَقْلي حتَّى يُوْقِظنِي من غشْوَتِي هذِهِ.....!!! نظَرْتُ حَوْلي فَرأيتُ زوْجَتي عنْد البَابِ واقِفَةً حانِيَةَ الرَّأْسِ لمْ تَتَقدَّم خطْوةً ولَمْ تؤخر أُخْرى.. نادَيْتها... فصَدَّتْني بنظرةٍ ملؤها ألمٌ وحزنٌ وافتقاد ووو... لستُ أدْرِي كيْفَ أشْرحُ الأمْر لَكُم... فقد كانت نظراتُها متقلبةٌ بينِ أنينٍ وحَنِين.... تقَدَّمَت وَجَلَسَت عَلى الكرسيّ المُواجِهِ لِي، أطَالتِ النظرَ إليَّ ثمَّ أطلَقَت آهَةٌ مَكْبُوتة تنْطقُ لوْعَةً مثْكُولة ثمَّ أخْفَت وَجْهَها بِصَفْحةِ يَدَيْهَــــا، وكَأنَّها تريدُ إخْفَاء مَلَامحَهَا حتَّى لا أسْتنتجَ ما يجْرِي...!! عزِيزَتي؟؟ كَان ذاكَ اللِّقاءُ غَرِيباً.. كُنَّا جَمِيعاً مُصَابينَ بِذُهولٍ شديدٍ مُرِيع.. لَم نَكُنْ بِطَبِيعَتِنا ولَم نُدْرِك الأُمُور جيّداً.. نَطَقَ لِسَانها أخِيراً.. تَسْألني.. تَطْلبُ منِّي شرْحَ مَا جَرَى.. تَحرَّكَ لِسَاني نَاطِقاً بِالأحْداثِ خِلالَ فتْرَةٍ لَا تزِيدُ عنِ العشرِ دقائِقَ.. أخبَرْتُهَا بِكلِّ ما جَرى لكِن ابتعَدتُ قدْرَ المُسْتطاعِ عن شرْحِ أنْواعِ العَذَابات الَّتِي لقِيتُها هُنَاك.. ومَا أنِ انتهيتُ حتَّى نَهَضَت وألقَت بِنَفسها عَلى رِجليَّ معَ طِفلتي وصارت الإثنتان تجرَّانِ النَّحِيبَ والدُّمُوع، وعَلَا الصُّراخُ منْهُما واسْتُكْثِرتِ العِبَاراتُ الصَّارخة النَّاطقة بالإِفتِقَاد والإِشْتياق واللَّوعَةِ وَالحَسَرَات.. كَانَت لَحَظَاتٌ يَصْعب على العَقْل استِيعَابَها وَفَهْم مُجْرَيَاتِها ، بَقِيتُ ذلِكَ الوَقْت على حالي كَالمَذْهُول العَاجِز.. ولم أحرك ساكناً..
الفصل السادس عشر: كَمْ كُنتُ غبيّاً إذ لَم أسْمَح لنفسي أن أتَزَوَّد بِالنَّظرِ إليْهِمـَـا.. لكنَّ ذاكِرتي احتَفَظت بِآخِر النَّظَراتِ الموجوعة.. صَغِيرَتي الحَبِيبَةُ هُدَى ارفَعِي رَأسَكِ... أرِيدُ أنْ أرَاكِ وأتَزَوَّدَ مِن عَيْنَيكِ الصَّغِيرَتَيْن.. صَغِيرَتِي...؟؟ أمُّ حيدرةٍ...؟؟ دعِيني أتَزودُ مِنكُمــــا.. فَقَد لا يُخْرِجُوني بعْدَ هَذا... عزِيزَتي.. تعْلَمينَ كيفَ الوضعُ في الوَطَنْ... تعْلَمِينَ كيْفَ هُوَ الحَالُ المُرْتَهَن... فاصْبِرِي وَاحْتَسِبِي... شُدِّي عَلَى سَاعِدكِ الصَّبْرَ، وَاهْتَمِّي بِالأطْفَالِ جيّداً.. لا تَنْسَوني مِن دُعَاكم.. واحتَفِظُوا بِذِكرَايَ دوْماً عَزِيزَتِي.. إن كَانَت إرَادةُ اللهُ أنْ أعُود... فسَأعُود... وإنْ لَم تَكُن... فلا تنْقَطِعوا عن ذِكري والدُّعاءُ لِرُوحِي.. فَأَنـَـا الأَحْوَجُ لِذلِكَ والتُّرْبُ يغْشِينِــي.. هُنَا لم تتَمَالَك زوْجَتِي نفْسَها وبَدَأت بِالبُكَاء والعَوِيل والدُّعَاء علَيْهم بِـأبْشَعِ الدَّعَوَات، أهَالَنِي مَا رَأَيتُ.. طَلَبْتُ مِنْها أنْ تَهْدأ فَخَرَّت بِجَــانِبِ طفْلَتِي تَبْكي.. أمَّا صَغِيرَتي فَقَد سَكنَ بُكَاؤُها وَغَفَت علَى الآهَـاتِ المَرِيــرَةِ.. أحْنيتُ رأسِي وجَعَلتهُ عَلَى رأسِها عِوضاً عنْ يَدِي.. فأنَا لا أزَالُ مُكبَّلاً إنْ كُنْتُم تَذْكُرون؟؟ هل نَسَوْني؟؟ أليْسَ من المفترض أن يفكُّوا قيودي؟ ثمَّ إنَّهم يحيطونَ بالبابِ حتى لا أهرب..!! طلبتُ من زوجتي تمالكَ نفسها فقد طُرِقَ الباب.. فعَلَت ذَلِك فَدَخلَ أحَدُ الجنود وهو ينظر بخيلاءٍ واستكبار.. أخبرتهُ بأنَّ القيودَ لا زالت تحسبُ يديَّ ورجليَّ.. فأطلعَ قهقهةً ساخرةً وفتحَ القُيود ولَاذَ بِالفِرَارِ بصفائحِهِ الحَدِيدِيَّـــةِ...!!! مَابهِ؟؟ أليسَ يملكُ سلاحاً ثمَّ إنِّي لا أملكُ منْ أمْرِيَ شَيْئاً..!! خَرَجَ وأقفلَ البابَ خلفهُ فأسْرَعْتُ بِلَمْلَمَةِ عَزِيزَتَايَ بينَ ذراعيَّ.. وما تركتهما إلا حينَ سمعتُ صوتَ المفتاحِ وهو يُدَارُ في فتْحَةِ البَابِ.. بقِيَت طِفْلتي على رجلي وصِرْتُ أمسَحُ على رأسِها فترةً حتَّى أمَرَهُم بِالمُغَادَرَةِ.. غَادَرَت زوْجَتِي وصَغِيرَتي بيْنَ يدَيْهَا تَتَدَلَّى ذِرَاعَيْهَــا لِلْأسْفَلِ ودُمُوعها الرَّطِبة مُتَوقفة علَى وجْنَتَيها الزَهْرِيَّتَيْنِ.. المُلْتَقَى فِي قَاعَةِ المَحْكَمَــةِ.. لفَظْتُ آخِر أنْفَاسِي ونَهَضْتُ مُتَثاقلاً بِـالهَمِّ والأوْجَاعِ.. قَامُوا بحبسِ يديَّ بالأصفادِ وغادروا بي نحْوَ قاعةِ المَحْكَمة.. دَعُوني بِصَمتِيَ الآن... فلَسْتُ أرُيدُ تسْجِيل هذهِ اللَّحَظاتِ، فقَد كانَت عَصِيبةً عَلى جَمِيعِ الأَحْرَار... وَأُعِيد (الأَحْرَارِ) فَقَطْ.. وكَمَا أنْتُم مُحِيطُون.. آه وَمَن أخْدَع؟؟؟ لَا أسْتَطِيع تَجَاوزَ اللَّحظَاتِ دُون تمْرِيرَهَــا عَلى السُّطـُـور.. مَضَى هَذا الوَقت عَلى كُلِّ فردٍ (ليْسَ بِـ مَرِيضٍ) بِصُعُوبةٍ بَالِغة.. الجَمِيع كَان يبتَلِعُ أنْفَــــاسهُ بِعناءٍ شديد حَتَّى هُيِّئَ إليَّ أنِّي أسْتَطِيعُ سَمَاع حتّى آخرَ الجُلَّاسِ بالقَاعةِ وهُوَ يتنَفّس، ويُحَاربُ صوتَهُ كَيْ لا يَفْتَأ بِالصُّرَاخِ.. وأكَادُ أن أسمعَ حتّى نحيبَ طفلتي بِأَحْلامِهَـــا وَوَقْـــعَ دُمُوعِ زوجتي عَلَى يدَيْها كَما صَوت المَطر وهو ينزلقُ مِنَ الغُيُوم بِسَلاسَةٍ ليرتطمَ بالأرضِ مُحْدِثاً جَلَبَةً كَبِيرةً.. الجَمِيعُ جرَّبَ إنتظار أمْرٍ مَحْتُوم أليْسَ كذَلِك؟؟ حتَّى أُقرِّبَ لكُم الحَدَث.... ما حَالُ والدٍ يرتَقبُ صوْتَ مَوْلُودهِ وقيامِ زوجتهِ مَحْمودةَ السَّلامه؟؟ وما حَالُ الإِبْنُ وهُوَ ينْظُر إلَى وَالِدَهُ وهُوَ يُنَازِع بَيْنَ الرَّحِيل وَالبَقَاء...؟؟ وما حَال أمٍّ وهِيَ تَرْتَقِبُ ابْنَها لِيَعُودَ مِنَ المدرسةِ ليلقي بثقل أتعابهِ على كاهِلِها حتَّى تتلَقَّاهُ بِمِلْئِ أذْرُعِها تفِيضُ علَيْهِ بِصَبْرها، وإنْ لَمْ يعُدْ صَارَتْ فِي كلِّ ثانيةٍ تطيلُ النظرَ للخارجِ علَّهُ يأتي.. وإن غاب، صَارت تُراقب أيَّ صوْتٍ يصْدُر في المَنْزل لتَهْرُبَ نحوهُ بظنِّها أن إبنها الغائب قد تسلَّلَ عائداً إليهم... لنْ أطيل عليْكُم أكثر.. فأنتم أصحابَ مواجعَ ومَصَائِب وتفْهَمُون مَا أعْنِي.. أعْتَقدُ تعْلَمُون أيَّ مَصَائِبٍ أعْنِي...؟؟؟ عَلى كُلِّ حَالٍ وكَمَا تعْلَمُون، مَضَى الوَقْتُ بَطِيئاً، وكأنَّهُ حَلَزُونٌ يَجُرُّ أثْقَالاً..! يَااااالله.. لِعِلْمكُم، هِيَ كَانَت دَقَائِق ورُبَّمَــا أقـَـلُّ حتَّـى... لكِن ألَنْ يُخَيَّلُ لكُم لَوْ كُنْتُم مَكَاني بِأنَّهـَـا سَاعَات؟؟؟ عَلَى كُلِّ حالٍ لنَصْمُت قليلاً ولِنَقِفُ حِدَاداً عَلى حَالِ الأُمَّةِ هَـذَا الزَّمان، ولا تنْسَوْنِــي أيْضَـاَ..! الفصل السابع عشر:
سلِّمُوا علَى رُوحِيَ الَّتـِي قَارَبَــت أنْ تَضِيــعَ بيْـنَ غيَاهِبِ السُّجُون.. لَاااا... لاَااا... أبَداً.... لِمَاذا لمْ تُنَبِّهُوني؟؟؟ صَحِيحٌ أنَّ المَاكِثَ بيْنَ أَيْديهِمُ ينْقَطِعُ مِنْهُ الأَمَل لِأنهم بِلا قُلُـــوب والرَّحْمَــةٌ قَـد غَادَرت وجْدَانَـهــُـم وتَرَكَت مَكَانَها خَالِيــاً تَعِيـثُ فِيهِ مَنازِلَ العَناكِبَ والحَشَرَاتُ.. على كُلِّ حَالٍ.. هَا قَد وقفَ النّاطقُ من هَؤُلاءِ الأشْخَاصِ ليُبْدِي رَأيِهم فِي القضِيَّة والحُكْم الَّذِي يفْتَرِضُ بهِ أنْ يَكُونَ عليَّ.. صمَمْتُ أذُنِي وأجْبَرتُ نفْسِي علَى الذَّهَــابِ بَعِيـــداً.. بَعِـيــداً جِدَّاً... جِدَّاً...... جِدَّاً..... تَرْتَقِبُون سَمَاعَ الحُكْمِ مَعِي؟ أم أنَّكُم رحَلْتُم مِثْلِــي؟؟ وهَكَذا رَأَيْتُ فـَـاهَهُ يــســكــتُ وعَـــاوَدَ الجُلُـــوسِ.. فعُدْتُ بِدَوْري إلَى قَاعةِ المَحْكَمــَـةِ..! أتَعْلَمـُـون؟ سَقَطَــت حُرُوفــِـي بادِئَ الأَمْر وكنْتُ سأكْتُبُها (الحِكْمـَـة)..!! مَزَّقْتُ الوَرَقَةَ بِشَرَايِينِها.. فمُحَالٌ أن تَقْتَرِبَ حَكَايا الحِكْمةِ من وكرِ الظُلْمِ هذا....! اكتظَّتِ الأصواتُ بالقاعَةِ فزعزعَ صوتُ مطرقةِ القَاضي هذهِ الفَوْضَى فأُخْرِسَت ولم تُعَاود الحَديـــثِ.. اسْتَدَرتُ أسْتَفقِد الحُكْم مِن وَجْهِ زَوْجَتِي فرَأَيْتها مُحْنيَةَ الرَّأس، ولَمْ أعُد أدْرِي مَاهِي تعَابِير وَجْهِها... هَلْ هِي ضَاحِكَة وأخفَتْ مَلَامحَها حتَّى لَا ينْظُر لِبَهجَتِهَـــا غَيْرِي..؟؟؟ أو تكونُ تبكي وتخْشَى شَمَاتة الأعْدَاء لِي؟؟؟؟ سرَّحَ القَـــَاضي وصَرَّحَ بِالحُكْم... احبِسُوا الأنْفَــاس، سيَنْطِقُ القَـــاضــِـي.. حكَمَت المَحْكَمـَـة علَى المُتهَم (نِضَال عَبْد اللهِ المُقَاوِم) فِي قضيّةِ قتلِ أخيهِ (مُحَمَّد عبدُ اللهِ المُقَـــاوِمْ) بـِ جُنْحَةِ القَتلِ بِالدَّرَجةِ الأُولَى، وبِذلكَ قرَّرَتِ المَحكمةُ إحَالَتــَـهُ إلَى الإعْدَام.. هُنَـــــــا انْطَلَقَــت صَـرَخـَـاتٌ أفْـزَعَتِ الكَوْن: أيُّهـَــا المُجْرمــُـــــــــــــــــون... وصُراخٌ آخَر هزَّ الحَنَاجِرَ وأَرْعَبَ الخَنَاجِرَ، أظُنُّهُ لِـطِفْلةٍ صغيرة.. تسْأَلُون عَن حَـالي؟ جَلَسْــتُ مَدْهُـوشــَــاً.. أشُكُّ أنَّنِي فِي هذَا الوَقتِ كُنتُ فَاقِــداً لِلــوَعْــيِ، فلسْتُ أدري مــَا جَرى أوْ كَيْف أصْبَحَ وَجْهـِـي ينْقُشُ تعَابِيرَهُ، ولم أعُد أُحِسُّ بِجَسدِي، كَانَ شَيْئاً مِنَ السَّيْلِ يسْقُطُ مِن جَبِينـِـي، لَكِن لسْتُ أدْرِي مـَـا هـُـوَ، فقَط كنْتُ أرَاهُ يتَساقطُ على مَلَابسي لـِـ يُبَلِّلَها بِعُنْفٍ وجُنُووون.. مَاذنْبِي؟ تلَاحَقَت أنْفَاسـِـي وقَبـَضـْـتُ عَلَى صَدْري مِنْ هَوْلِ المُصِيبَةِ...!! هَل هذهِ مَحْكمة؟ أشْهَدُ أنَّها (مَدْمَرَةٌ "لَاْ" مَحْكَمَةٌ)..! أتَوُ الجُنُود وأَخَذُونِي وسْطَ صرَاخِ زوْجَتِي وطِفْلتـِـي الَّتـِـي أفَاقـَـت فَزِعـَـةً خَائفةً.. كنْتُ لـِهذا الحِينِ صَامتاً إلَى أن سمَعْتُ صُرَاخَ طِفْلتي كأنَّهُ صَرِيعُ الألمْ... وهَذا مَا لم أطِق عَلَيْــــهِ صَبْراً صِرْتُ أصْرخُ مُنَادياً علَيْها..... رَمَوا بِي فِي تِلكَ الغُرفةِ مجَدَّداً، وفُوجِئْتُ بعْدَ لحَظَاتٍ بوُجُودِ عَزِيزَتايَ اللَّتانِ سـأتْرُكُهُمـَـا.. هذِهِ طِفْلتِي الَّتِي سَتَكُونُ يتِيمَةً بعْدَ أنْ.... بعْدَ أنْ............. آآآآآه.. اكفَهَّرَت مَلَامحَها واغْرَوْرَقَت عَيْنَاهـَــا بِالدُّمُوعِ وصَارت تَنْظر إِليَّ مُرْتَعِبة بِعَيْنَيْنِ تَتَفَجَّرَانِ ألَمـَـاً... مرتعشةَ الجسَد.. والصَّرخةُ مكْبُوتـَـةً فــِـي حَلقِهــَـا الصَّغير.. وفَاههَــا مفْغُورٌ مِنَ الدَّهْشـَـــــةِ.. عنْ إحْسَاسِي تسْأَلـُـون؟؟ أسْأَلُكم: مَا حَالُ مِن يُقْبِل علَى قَصَاصٍ ليْسَ مـِـن حَقّهِ؟؟ أسْأَلكُـم، أليْسُوا هُم أحَقُّ بهِ مِنِّي؟؟؟؟؟ أولَسْتم شُهَداء عَلى مَا جَرى مَعِي؟؟؟ إذاً انطُقُوا وأخْبِرُوهم..!! أسْرِعُوا...!! آه نسِيت... أنتُم مع حُرُوفي وذِكْرَياتي..... قبْل أن أرْحَل الآن دَعُوني أُكْمِل لكُم مـَـا جَرى... سقَطَت زوْجَتِـي بيْنَ ذِرَاعي تُجْهش بِالبُكاء، وصَغِيرتي بقَت بِدَهشَتِها ولَم تَتَحرَّك إلَّا حِين نَادَيْتُها بـِـ صَوْتٍ مبْحُوحٍ لا يَكَادُ يُسْمَع حَتَّى.. لكنَّ صَغِيرتي سَمِعَتني وألقَت بِنَفْسهـَـا عَليَّ، وهذا مَا جَعلنِي أعُود لِلواقعِ وأتَنَفَّس شيْئَاً مِنهُ قبْل رَحِيلي، حتَّى هَذِه اللَّحْظة لم أكُن أحسُّ بمَا حوْلِي.. أتعْلَمون ما أيقَظَنِي؟؟ أتعْلَمُون ما أفزَعَنِي؟؟ هِيَ صرخَةٌ من طِفْلَتِــي وَهِيَ تُنَادِي (بَابَا، لَا تُيْتِمني..!)... الفصل الثامن عشر:
آآآآآه صَغِيرتي؟؟؟؟؟؟؟؟ منِ الَّذي شَرحَ لكِ معْنَى اليُتْم؟؟؟ ليْسَ الأمْرُ بِيَدي صَغِيرتي..؟؟ ليْسَ بيَدِي ذلك.. ليْسَ بِيَدِي... بَقِيَتِ الإثْنَتَانِ تَنُوحَانِ وَتَنْدُبَانِ حَتَّى تقرَّحَ صَوْتَيْهما ووَصَل لمَسَامعِ الواقفين على مَقْربة من هَذا المَحْبَس وهَذا جَعَلنا مَحطَّ أنظَار الكَثِير.. مسَحْتُ بكلتا يدايَ المصفَّدَتانِ على رأسَيْهما، ورَجَوْتهما أنْ يكفّا عن النحيبَ فذلكَ يؤذيني... لكن أنَّا لهم الكفَّ عن ذلكَ وهُمَا عَلى وشكِ فقدي..!! آآآه كيْفَ لي أنْ أصِفَ لكُم الآن بَقِيّة الأحْدَاثِ؟؟؟ دعُونِي أتنفّسُ قليلاً، ثمَّ أعود إليكم.. آه كَلا.. كَلا... قد أرحلُ قبل أن أتمِّمَ لكُم الأحْدَاث... مَضَى الكَثِير من الوقتِ حتى غَادروا بي إلَى زنزَانَتِي.. طَمْأنوا زوْجَتي وابْنَتي أنَّهم لنْ يعدمُوني إلا بَعْد شَهْر.....!! وأيُّ خبرٍ هَذا الَّذِي يُفْترضُ بهِ أن يطمئنهم..!!!! سُحْقاً لكُمْ...! نعم، آسفٌ لتلويث صفحتي وأسماعكم وأنظاركم بِهَكَذا ألْفَاظ، لَكِن ألَا يَسْتَحِقون هَذا؟؟ أَتُرَاكُم تتسَائلونَ عن ابْنِي حَيْدَرة؟؟ اختفى عن سطوري منذ فترةٍ لَيْست بِقَصِيرة، أليس كذلك؟؟ حسناً سأخبركم شيئاً يَشْفِي غليلَ السُّؤال..: تَرَكَتْهُ زوْجَتِي فِي المَنْزِل،[لِمَاذا..؟] لأنَّها لَو أتَت بهِ فَهُو لن يسْكُت أبداً عَلى ظُلْمِهِم... تعْلَمون جيِّداً كيْفَ سيكونُ ابني هُنَا..: أقرَبُ لـِ ثائرٍ مجْنُون، لن يستطيعُ كبحَ لسانَهُ في الأوقاتِ الحَرِجة، ولِهَذا حتَّى لا تزيدَ الأمورُ تعقيداً ولا يتسببُ بحبسِ نفسهِ معي؛ أخفتهُ زوجتي في المنْزِلِ وغادَرَت دُون عِلْمهِ... لَو كَان يعلم، لَم يكُن لِيَتركَهم بحَالِهِم دُونَ عراكٍ..! نعم فابني لَنْ وَلَنْ وَلَنْ يصْمُت، تعْلَمون هذا جيِّداً، أليْسَ هذَا صحِيحَاً...؟؟ هَلْ شَاهَدْتُـم مسْبَقاً كيْفَ يكُونُ حَال أبْنَاءِ المُعْتَقَلِين.....؟؟ إنْ كَانُوا هَادِئِين، تَثُور ثَائِرَتهم... وإن كَانُوا عٌقلاء، يفْزَعُ جنونهم..! هلْ سَتَعْتبون عليْهم؟؟ لا أظنُّ هَذا.. فهل يُوْجَد أيّ إنْسَانٍ عَاقلٍ سَيَرضَى بِسَماعِ أبَاطِيلِهِم....؟؟؟ كلّ هذا الظلـــم وتتوَقَّعُــونَ مِن ابنِـــي أنْ يَبقَـــى صَامتــَـاً متحجِّــــراً..؟؟ لَا أظُن.. آآه كم أفتقدُ شِبْلِي حَيْدَرَهْ... شَفَينا غلِيلَ السُّؤال..؟؟؟ حسَناً، لنُوَاصل: أعادُونِي لِزنْزَانتي.. أخبرتُكُم بِهَذا، لكن أَذْكُرُهَا مُجَدَّدَاً حتَّى تكُونُوا مَعِي وأسْتَرسِل بالْحَدِيث مِن البِدَايَةِ... أعَادُونِي حيْثُ ابنُ جَاري سلْمَان (صَادِق)، كنْتُ مُنْذ أن أدخَلُوني غَارِقٌ بِصَمْتٍ غريبٍ وكَئِيبٍ.. نَعَم لا أزالُ أذكرُ كلَّ لحظةٍ مرَّت، وكيفَ أنْسَاها وهِيَ السَّبَبُ بِنهَــــايَتِي على هَذا الحَال؟؟؟؟ دعُوني أكْمِل لكُم الآن، حَكيت لهُ ما جَرَى، ولكن مَتَى؟ بعْد أربعةِ أيامٍ أوْ أكْثَر، فلَم أكُن قَادِراً عَلَى الحَدِيثِ فِي بَادِئِ الأيَّــامِ.. بَدَأ العَدُّ التَّنَازُلِيّ... أسْألكُم....: هَل ستَبْقَون لِـتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى إعْدَامِي؟؟؟؟ أعُود لبقِيَّة الأحْدَاث... أخبَرتُكُم أنَّنِي حكَيْتُ لإبنِ جَاري المَكِيدة الَّتي كَادُوها لِي، وطُوَال الوَقْتِ كان إمّا فاغراً عينهُ أو فاغراً فاههُ.. دخلَ في صَدْمةٍ عَنِيفَـةٍ، لكن لمْ تكُنْ بِـأصْعَبَ مِن صدْمَتي.. هوَّنْتُ الأمْرَ عَلَيْهِ وأنَا الأَحْوَجُ إلَى ذَلِك.. آآآآه.. رَمَى بِنَفْسهِ بَيْنَ أذْرُعِي يَبْكِي..!! تَبْكِي؟؟ لا تَبْكِي..!! فأَنَا لَمْ أبْكِي..!!! لَا تَبْكِي... آآه مَاذا أقُولُ لَكَ الآن؟؟؟ آآ لَا بأسَ سَأكُون بِخَير... أهَذا ردٌّ يَصْلحُ لِهذا الوَقْتِ يَا نِضَــــال..؟؟؟؟ صارَ ينظرُ إليَّ بنظراتٍ حَيْرَى تغْرِقها الدُّمُوع.. هيّا تَمَالَك نَفْسَكَ عَزِيزِي.. كُنْ شُجَاعـَـاً...! لم أكُن أعْرِف مَا أقول ولا مَاذا يجِبُ أنْ أقُول..! صَمَتَ لِلَحَظَاتٍ ثمَّ قالَ وصَوْتهُ يَرْتَعِشُ بِعُنْفٍ..: لَكِن لِمَاذا؟ لِمَاذا؟ لِمَاذا؟؟؟؟ ماذا تعْنِي عزيزي؟ لِمَاذا فَعَلُوا بِي هَذا؟ لِماذَا قتَلُوا أخِي؟؟ لمَاذا سيعْدمُوني..؟؟؟؟ صَارت نظرَاتهُ أكثرَ حيْرةً فأجبْتُهُ، مهْمَا كَان السُّؤال فالجواب واحد بُنَيَّ ألا وهو (عِشْقُهُم لِلظُّلْمِ وَالإِضْطِهَـــادِ) هُوَ ذَا السَّبَبُ عَزِيزِي، فَقَدِ اعْتَادُوا عَلَى شُربِ دِمَائنا كمَا اعتَادُوا على شُربِ المُسْكِر تماماً...!! لا تَسْتَغرب أمْراً يا صَادق، فليس ببعيدٍ أن يقوموا غداً بقتلِ أطْفَالنا بِحُكْم أنَّ دِمَائهم جزءٌ من دِمَائنا.. لنْ يكونَ ذلِكَ غَرِيباً أبداً..! آآ أيْنَ وَصَلنا؟ هَل تَسْتَطِيعُون المُتَابعة؟؟؟؟ لستُ أدْرِي بِحَالكمُ... لكِن عليَّ أن أُكْملَ هذِهِ اللَّحَظاتِ حتَّى أخْتمَ الأَنْفَـــاس قبْلَ رحِيلِي، أعْنِي وكَمَا تعلَمُونَ (إِعْدَامِي).. الفصل التاسع عشر:
من المفترضِ أن أكْتُبَ وَصِيَّتي الآن... كَيْفَ أكتُبهَــا؟؟ ماذَا يجِبُ أنْ أكتُبَ بِهَا؟؟؟ أخبِرُوني؟؟ آه من أُحَدِّث..؟ أنتُم لسْتُم سِوَى خَيَالاتٍ أتَخَيَّلُهـا لِتُواسِيني، وقرَّاءً ستَقْرَأونِي حِينَما تُوْلـَـدُ سُطُورِي عَلَى مَحَابِركُم، وأكُون بِذَلِكَ الوَقْتِ قَد رَحَلْت.. هَكَذا كُنتُ أفكِّر في تلكَ اللحظات.. أسْأَلكُم... أنتُم معِي؟؟؟ نعَم.. مُؤكدٌ هذا.. فقرَّاء حُرُوفي لَيْسُوا بِـ ظُلَّامٍ للعَبِيد..! وليسُوا أبداً أصحابَ مجازِرَ وقنَابِل.... ابتعدتُ كثيراً عن الموضُوع..! دعُوني أُكْمِل الآنَ وَاعْذُرُوني إن أسَأْت لكُم بأيِّ وجهٍ من الأوجُهْ.. كنتُ أحدِّثُ صَادقاً وأصبِّرهُ وأهوِّن الأمرَ عليهِ.. حينَهَا.. حينهَا فقَط أدركتُ الأمرَ، أنِّي لنْ أرَى.... لنْ أَرَى...... أحِبَّتِي! آه دَعُوني أسْتَزِد من لحَظَاتي وأنْظُر إليهم بعينٍ ثاقبة.. وأستذْكِرُها لحْظَةً بـِـ لَحْظَة... ماذا سَيَجْري عليَّ؟؟؟ انظُرُوا إلَى الأحْداثِ معي... سَأُسْحَبُ بعنفٍ نحوَ [حبلِ المشنقة] وهذه كتَبْتُها بخَطٍّ مُهْتَرِئٍ غيرَ مهندم.. أُكْمِل لكم الآن...: هَا هُمْ يجرُّوني نحوَ تلكَ البقعةِ الموبوءةِ.. زوجتي تكافحُ للوُصولِ حتَّى تُوَدِّعَنِي، والمُجْرمُونَ يضْرِبُونها بـِأكواعِ أسلحتهم..!! هُنَا، أصبحت ملامِحِي تُزَمْجرُ وصِرتُ أصْرَخُ بِهِمُ وكأنَّي أقذفُ المَوْتَ عَلَيْهم...: ويْحَكم...! يا جُبنَـَــاء.. جُبَنـــَـــــــــــــاء.. كيفَ لكم أن تَضْربوا النِّسَاء؟؟ أوصلْتُم لـ قعْرِ السُّوء؟؟؟؟؟ بَل أنتمْ بهِ فِعْلاً.. أصِرتم تَخَافونَ من الرِّجَال فصِرْتم تعْتَدُون علَى حُرَمهم؟؟؟؟ أيُّها المُجْرمون.... سُحْقاً لكم... سُحْقاً لكم... لم أكَد ألفُظُ أنْفَاسي حتى باغتَنِي أحدُ الّذينَ يسْحَبونِي بضَرباتٍ أَدْمَت أنفي.. خَنَقت أنفاسي بالدِّماءِ... غطَّت عيْنِي بـ سيلٍ جارفٍ انفجرَ من هامةِ رأسِي.. لستُ أبَالِي بِحَالي.. لمْ أعُد أكْتَرِثُ.. دَعُوهم واقتُلُونِي.. دَعُوا حُرَمِي واسْفِكُوا ما شِئْتــُــمْ مِن دَمِـــي.. ابتَعِدوا عنْهُم يا مُجْرِمِين.. طِفْلَتي الصَّغيرة؟؟ أينَ هِيَ؟؟؟ آآآآآآه ها هيَ..! حبِيبَتِي الصَّغِيرة انْهَضـِـي..! حَبِيبَتِـي الغَالِيَــة.. أرجوكِ انهَضِي...!!! مابكِ؟؟؟ لماذا يغرقكِ الصَّمت؟؟؟ أتعْلَمونَ ما جَرَى على صَغِيرتِي الحَبِيبَة....؟؟؟ قَد خَرَّت صَرِيعَةَ الرِّمالِ بِألمٍ ودُمُوعها تعفِّرُها.. ماذا فعلَ بكِ هؤلاء؟؟؟ صغِيرَتي انْهَضِي وحدِّثيني؟؟ سَآخذ بِحَقِّكِ عِنْدَ القَضَاء....!!! حدِّثيني أرجُوكِ..!! هل أضحَكُ على نفسي الآن؟؟ أيُّ قضاءٍ هُوَ هذا؟؟؟ أخذَنِي لحَبْلِ الإعْدَامِ دونَ جُرْمٍ مِنّي..!! لَا.. أبَداً لَا.. سَأشْكُوهم إلى صَاحبِ الأمر... وإِلى مَن هُو أقرَبُ إلَيْنــَـا مِن حبْلِ الْوَرِيد.... هيَّا صَغِيرتِي انهَضِي واتركِيهم عنكِ... لهم يومٌ سيجازونَ فيهِ على أعمَالهُم المُجَرْثَمَة...! أوقَفُوني عَلَى تِلكَ المنَصَّةِ العفراء.. أمْسَكَنِي رَجُلَانِ منْهُم.. وهذا حتَّى لا ألوذَ بالفِرَار....!! طوَّقُوا الحِبالَ حولَ رقَبَتِي... [هَلْ لَا زِلْتُم هُنَا؟ أتَسْتَطِيعُونَ أنْ تُكْمِلُوا المَسِيرَ مَعِي؟] غَطُّوا رَأْسِي، وشدُّوا وثاقَ يدي...!! مَاذا بَعد؟؟ أحسَسْتُ الآنَ بابْتِعادهمُ عنِّي.. شدُّوا الحبالَ عليَّ... أحسَسْتُ بالهَواءِ وهو يترنَّحُ حَوْلي.. والآنَ شيءٌ من الهواءِ يحشرُ نفسهُ في آخرِ حنجرتي... والدماءُ تضخُّ نفسها بعنفٍ إلى رأسي للحظةٍ من اللحظاتِ ثُمَّ.... ثُمَّ......... ثُمَّ صارَ يتفجَّرُ كـ حَرارةٍ قاتِلَة.. رأسِي يضُخُّ الدِّمَاءَ لعَيْنَيَّ بِجُنون... هِي.. هِيَ ثوانيَ فقط... ربما جزءٌ من الثَّانيَة.. ثمَّ صرتُ أحسُّ بروحي وهي تحلِّقُ بعيداً.. بعيداً....... أفقتُ على صوْتِ أشياءٍ تَتَحطَّمْ...! آه أنـَـا.... أنـَـــا...... أتقلَّبُ.. أعني.. أعنِي جَسَدي تقلبهُ أيْدِي غَرِيب...! منْ هُو؟؟ ماذَا يفْعَل؟؟؟ يُجَرِّدني من مَلَابِسي المُهْتَرِئَة..!!!!! لَاااا... لَاااااا..... لِمَاذا؟؟؟؟؟ أسمَعُهُ يردِّدُّ تسْبِيحاتٍ وتَهْلِيلَات... أردِّدُ مَعَه.... صارَ يهيلُ الماءَ عليِّ... إذاً...... إذاً......... يغسِّلُ جَسَدي... آه.. رَحَلْتُ إذاً..!! مصِيري.. رَحَلت؟؟؟ ربِّي؟؟؟؟ رَبِّي؟؟؟ رَبــــِّــــــــــــــــــــــــــــي؟؟؟؟؟؟ رُحْمَـــــااااااااك يـــَـا كرِيـــــــــــم.. صْرتُ جسداً لا روحَ بهِ..!!!!
