|
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم
في هذه الأيام بالذات تكثر المغريات للشباب، ويكبر الصراع بين النفس والشهوات، والأدهى أن نظل ثابتين على طريق الحق عازمين على عدم تركه.. كثيراً ما يحدث أن يحصل أحد الطلاب على بعثـة دراسيـه، فيترك الوطن للإغتراب في وطنٍ آخر للدراسة فيه.. وتمضي الأيام والأسابيع، تليها الشهور والسنوات، وما يلبث أن يعود حتـى يُصْدَم الأهل بالواقع المرير الذي طال ابنهم..! فيرونـه وقد أصبح شخص آخر، اختلفت بل اختفت معتقداته وكأن الغرب أعادو تأهيل ذهنـه ونقلوا خبثهـم إلى رأسـه..! لعل البعض يعتبـر.. سأتحدث اليوم عن حال أحد الشبـاب إذ حصـل على بعثـة دراسيـه وتوالت بعدهـا الأحداث، إلى أن أصبح كما يظن "رجلاً منهم".. استرسلت في الحديث إلى أن أنهيت الروايه، قمت بسرد الأحداث في فصلين.. وكلي دعاء بأن يحفظنا الله وإياكم على الطريق القويــم.. ويسدد خطانا بعيداً عن الهوان والضعف..
نسألكم الدعاء
.الفصل الأول.
كم كان فتـىً مطيعاً لوالديه مجتهدٌ في دراستـه والجميع لم يكن يعلـم منــه سوى الأخلاق الفاضلـه والحسنــه.. هاهو ذا قد أنهـى المرحلة الثانويـه العامـة وأتى اليوم الذي يجنـي فيه ثمـار اجتهاده.. دقات قلبه تتسارع فاليوم هو اليوم الذي تـُـعلن فيه بعثات الطـلاب وتوزع فيه شهاداتهم.. دخل قاعة التكريم كما تم اخباره وتتبع رقم كرسيـه الذي يُفترض أن يجلس عليه وجده فجلس في سكون يرتقب اكتمال العدد حتى يبدأون تعداد الأسماء.. لم تكن اللحظات تمضي بسرعـه ولكن كان عليه الصبر حتى يصل لمبتغاه.. بدأ المقدم بعد أن حان الوقت.. كان من المبهج أنهم بدأوا بتلاوة القرآن الكريم ومن ثم بدأ المدير بإلقاء كلمتـه بعده أتى أحد الأساتذه وأخيراً أحد التلاميذ وكل منهم ألقـى حديثه المكنون في صدره وودع وهنَّـأ.. لم يطل الوقت حتى بدأ المدير بقراءة أسماء المتفوقين الحاصلين على البعثات والمنح.. التفت إلى الأسماء بشده وحينما قال اسمـي قفزت كالمجنون وأسرعت الخطى نحو المنصـه صافحت المدير والتفت نحو عدسـة الكاميرا وأهديتهـا ابتسـامة عريضـة ومـض الضياء جزء من الثانيـة ثم وليت مسرعاً نحو أبي وجدته جالساً ابتسم لي حتـى بانت عوارض أسنانـه.. يصفق بحرارة والبهجـة تغمـر قلبـه صافحتـه بقوة وقبلت رأسه ثم خرجنـا معاً لنذهب إلى المنزل فوالدتي ترتقبنـي على أحر من الجمر.. صعدت مع أبي في السيـارة وتوجهنـا نحو المنـزل مسرعيـن.. حينما وصلنـا خرجت مسرعاً ودخلت إلى المنزل وجدت والدتي جالسـة ما أن رأتني حتى نهضت وتقدمت مسرعـه: بشرنــي يا ولدي.. ابتسمت لهـا وقلت: نلت بعثـة دراسيـة يا أمـاه.. ابتهجت أمي وأجازتني بالكثير من الدعوات قبلت رأسها وقلت لها أن ما جنيتـه كان بفضل توجيهها وأبي لي ولم تزل تفتخـر بي أمام صديقاتها وأهلنـا حتى اقترب موعد رحيلي.. ظلت أختي غفران تسأل أبي: لماذا سيذهب أخي يا أبي؟ أجابهـا: إن أخاكِ يابنتي قد حصل على بعثـة دراسيـة.. ولا بد له من الرحيل.. غفران: أريد الذهاب معـه سناد: ودراستكِ؟ غفران: سأدرس معك هناك سناد: لا يا أخيـه.. اجتهدي أنتِ أيضاً وستحصلين يوماً ما على بعثـة دراسيـة أيضاً غفران: سأجتهد وسأكون أفضل منك سناد: حسناً.. سنرى
من المفترض أن تكون ثلاث سنواتٍ ومن ثم سيعود.. أرقت ليلــة الأم وناضلـت في قلقٍ على ابنهــا الوحيـد وأوجست الخيفـة قلبهـا.. ربما لا يكون ذهابـه صلاحاً.. لا لا.. يجب عليه الذهاب لتأمين مستقبلـه.. استعاذت بالله من الشيطان ونادت بالعزيز القدير داعيةً.. ثم أمضت ليلتهـا بثقـل.. استيقـظ الأب ليـرى أن زوجتــه لا تزال يقظــى.. تساءل عن سبب قلقهـا فحدثتــه والريبـة تحوم في أفكارها.. يا صلاح.. ربمـا لا يكون سفـره خيراً فقلبي ليس مطمئنـاً لسفـرهِ بتاتاً.. تحدث الزوج محاولاً التخفيف من قلق الأم.. يا أم سناد إن ابنكِ سيكون بخير إن شاء الله فالصلاة ستكون خير دربٍ لحمايته من أعداء الإسلام.. والقرآن سيكون نوراً لدربـه ويحفظـه من الضيـاع.. ونحن لن ننقطع عنـه فسنقوم بالإتصـال به بين فترةٍ وأخرى ليطلعنـا على آخر أخباره وسنواكبـه دوماً بكلمات التشجيع والتنويه.. تنهدت أم سناد وقالت: مع حق.. تناهـى صوتـه: والآن يا عزيزتي خذي لكِ قسطاً من الراحـة فغداً إن شاء الله سنستيقظ مبكرين لإيصال سنـاد إلى المطـار أم أنكِ لا تريدين أن تكوني معنـا؟؟ تحدثت أم سناد: سأكون معكم بإذن الله.. تصبح على خير.. أذن مؤذن اللقـــاء فتدارك الجميـع نفسـه راجميـن الشيطـان بالإرادة القويــة.. لبيـك يا الله لبيك.. ناديتنــا فأجبنــاك.. استيقظ الجميـع وبادروا بمقدمـات الصلاة.. بعدها وقف صلاح وسناد في المقدمــه أمــا أم سناد مع غفران فخلفــهم.. بدى وكأن نور الإيمان يشــع من وجوههـم فالجميع كان يصلـي بصفـــاء وخشـــوع تــــام.. نهـض صلاح بعدمـا أكمـل الصلاة ومعـه سنـاد وغفران ليقومون بنقل الحقائب إلى صندوق السيـاره أما أم سناد فلا زالت على المصلاة رافعـة يدهــا تنـــاجي ربهــا والدموع تبتــل وجنتيهــا والسبحـة تتقلب بين يدهـا.. لملمت مصلاتهـا بعدمـا أنهـت مناسك الصلاه.. وتفقدت أعمالهـا.. انبلـج عمود الصبـاح لتستيقظ كل الكائنـات مسبحـة شاكرة وحامـدةً ربهــا على نعمـة الإستيقاظ.. أكمل صلاح، سناد، وغفران عملهم، فدخـلوا إلى المنزل.. والآن أين أم سناد؟؟ قارب الوقت على الرحيل.. تفقدها في المنزل فوجدهـا تعد الإفطـار لأخذه معهـم طبـع على جبينهــا قبلــة حانيـة وقال: حــان وقــت الرحيـــل.. وضعت الفطائر في كيسٍ صغير وأعطتـه لـ صلاح.. لفـت حجابهــا على رأسها واتشحـت بالســواد ولم يبد منهـا أي شيئ ظــاهر.. ابتسـم صـلاح ابتســامة رضــا وأحاطهـا بذراعـه ليأخذهـا للسيــاره وهتـف بخاطــره كم أعشقهــا.. جلـس سنـاد في المقاعـد الخلفيــه مع غفران وانطلقـت السيـاره تشـق ضوء الصبــاح.. ظلـت الأم تراقـب ابنهـا من المرآه.. أما سنـاد فصــار يحيط بنظـره أرضـــه التي تربـى على أفيائهــا.. هنـا كان يجري وهنــاك كان يلهو مع أصحابــه.. كم يعزّ عليّ الرحيل عنكَ يا موطني.. أما غفران فقد استلقت لتضع رأسهـا على رجل أخيها وغفت إغفاءة قصيره.. كم هي متعلقــة بأخيهـــا..
وصلوا إلى المطــار تلقف صلاح بعض الحقائب ولكن سناد نهاهُ عن هذا.. أحملكَ على ظهري ولا أدعكَ تحمل حقائبي..
أبتي دعهــا لي.. أخذهـا سناد بعد إصرارٍ منـه.. وصلنـا إلى محطـة التفتيـش ولم يسمـح لـلأسرة بالتقدم أكثر.. فحــان وقت اللقاء الأخيـر.. احتضـن سنــاد والده وقبل رأســه.. ثم أمطره أبـوه بواقع ذاك البلد المنحرف وحذره من اتباع الشهوات والرضوخ لحكم الشيطان.. أعطاه القرآن الكريم لينور لـه طريقـه، ومسبحــة تهلل خطــاه.. اتجه نحو غفران قبلهـا، احتضنهـا، وأوصاها على أمــه.. أما هي طلبت منـه أن يعود سريعاً.. تقدم أخيراً لأمــه.. فتهاملــت أعينــه الدمــوع وانهال على كفهــا بالقبلات وصار يرتجــي منهــا العفو والسمــاح.. وهــي تبكــي أنهضتــه لتأخذه في أحضانهـــا ضمتــه بقــوَّه ونثـرت حولــه الكثيــر من الدعوات.. كان الوداع يلفـح حرارةً وحزنـاً.. ودعـتــه أمــه بوافـر الدعوات وبجلتــه بكثيرٍ من التحذيرات.. واضحٌ أن هذه الأسرة مترابطـة بشكلٍ عجيب والمحبـة تكللهم من أعلاهم حتى أخمص قدميهم.. ترك سناد أمــه وتقدم نحو نقطـة التفتيـش.. وكلمـا تقدم التفــت خلفـه ليتفقد والديــه وأختـه.. إلى أن ابتعــد ولم يعد يسعــه رؤيتهــم فأحنـى رأسه وواصل المسيـر إلى بوابـة الدخول للطائــره.. أما أم سناد فقد أنهكهــا وداع ابنهــا استندت على صــلاح وخطت خطواتها باتجاه بوابة الخروج وخلفهم غفران وصولاً للسيــاره.. أسندت رأسهـا إلى كفهــا ويدهـا الأخرى متشبثــة بيد صلاح.. أخذت تدعــو الله بأن يحفـظ ابنهــا ويسهل له الطريق ويحميـــه.. انطلقت السيـارة بعد فترة وجيزة لتصـل إلى المنـزل.. وكم كان يبدو خاليـاً.. جلست أم سناد وفي يدها كتاب مع زوجهـا وهو يتصفح الصحيفة اليوميه.. أما غفران فقد استلقت على الأرض وهي تطالع إحدى المجلات.. لفت نظرهـا إحدى المواضيع قرأتـه ثم تساءلت: أمـي.. هل نحن الفتيات أقل إبداعاً من الرجال؟؟ استغربت أم سناد هذا السؤال.. تشافى سمع الوالد نحو صوت ابنتــه فتساءل: وما الذي جعلكِ تعتقدين هذا؟؟ أجابتـه: قرأت لتوي حكاية عن فوز إحدى الشبان على مجموعة الفتيات وقال الشاب بعد هذا إن فوزنا نحن الشباب كان محتوماً في خط الإبداع.. فهل ما قاله صحيح؟؟ هل ينقصنا نحن الإبداع؟؟ أجابتهــا أم سناد: أبداً، فكل ما هنالك أن المرأة في بعض المجتمعات المتخلفة تسأل نفسها إذا كتبت: ماذا سيقولون عن هذه القصيدة أو الرواية التي تكتبها ومن بطلها؟؟ فيقول أحدهم ويوضح أن الناس تستقبل عمل المرأة دائما استقبالا غير أدبي، لأنهم يريدون شيئا آخر غير الأدب، وهذا الأمر من ميراث المجتمعات غير المتحضرة عموماً..
فأضاف عليها صلاح: يابنتي إن الإبداع حريــه ولا يقتصـر تميزه على الذكور.. وتذكري أنه كلمــا زاد إحساسكِ وشغفكِ بالحريــة ستتألقين إبداعاً.. وليس للإبداع شرطٌ غير الابتكـــار.. وفي هذا المجال الجميع يستطيع أن يبتكـر أمراً مــا فما رأيكِ؟؟ لاحت إبتسامة النصـر على شفتي غفران وقالت: إذاً فاليستعد العالم لاستقبالي.. وليستعد الرجال لمواجهتــي.. ابتسم صلاح وقال: هذه هي روح المبدع.. وأردفت أم سناد: وفقكِ الله يا بنتي.. وثقي أنكِ لا تقلين إبداعاً عن أي كان.. فكل إنسان له أسلوبٌ خاص يتميز بــه.. وقفت غفران ثم قالت: إذاً.. أنــا مبدعــة بشكـل خاص.. أمي.. أبي.. اعذروني فـأنا سأجعل غرفتـي توضـح معالم الإبداع في نفسي.. شجعهــا والديها: حسناً.. ولكن احذري من خطــر الإبداع! أومأت غفران برأسهــا ثم جرت نحو غرفتهــا.. تنهدت أم سناد قائلة: أفتقد سنـاد.. وضع صلاح يده على يدها وقال: سيتصل بنـا حالمـا يصل نظرت إلى عينيه قائلة: أتمنـى ذلك.. مضت ساعاتٌ كثيره.. كانت أم سناد تسيـر في أرجاء المنـزل.. حينما أتى زوجهـا تسائل: ألا تجلسين يا أم سناد؟ ابتسمـت أم سناد ابتسـامة شافيـه: أرتقـب اتصــال سناد اقترب صلاح منها وأخذ يسير معهـا: سأنتظر معكِ أيضاً..! أخذ الاثنان يتسامران ويتحدثان إلى أن سـمعـا رنين الهاتف فتسابقـا نحوه.. رفعتــه أم سناد.. السلام عليكم...........! سناد: عليكم الســـلام.. أمــــي وصلت.. أم سناد: حمداً لله على سلامتكَ بني.. افتقدتك سناد: افتقدتكم أنا أيضاً.. أمــاه.. لست مرتاحاً من وضع هذه البلاد أم سناد: لا بأس عليكَ يا بني.. سنين قلائل ومن ثم ستعود لديارك فتصبــر بصبرٍ قويّ وكن ذا إرادةٍ وعزم عظيمان.. هاك َوالدكَ يا بني صلاح: كيف حالكَ يا سنــاد؟؟؟ ما أخباركَ هنــاك؟ سناد: بخيرٍ يا أبي.. ولكن.. لا أعلم إلى أين أتجه.. ضائعٌ أنا يا أبتي صلاح: توكل على الله يا بني وتوجه إلى خارج المطار وتفقد الجميع.. قد يتقدم منك أحدهم.. سناد: حسناً أبي.. سأتصل بكم لاحقاً إن شاء الله صلاح: إن شاء الله سناد: مع السلامه صلاح: في أمانِ الله أغلق سناد سماعة الهاتف وخرج من المطار أخذ يتلفت يمنـة ويسـرة.. وجال في رأســه.. ماذا سأفعل الآن.. هل سأبقى هنا طويلاً؟؟ يبدو أنهم نسوني.. طال الوقت.. أأتمشى قليلاً؟؟ لا لا قد يأتي لي أحدهم.. وأنا واقف كان هنالك رجلٌ يسير ذهاباً وإياباً يراقب الخارجين من المطار.. فصرت أنظر إليه وحينما لاحظني اقترب مني.. سألني بلغتـه الأجنبيه أأنتَ السيد سناد؟ فأجبتـه والإبتسامة لاحت على شفتاي.. نعــم.. فقال لي تفضل معي.. أخذني إلى سيارة أجره.. شغل المحرك وانطلق ينتقل من منطقـة لأخرى وأنا أراقب فساد هذه البلاد.. اللهم احمنـي منهم وثبتنـي على دينك.. وصلت بعد عدة ساعاتٍ إلـى مبنـىً ضخـم فخـم.. يبدو أنـه مبنـى الجامعـة الذي سأبقـى فيه.. أوصلني السائـق للبـاب ومن ثـم تركنـي أدخـل وودعنـي بعبارة واحدة..