الفصل العشرون: صرتُ أحُومُ حولهُ كالطِّفل الخَائفِ المُرتَعِد الملتصق بِأُمِّهِ..! أوصَالي ترتَعِدُ بِعُنفٍ.. لِمَاذا؟؟ آآه أنَا خَائِف... خَاااائِف... خَاااائِفٌ جِدَّاً... مَاذا أفْعَل؟؟؟ مَاذا أفْعَل؟؟؟؟؟ جَلَسْتُ مُخَبِّئاً نَفْسِي بيْنَ رُكْبتيَّ... رَبـَّــااااااااااااااااه... وسْطَ لوْعَاتي جَاءَ صوتٌ اختَرَقَ حُجبَ الرُّعْبِ بأرْكَاني.. ليسَ الصوتُ بـ غريب...!!! وقفتُ وإذا بِي أرى زوْجَتي تخطُّ المسيرَ مستندةً على كتفِ حيْدَرة..! حَبِيبِي حيْدَرَة.. آنَ أوان اللقاء..! وأيُّ لقاءٍ هو هَذا... تسْتَطِيعُ احتضاني.. ولا أسْتَطِيعُ المَسْحَ عَلى رَأْسِكَ... صغِيرِي... أينَ صَغِيرَتيِ؟؟ لابدَّ أنَّها نَائِمة... صرتُ أراقبهم من زاوِيَتِي الغَارِقَةُ بِالأَلَمِ والحَسْرَة.. لا يَسَعني الإقترابُ مِنهم ولا وَدَاعهُم... أرَاقبهم.. يندُبُون.. يَلثِمُون وجْهِي بالقُبلاَتِ والدُّموعِ... يبْكُون.. يَنُوحون.. يَكْفِي.... يَكْفِي... يَكْفـِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي.. صَرَخْتُ صَرْخَةً من روحِيَ نابعةً زلزلت أركانَ العزاءِ، ولو استطعتُ النظرَ لرأيتُ أهلَ القبورِ فزُّوا من مَضَاجِعِهم فَزِعِين... رَبــِّـــــــي... رَبــــِّـــــــــــــــــي... رَبـــــــــِّـــــــــــــــــــي.. آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه...... حَمَلوُني على الأكتَافِ... أقَامُوا عَليَّ الصَّلاةَ ثمَّ... ثمَّ......... ترَكُوني بحُفْرةٍ بدَت لِي مُظْلِمة.. مُظْلِمةً جِدّاً... جِدَاً... جِدَّاً..... خَشِيتُ النُّزولَ لِهذهِ الحُفْرةِ وَحْدِي...!!!! مَهْلاً... انتَظِرُوا... أبْقُونِي معَكُم... لا أُريدُ البَقاءَ وحْدِي... المَكَانُ مُظْلم.... مُظلِم....... مُخيِف........ لكِن.. مَا المَفَر؟؟؟؟؟؟ لا مَفر... لَااااا مَفر... كُلّ فردٍ سيَبْقى مع أعْمَاله... تُؤنسهُ....... مَاذا فَعَلتُ طِيلةَ حَيَاتِي؟؟؟ ألهَتْنِي أمْوَالِي وأوْلَادِي......؟؟ عبَدْتُ الله....؟؟؟ ماذا فَعَلْتَ يا نِضـَـال....؟؟؟ ماذا فَعَلتَ....؟؟؟ رَبِّي؟؟ رَبِّي؟؟ رَبــِّـــــــــــــي... اترُكُوني الآن.. اترُكُوني..... أغمَضْت عَيْني لَعَلِّي أهْرُبُ.. لَكِنِّي حِينَما فَتَحْتُها وجَدْتُ التُّرْبَ يُهَالُ عَلى جَسَدي.. فلحَقتُ بهِ حَتَّى لا يتْرُكنِي ضَائِعَاً حَيْرَانَاً..... صِرْتُ أبْكِي.. وما نفعُ البكاءِ الآن؟؟؟ القَبْرُ مُوْحش.. أسْمَعُ وقْعَ خَطَواتِهِم تَبْتَعِد.... لَا تتْرُكُونِي..!!!! الآن... الآن.... أحِسُّ الكوْنَ يقتربُ من جَسَدي أَكْثَر... وَأَكْثَر... وَأَكْثَر... حتَّى كادَ يعصرني.. بل هوَ الآن مُقبلٌ على ضَغْطِي وتَهْشِيم عِظَامِي...! إذاً أنا الآنَ مقبلٌ عَلَى (ضَغْطَةِ القَبْر)........... الآن... الآنَ فقط.. صَارت رُوحِيَ [مُعْتَقَلَةً بَيْنَ أَحْضَانِ التُّرَابِ]... هِيَ (أيَّامُ المُعْتَقل)، صدَقْتِ يا أنفاسي... بدأتُ بالصراخِ... أحسَسْتُ بصَدَماتٍ عَنِيفةٍ تلْطِمُ وجْهِي... خَشِيتُ فتحَ عيْنِي حتَّى لا أرَى أمَامِي مُنْكَراً ونَكِيراً...... اللَّطَمَاتُ ازْدَادَت وصُرَاخِي ارتفعَ وصَارَ يَهُزُّ أرْكَانَ مُعْتَقَلِي..! أحسَسْتُ برَعْشَةٍ بَاردةٍ تُهَالُ عليَّ... فتحتُ عيْنِي مُجْبَراً لِأرَى صَادقاً يسكبُ على وجْهِي ما بقِيَ من المَاء........!!! جَلَسْتُ مذْهُولاً.... نَظَرْتُ حَوْلي، وَإِذَا بِي فِي غُرْفةٍ خاليةٍ خاوِيَة.. لا زلتُ فِي مُعْتَقلِهِم....!!! رَبــَّــااااااااااااه.. تنهدتُ بقوَّةٍ وزفرتُ رعبي من جسدي... وبقيتُ صامتاً منذُ ذلِكَ اليَوْمِ، إلى أن حانَ موعدُ الإعْدَام... هَلْ سَأحْيَــا فِي هذَا الكابُوسِ مرَّةً أُخْرى؟؟ طَرَقاتُ المفتاحِ تُفَجِّرُ طَبْلةَ أذُني.. الصَّوتُ مرتفعٌ جدَّاً.. هلْ يسْمَعُهُ أحدٌ مِنكُم مَعِي؟
الفصل الواحد والعشرين: فُتِحَ البابُ وإذا بالرَّجُلِ يُنَادي (صَادِق سَلْمَان)... أنتَ حرٌّ فهيَّا اخرج قبلَ أن تنالَ عِقاباً آخر..! نظرَ إليَّ فأومأتُ لهُ بابتسامةٍ لِيَخْرُج.... وقفَ وصارَ يخْطوا خطواتهُ وهُوَ يلْتَفِتُ إليَّ فِي كُلِّ حِينٍ..... وَقفَ عِندَ البَابِ فدَفَعهُ ذلكَ المجرمُ بيدهِ ليُبْعدهُ عَن نَاظِري.... مَاذَا الآن؟؟؟ نِضَال عَبْد الله...؟؟ وقتُ إعْدَامِي إذَاً.... وقفتُ مُسلِّماً أمْرِي لله عزَّ وَجَل... وإذا بهِ يقْبِضُ ملَابِسِي بِعُنفٍ ويكمَّ فمي بخرقةٍ باليةٍ وقامَ بِعَصْبِ عَيْني بِخُرقةٍ أخرى لها رائِحةُ الحَيوانِ النَّافِق...!!!! أحسَسْتُ بجسدي يرتطمُ بكلِّ زاوِيَةٍ.. إنَّهُ يجْرِي بِي...!! وَأنا... رِجْلايَ لا تَكَادَان تَخُطَّانِ الأرْضَ.. فَصِرتُ كالرَّايةِ الموثوقةِ بعمودِ العَلَمِ المرَفْرِفِ عَالِيَـــاً، تُعَانقُ كلَّ شيءٍ تمرُّ عليهِ....!!! رَمَوْني فِي شَيءٍ يُشْبِهُ الصَّحَائِفَ الحَدِيدِيَّة...!!! لا بدَّ أنَّها سيَّارتهُم المُصَفَّحَةِ بالظُّلمِ والجَوْر... رُبَّما مرَّت دَقَائق وَرُبَّمَــــا عِدَّةَ سَاعَاتٍ، حَتَّى تَوَقَّفَـت ورَمَونِي خَارِجَهَــــا..!!! مَاذا الآن؟؟؟ سَيَقْتُلُونِي هُنَـــا؟؟؟؟ سمِعْتُ صوْتَها وهِيَ تبْتَعد..!! مَاذا يجْرِي؟؟؟؟ تحسَّسْتُ الأرْضَ... مَاهَذَا؟؟ شَيْئٌ رَطِبٌ ذُو خُيُوطَ رَفِيعةٍ..! مَزَّقْتُ مَا وضَعُوهُ عَلى فَمِي... ثمَّ صَرَخْتُ بأعْلَى صَوْتي... "مَاذَا الآن؟؟؟" لكِنَّ صَوْتِي ارتدَّ عليَّ بـِ صَداهُ..!!!!! اجْتَرَأتُ وفَتَحْتُ عِصَابَةَ عيْنِي؛ لِأَرَى مـَا حَوْلِي..!!! ماهذَا؟؟؟ أنَا عَلَى أرْضٍ خَضْراء........ مزَّقتُ السُّكون بِعُنفٍ، فقَدْ كُنْتُ أصْرَخُ غيْرَ مُصَدِّقٍ حَالِي... هلْ سَيَتْرُكُونِي هُنَــــا؟؟؟؟ ألَن يعْدِمُوني؟؟؟؟؟؟ آآه كَلَّا... كَلَّا.... يَكْفِي...... يَكْفــِـــــــــــــــــــي... دخَلْتُ فِي دوَّامةٍ عنيفةٍ زجَّتْ بي فِي سِجْنٍ وحَرْبٍ معَ جَسَدي... حتَّى وَقَعْتُ أرْضَاً... أفَقْتُ فَزِعاً مِن نَوْمِي.............. وانتبهتُ لـِ حَالي....... سَقِيم.... مَوْجُوع... مُتَأَلِّم... وَحِيد.... آثَارُ القُيُودِ وَاضِحَة.. آثارُ التَّعْذِيبِ صَارِخَـــةً... وحقيقةً...: انتبهتُ إلى كفِّي لأدركَ الأمور... وإذَا بِي...... وَإِذا بِي أُعِيدُ ذِكرَيَاتُ المُعْتَقَلِ عَلَى نَفْسِــي وأكْتُبَهَا عَلَى صَفَحَاتٍ مُهْتَرِئَة وَجَدْتُها بَيْنَ الحَشَائِشِ رَاكِدَةً، وقُربها قلمٌ لمْ يَكُن بِحَالةٍ جَيِّدَةٍ.... إلّا أنَّنِي اسْتَطَعْتُ أنْ أخُطَّ بهِ الأحْدَاثُ.. أرَدْتُ النُّهُوضَ فَزَلَّتْ قَدَمِي وَسَقَطْتُ عَلَى زُجَاجٍ مُتَنَاثِرٍ فَجُرِحَتْ يَدِي وسَالَتِ الدِّمَاءُ علَى مَلابِسِي تُجَدِّدُ العَهْدَ معِي؛ فَانْتَهَزْتُ الفُرْصَةَ حينَهَــا؛ لِأَكْتُبَ بِدِمَائِي عَلَى الصَّفْحَــةِ الأُولَى [صَبْرَاً يَا وَطَنْ].. وَهَذهِ رِسَالَتِي يَا قَوْمُ لـِ مَوْطني.. فـَ احْفَظُوهَا جَيِّدَاً.
الخاتمة:
نهايةً أشكر كلّ من ساهم بـ اخراج الرواية بـأبهى مظهرٍ، وأعانني بـ تشجيعٍ أو ترقب..
شكراً لكم أعزائي القُرَاء على متابعتكم
وكلي أمل أن سطوري كانت خفيفةً على قلوبكم
((يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِين))
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين..
[ .. وفقكم الله .. ]
تاريخ الانتهاء..: 22 يناير 2010 يوم الجمعة.
|