إذهب إلى المدير أيها العربي.. قالهـا وفي نبرتـه الكثير من الحقد والحنق.. تجاهلـت نبرتـه وخطوت أولى خطواتي في هذه الجامعة.. أخذت أنظر حولي شاب مع فتاة يتحدثون بلا حجـاب وحيــاء.. ! أعتقد أن هذا الوضع سائد هنــا وعاديٌّ جداً.. !! وذاك ممسـك يد إحدى الفتيات ويسير معهــا وآخرٌ يحيط بذراعيـه حول إحداهم.. ارتأيت أن أسأله ولكني لم أكن أتوقع غير جواب واحد.. فهي حتماً لن تكون أختــه.. ! ترى ماذا يخبئ لي المستقبل هنا.. ما هي عاداتهم؟ وما هو أسلوب حياتهم؟ يبدو أني سأتعلم الكثير هنـا.. اقتربت من أحد الشبـان وكان مستنداً على الجدار وهو يطالع كتاباً.. سألتـه عن مكتـب المدير فأشار لـي بيده إلى أحد الأبواب دون أن يتحدث.. اقتربت من ذاك الباب طرقتــه وما دخلتـه حتـى أذن لـي.. طلب منـي الجلوس وتحدث معـي أجبتـه وحدثتــه بطــلاقة فكم كنت أجيد لغتهــم.. ساعدني لإعداد بعض الإجراءات والأوراق ومن ثم سمح لي بالإنضمام لصفوفي.. دخلت أول صف لـي في تلك الجامعـة.. لم يكن الأستـاذ قد وصـل بعد.. جلست بقربـي إحدى الفتيـات.. كانت ذات شعرٍ ذهبيٍّ طويـل أخذت أحملـق فيه.. التفت إلى نفســي فاستعذت بالله من الشيطان الرجيم وتذكرت تحذيرات أبي لي.. أخذت أجول بأنظاري في وجوه تلاميذ القاعـة.. لحظت أحدهم قام بعدمـا نظرتـه.. تقدم نحوي وقال: يبدو أنكَ عربي أجبتـه وبصوتٍ واثق: نعـم سألني وهو يبتسـم: ما اسمك يبدو أنه سيصبح صديقاً لي.. أجبتـه: سنـاد حاول أن ينطق اسمـي فلم يستطع فقال: سأناديك تشاد.. فهذا أسهل إلي كنت سأضحك ولكني تداركت نفسي أجبته: لا مشكلـة.. ما اسمك؟ أجابني وهو يرتب قميصـه: سميث
ابتسمت له وقلت: إذاً سميث.. أيمكن أن تكون صديقاً لي؟ رفع هامتـه وابتسم قائلاً: سأسعـد بهذا.. فمن مثلي! لي صديق عربي.. ! ابتسمـت ابتسـامةً عريضـه وصافحتـه بيد الصداقـة.. استادرت الفتاة الجالسـة أمامي وأخَذَت تنظر إليَّ بغرابــة! سألتني: أأنتَ عربي! استحييت من النظر في عينيها فأخذت أحدثهـا حاني الرأس: نعـم حدت صوتهـا وقالتها باستهتار: عربي.. أأنتَ مسلم؟ أوجستُ خيفـة منهـا ومن صوتها ولكني استجمعت شجاعتـي.. فقلتها وبفخرٍ: أنــا مسلــم مدت يدهـا لتصافحني ولكني اعتزلت مد يدي وتظاهرت أني لم أرها ولكنها تنحنحت وقالت أمد لك يد الصداقــة.. ترددت ولكني قلت ما سيضر إن صافحتهـا!! لن أفعل شيئاً مغايراً عن هذه البلاد.. كيف سأكون منهم إن رفضت الانخراط معهم! مددت يدي ولكنها كانت ترتعـد وترتعـش.. عرفتنــي على نفسهـا.. صوفي!! أأخبرهـا عن اسمي سناد أم تشاد!! تشاد سيكون أسهـل على لسانهـا... أنا تشاد استغربت اسمي فأخبرتهـا عن السبب.. تحدث سميث: يبدو أنك بدأت بكسب الأصدقاء.. ! أجبتـه: يبدو هذا.. نعم دخل الأستاذ فجلس الجميع في مقاعدهم.. كيف سيكون أسلوبه!! كيف ستكون الماده؟؟ بدأ بالاسترسال في الموضوع.. لم أكن أستوعب الأمر بادئاً لكني بدأت أتشفى بعض ما يقول وأفهم شيئاً فشيئاً.. مضـى اليوم بسرعـة وكم أنهكــت.. ذهبت إلى مكتب المدير لأخذ حقائبي فأرشدني إلى غرفتـي لأستريح فيها وتركني قائلاً: أتمنى أن تستمتع بإقامتكَ هنـا.. ارتميت على السرير وطبقت جفنـاي بعد لحظاتٍ قليلة تناهى إلى أسماعي طرقٌ على الباب.. من يكون يا ترى نهضـت متثاقـلاً.. فتحت الباب لأرى.. إنه سميث.. لا أعلم ما كان يريد لكني سمحت له بالدخول.. جلس معي على السرير وأخذ يحدثني عن أحوال الجامعـة وعن أسلوبهم ثم أخذ يسألني عن بعض الأمور في موطني وأخذ يستهزئ من بعض الأفكار التي أعتقد بها حاولت صده عنها والإجابـة عليه ببعض الأحاديث والفوائد ولكنه لم يأبـه لهـا وأخذ ينتقدني.. ثم ودعنـي لأن النعاس تداركـه.. غادرني وتركنــي وأنـا في حيـرة من أمري.. تتقاذفني أفكار كثيرة وتساؤلات عديدة ولم أستطع النوم إلا في وقتٍ متأخر.. فتحت عينـي بتثاقل شديد على صوت رنين الهاتف إنه موعد الإستيقاظ ما هذا النظام!! حتى هنـا يوجد نظام للإستيقاظ!! .. نهضـت وأنا أتأوه من التعـب.. أخذت أسير في أردهـة الجامعــة رأيت المدير متجهاً نحوي.. أشار بيده لي.. وحينما تقدمت منه دعاني إلى أن أتناول وجبـة الإفطـار في مكتبـه تقلبت الحيرة في قلبي ولكني لم أبدي أي رفض لعلـه يبتغـي أن يرحب بي أكثر! أخذت وجبـة الإفطار وتوجهـت نحو مكتبـه طرقت الباب فأذن لي.. جلست بالقرب منـه ووضعت وجبتـي على الطاولـة... أخرج وجبتـه وأصبحنـا نتناول الإفطار معاً.. أخذ يسألني عن بعض الأمور في موطني وواصل الإستماع بصمـت.. سألته بعدها عن الحيـاة هنـا فصـار يحدثنـي وأنا أصغــي باهتمام.. كم الحياة متحضــرة هنــا.. مضى الكثير من الوقت لأستأذن أنا فعلي الذهاب للدراسة.. سأجتهد منذ البداية فهذا أسهل من أن أفكر بـه في آخر العام.. شجعني المدير على أسلوب تفكيري وأرشدني ببعض النصـائح ورجح لي أن أذهب للدراسة في المكتبـة فأسعدني هذا.. خرجت من مكتبـه.. ذهبت إلى غرفتـي وأخذت كل ما يلزمنـي خرجت باحثاً عن المكتبـة.. رأيت أحد الأساتذة فأرشدني إليها.. التقيت بسميث في طريقي سألني عن وجهتي فقال أنه سيأتي معي.. ذهبت معه إلى حيث غرفتـه ليـأخذ بعض الكتب ومن ثم اتجهنـا إلى المكتبـة.. ارتأينا حجز إحدى الطاولات ومن ثم اخترنـا بعض الكتب للدراسة.. بعد لحظات اقتربت منـا صوفي.. زميلتنا في القاعـة فتنحنحت: تشاد.. سميث.. أفتسمحان لي بالجلوس معكمــا بقيت أنا حائراً.. تحدث حينها سميث: لا مانع.. تفضلي لحظت نظرات صوفي تنظرنـي بين الفينة والأخرى ولكني اعتمدت تجاهلها..
أثناء ما كنا ندرس خاطبني سميث: تشاد.. أحقاً أنك تعتقد أن هناك إلهاً واحداً!! أجبته والريبة تجتاحني: نعم فالله واحدٌ أحد.. تحدثت صوفي: وهل تعتقد أن الكون هذا خلقـه رب واحد!! أجبتها: نعــم أخذ الإثنان يخبروني عن طبيعة دينهم وحقائقـه المزيفــه ولكن قلبي قد استمــال لهــم.. استعذت بالله من هذا التفكيـر وطلبت منهم أن نركز على الدراسـة.. مضى هذا اليوم بدروسـه.. وازداد تأرجحي ولكني أحاول الثبـات.. عزمت على الاتصال بوالداي لعلهمـا يشدان عزيمتي ويقويان ارتباطي ويبعداني طريق الشوك.. كيف سأتصل الآن..! سأذهب إلى سميث لعلـه يأخذني لأبتاع لي أي هاتف.. ذهبت إلى غرفتـه وطرقت الباب.. سمع طرق الباب فنادى: من هنــاك.. فقلت: أنــا تشــاد سمعت خطواته تقترب من الباب.. فتحه وقال: أهـلاً.. أجبتـه: أهلاً بك.. سميث.. أبتغيك في خدمة يا صديقي قال سميث: قل ما تريد.. قلت أنا: أريد أن أبتاع هاتفاً لأتصل إلى أهلي.. اعتدل سميث في وقفته وقال: ألديكَ مال؟ فأجبته: نعـم ولكني بحاجة إلى من يدلني إلى أحد المحلات أومأ برأسـه وقال: أمهلني لحظات سأحضر سترتي وآتي معك لاحت الابتسامه على شفتي وقلت: خذ وقتك أتى معي سميث وصحبني إلى أحد المحلات أعطيته مالي لأنه سيتولى زمام الأمور فهو الأعلم بحال البائعين في منطقتهم.. ابتاع لي هاتفاً صغيراً بسيطاً ورقم خاص بـي يلبي حاجتي شكرتـه فأجابني أن هذا واجبه.. وصلنـا إلى الجامعــة فشكرتـه مجدداً وهو يعيد علي أن لا داعي للشكر ودعته وأسرعت نحو غرفتي.. أسرعت بالضغط على الأرقام لأتصل.. أخذت أستمع لرنين الهاتـف الطويــل ودقات قلبــي تطول معهــا.. أبي.. أمي.. أختي.. فاليجب أحدكم... ألوووووووووو صوتٌ أصمخ أذني.. إنهـا غفران غفران؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ عزيزتـــــــــي.. السلام عليكم بلهفـة أجابتني: وعليكــــــــــم الســــــــــلام أهــلاً سنــــــــاد كيف حااااااااالك؟؟ ماااأخبااارك هنااااااااااك؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ فأجبتهـا وأنا أقهقــه: بخيــر عزيزتي.. سأتأقلم مع الوضع قريباً.. كيف حالكِ؟؟ وكيف هي دراستكِ؟؟
أجابتني غفران: بخير والحمد لله تحدثت بعدها: كيف حال أمي وأبي؟؟ أهم بخير؟؟
أحسست بها وهي تقفـز: بخير.. بخير فابتهجت كثيراً للإطمئنان عليهما ناشدتها: من في المنزل؟ تغنـت بحديثها وقالت: أبـي فقط عجلتها: ناديه لي بسرعــة قالت حاضـر وتركت السمـاعه سمعتُ خطواتها السريعه تتوالى ونداءاتهـا لأبي تتعالـى.. بعد لحظات سمعت صوت أبي ينادي اسمي والدهشـة تعتريه لم تكن إلى لحظـات حتـى رفع أبي السمـاعة ليناشدني بأسإلتـه عن حالـي هناك.. سناد: آآهٍ يـا أبـي كم أنا مشتاق لكم.. صلاح: اشتقنـا لكَ أيضاً عزيزي.. كيف حالكَ هناك؟؟ سناد: تصـور يا أبــي المديـر شخصيـاً قام بالاهتمام بي ودعاني إلى تناول الفطور معـه في مكتبـِـه صلاح: ماا شـاء الله.. من مثلكَ عزيزي!! منذ اليوم الأول!! سناد: نعم يا أبي واختار لي غرفـة واسعـه مرتبـه وتناسبني.. كم أنا مرتاحٌ هنا صلاح: الحمد لله.. سناد: أبي.. لو تعلم منذ اليوم الأول حصلت على صديقين.. سميث وصوفي صلاح: صوفي!!!!!!!!!! أصبحت تصـاحب الفتيــات أيضاً!!؟ ما بكَ يا سناد؟؟ أجننت؟؟؟ سناد: مهلاً يا أبي.. لم أفعل شيئاً غريباً.. لا غرابـة هنـا في أن تكون صديقتي أنثى.. صلاح: أوليست الغرابـة في أن تسير مع أنثـى لا تقرب لك شيئاً!! أتخليت عن دينكَ بهذه السهولة يا بني!! أضيعت عقائدك؟؟ أتتهاون بالعقاب!! سناد: أبي.. ماذا سيقولون عني إن تجنبت لقائي بها!! صلاح: وهل يهمك رأي الناس أكثر من العقاب الذي ستحصل عليه من ربك!! سناد: أبي.. ما بك!! صلاح: ما بي!!!!! ما بي يا بني؟؟؟ أفتراني أسمع ما تقول وأظل صامتاً!! سناد: لا تخشى شيئاً يا أبي!! لا أزال أحفظ ديني.. صلاح: تحفظـه وأنت بصحبـة تلك!! سناد: أبي.. نحن لم نفعل شيئاً إلا الدراسـة مع بعضنا البعض تأوه صلاح بـألم: ضــاع ابنـي..
سناد: أبي أرجوك.. لا أزال على طريق الحق صلاح: حافظ عليه يا بني واجتنب ما ينحيك عنه.. لا تصاحب هذه الفتـاة سناد: لا أستطيع يا أبي.. ماذا ستقول هي إن تجاهلتها وأخبرتها أني لا أريد صحبتها صلاح: وكم أحتاج من الدقائق حتى أشرح لك الأمر!! أتهتم برأيها ولا تهتم برأي دينك!! سناد: لم أقل هذا يا أبي صلاح: أحدثك منذ مدة عن هذا ولا تزال مصراً على عنادك هذا.. عنادك سيصحبك إلى شفى الإنهيـار حذار ممن تصاحب.. سناد: لن تستطيع هي فعل أي شيئ ينحيني صلاح: مما يبدو من كلامك أنك لن تستوعب الأمر.. أنا مضطر لإنهاء الحديث معك سناد: ولكن.. أبــــــــي صلاح: لا تهمـل القرآن.. مع السلامه سناد: أبــ... وتم فصـل الخط
أقفلت سماعـة الهاتـف في وجهه وتهاويت على الكرسـي مدهوشـاً.. أهذا هو ابني!! أغمضت عيني وضعت يداي على رأسي وأسندته على الكرسي.. سمعت صوت باب الدار يفتـح ولكني لم أعره أي اهتمام فدوامــة الألـم والأســى أنهكتني وسلبت منـي قواي.. أحسست بيد أحدهم على يدي أزحتهـا.. رأيت زوجتـي تنظر إليّ والحيرة تتلألأ في عينيها.. هتفت: صـلاح.. ما بك؟؟ احترت ماذا أخبرها.. كيف أجيب عليها.. أطلت النظر في عينيهـا وأنا لا أزال حائراً.. فتحدثت هي والخوف هدج صوتها: صلاح.. بالله عليك.. أخبرني ماذا حدث.. نهضت متثاقلاً.. أمسكت يدها وسحبتها معي بعيداً عن غفران.. دخلنا غرفتنـا وأجلستها على المنضدة يا أم سنـاد.. وانقطع صوتـي ألحظهـا تريد أن تقفـز لرأسي لتشهد ما يجول فيه كلمـا أردت الحديث تراجعت خشيـة عليها ربتت على كتفـي وقالت: تحدث يا زوجي.. فمهمـا حدث سأكون إن شاء الله من الصابرين استجمعت ما لدي من قوة وقلت: يا أم سنـاد.. يبدو أن ابنكِ سيتهاوى اتسعت عيناها وقالت: سيتهاوى؟؟ ماذا يحدث؟؟ ما بهِ سناد؟؟ أطبقت جفناي وتنفست الصعداء ثم فتحتها وقلت: تعرف هناك على صديقين.. أحدهم اسمه سميث والـ.. صوفي.. استغربت الأمر وقالت: أليس صوفي اسمٌ لفتاة!! نظرت إليها بأسى: نعم.. صمتت لوهلـة ثم قالت: أأنت متأكد!! أمعقولٌ أن يصاحب ابني فتـاة!! وضعت يدي على كتفها وقلت: بل صدقي وقد قالها أيضاً غير مبالي.. يقول ما الغرابة في صحبـة أنثى!! لا أعلم إلى أين سيصل هذا الولد.. قلت هذا ثم أخذت أنظر إلى وجهها وإذا به خالٍ من التعابيـر!! همست لها: يا أم سنـاد.. بالله عليكِ تحدثي قالت بلهجـة مخنوقـه: خيراً حصل إن شاء الله.. ادع الله بأن يحفظـه ويهديـه
أبي أقفل الخط في وجهي!! ما بهِ متعصـب هكذا!! لم يتـح لـي أي فرصـة لشرح وجهـة نظري.. أين حريـة الفكـر التي كان يتغنـى لي بها؟؟ هداه الله!! بقيت حائراً.. ماذا أفعل الآن أأترك صحبـة صوفي!! ولكن ماذا ستقول عني إن تركتها!! أأطيع أبي في هذا أم لا!! لا يهم.. سأفعل ما يحلو لي طالما هو لا يعلـم.. أووووه تعبـت من التفكيـر.. سأتركـه للغد.. أغفلـت أفكاري وطبقت جفناي.. بزغ فجر الصبـاح واستيقظت على ضوءه الضارب في عيناي.. أخذت أسير في حديقـة الجامعــة.. وجدت سميث.. كان واقفـاً بجانب إحدى الأشجار وفي يده سيجاره.. اقتربت منـه لمحنـي فبادر: صبـاح الخير أجبتـه: صباح الخير.. تحدث سميث: أتريد أن تدخن!! استنفرت ذلك وقلت: لا لا أنا لا أدخن هز رأسـه وقال: الجميع يدخن هنـا إن لم تدخن ستكون شاذاً عن بقيـة الشبان استغربت ما قال فأجبته: وهل تعتبر الإمتناع عن الموت البطيئ شذوذاً!!
سحب نفساً عميقاً في سيجارته ونفخـه ثم قال: أفترى كبار السن ميتون!! أرى الكثير من المسنين يدخنون منذ فترة شبابهم ولايزالون على قيد الحياة!!
هززت رأسي سلباً وقلت: وكيف ترى صحتهـم اعتمد تجاهل ما قلت ووجه سيجارته نحوي وقال: جرب.. لن تضرك محاولـة واحدة فقط جرب.. فكرت قليلاً وقلت.. مالذي سيضرني.. هي مرة واحدة ولن أعيدها.. أخذتها من يده وسحبت الدخـان ليمـلأ رئتـاي فتنفسـت دخاناً أنعشهـا.. أخرجتــه من صدري.. نفثتــه فارتعشــت رئتـاي وأحسست بنشــوة الدخـان!! أحسست بأنـي أرتجـي المزيـد.. استنشقـت النفـس الثانـي والثالـث والرابــع إلى أن كادت السيجاره أن تنتهـي التفـت إلى سميث وهو يراقبنـي كاتماً ضحكــه.. قال وهو يقهقه: أهذا من كان يقول أنه لا يدخن!! ضحكت وقلت: شدنـي الاحسـاس بهـا.. أحسست بشيئ غريب.. ممتـع.. لا أعلـم كيـف أصف لك ابتسم ابتسامة عريضة ثم قال: لا بأس صديقي.. يبدو أنكَ بدأت تنخرط معنـا.. أنت منـا الآن اكتفيت بابتسامة رضا تعبيراً عن امتناني وشعوري.. مضت عدة دقائق كان سميث فيها يحدثنـي عن بعض المواقف التي صادفتـه في حياتـه.. التفت للوقت فرأيت أنه قد بقيت ساعـة على الدرس القادم فاستأذنت من سميث للذهاب للدراسة.. فلم يمانع.. ذهبت إلى غرفتـي وحانت منـي التفاتـه إلى الهاتف.. هل أتصل بوالدي؟؟ أتمنـى أن لا يكون غاضباً.. سأتصـل وليحصـل ما سيحصـل.. أسمـع رنين الهاتـف.. كمـا هو ذا رتيـب متتابـع طويـل.. صوت خافـت يبدو أنـه لتوه قد استفـاق من النوم: السـلام عليكـم.. أجبت: عليكم السلام.. أمي! ارتفعت حدة صوتها: سنـاد!! نطقت بلهفـة: نعم.. سناد يا أمـاه.. كيف حالكِ؟؟؟؟؟؟ اشتقتكِ انقلبـت لهجتهـا أسىً وحسـرة: وفي أي حالٍ تريدني أن أكون!! ما آخر أخبارك هناك؟؟ ارتعدت مفاصلي وعرق جبيني أجبتهـا بارتبـاك: بخير والحمد لله تناهت كلماتها كـالسهام على قلبي حين قالت: بخير وأنت ستهلـك نفسـك!.. اعذرنـي يا بنـي.. لدي أعمالٌ كثيرة.. مع السلامه تداركتها قائلاً: أمي!! .. أأبي هنـا!! دعيني أحدثـه من بعد إذنك.. أجابتني: نعـم.. انتظر ماهذا!! أكل ما يحدث من أجل صحبتـي لـفتاة!! عقدوا الأمر كثيراً!! صلاح: السلام عليكم سناد: عليكم السلام صلاح: ما آخر ما فعلت من أمور عقلانيه!! أما تطمئننا!! بدأت أتلعثم.. أأخبره عن السيجاره!! زاد من حدة صوتـه: ماذا فعلت أيضاً؟؟ سناد: دخنت سيجاره يا أبي.. واحدة فقط.. لا تقلق صلاح: أترمي بنفسـك إلى التهلكــه؟؟؟ تتجرأ وتقول لا تقلق أيضاً!! سناد: أبي.. كانت سيجارة واحدة.. صلاح: وبعدهـا ستدمنهــا.. أجننت؟؟ آآه لقـد نسيـت أنت قد جننت منذ فتـرة طويلـة.. سناد: أرجوك أبي افهمنـي صلاح: ماذا أفهم فيك!! أتريد منـي أن أعذرك على سلك هذا الطريق الوعـر!! ألم تستطـع تحاشـي كل ما حصل!! سناد: أبـي صلاح: ماذا ستقول أيضاً!! أستوصلني بـخبرٍ محبطٍ آخر!! سناد: لا.. خيبت أملنـا فيك.. لم نكن نعتقـد أنـك ستتعثر هكذا.. أتقرأ القرآن؟؟ أم أهملتــه!! لا داعي لأن أنتظر جوابك.. فمن يقرأ القرآن يزداد يقيناً وثباتاً على الطريق القويم.. وما خبر الصلاة يا بني؟؟ أتصلي فرائضك الخمسـه؟؟ هنـا أيضاً لن أنتظر الجواب.. فما نعلمـه أن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهـى عن المنكـر.. وا حسرتـاه عليك يا بُني.. ضاعت السنين التي ربيناك فيها.. ربيناك على طريق أساسي ومستقيم وتذهب إلى هذا البلد لتغير مسارك كليـَّـاً!! فالتسمعنـي جيداً.. إن لم تصلـح من طريقك الوعـر هذا لا تفكـر بالإتصــال بـي.. أهذا واضح؟ سناد: و... صلاح "مقاطعاً سناد": ألديك ماتريد إضافته! أهناك اعتراض على ما قلت؟؟ أتستطيع إنكار أي شيئ؟؟ سناد "بنبرة حزينه": لا يا أبي صلاح: مع السلامة إذاً
لم يتح لي أبي أي مجال لـتبرير مواقفي فقد كان يتهجـم علي بأي حرف أقولـه.. حتـى أنه لم يترك لي المجال لتوديعه!! آآه.. ماذا يحدث للجميـع؟؟ ليتهـم يتركونـي بمفاهيمي التي أود الاعتقاد بهـا.. أم سناد: ما بك يا صلاح!! أراك منزعجاً.. صلاح: أتريديني أن أبقـى سمِحَ الوجه بعدمـا حدثت ابنكِ؟؟
أم سناد "تنهدت بألم": ماذا فعل أيضاً؟؟ صلاح: لن أزعجك بما يفعـل، ادعي الله بـأن يهديـه.. أم سناد: اللهم اهده واحفظـه من أعداء الإســلام.. صلاح: يا الله غفران: مابك أبي! صلاح: لا شيئ بنيتـي غفران: إذاً لماذا هذا القنوط على وجهك؟؟ صلاح: مشكلـة أزعجتنـي غفران: ثق بالله يا أبي كمـا علمتني.. فالله سيفرج أمرك صلاح: بارك الله بكِ يابنتي.. حفظكِ الله على طريق الهدى غفران: معكم إن شاء الله.. أم سناد: غفران، تعالي معي لنجهز مائدة العشـاء غفران: حاضـرة.. ابتسمت ابتسـامة رضـا.. على الأقل لدينـا غفران.. ذات العقل الراجح.. ثم نهضت لإجراء مكالمـة عمـل ريثمـا تجهـز مائدة العشـاء..
قضيت ليلتي أرقاً.. محتـار متوجـع.. تململت في فراشي ثم نهضـت.. ارتديت قميصاً طويلاً ثم خرجت متوجهاً إلى حديقة الجامعـة.. جلست تحت إحدى الأشجار وأخذت أنظر إلى السمـاء شارد الذهن وبقيت على هذه الحالـة حتـى قاربت الشمـس على البزوغ.. توجهت نحو غرفتي وقمت بإعادة قراءة بعض الدروس ومن ثم ارتديت ملابساً مناسبـه وخرجت.. رأيت سميث خارجاً.. فبدأ الحديث: صباح الخير سناد: صباح الخير سميث: ما لكَ تبدو وكأنكَ واجهت إعصار!! سناد: لم أنم منذ اليوم الماضي سميث: ما الذي شغل تفكيرك!! سناد: مشكلـة مع أبـي.. سميث: لماذا؟ ماذا حدث؟ سناد: لا أريد شغلك بالأمر.. دعنـا نذهب إلى المكتبـة.. سميث: كما تريد.. اجتهدنا في الدراسة وبدأنا العمـل على بعض البحوث العلميـه وبدأنا العمل على مشروع لأحد المناهج أيضاً.. مرت الأيام بسرعـة ولم أعد أتصل بأهلي، بدأت أكون علاقات أكثر وأكبر في هذا البلد، وأصبحت معروفاً بين التلاميذ؛ فلطالما كنت أعمل مع الجميـع وأزور البعض أحياناً، أما أنا وسميث فقد توطدت علاقتنا أكثر وأكثر وأصبحت واحداً منهـم أيضاً..
.الفصل الثاني.
مرت سنتان وقاربت الثالثه على الانتهاء، تذكرت أني لم أعد أتصل بتاتاً إلى أهلي، ففكرت مليـاً فوجدت أن علي الاتصال للإطمئنان عليهم.. اتجهت إلى غرفتي.. بحثت عن رقم المنزل.. وجدته تحت أنقاض السرير وقد تعالت عليه حبات الغبـار.. أسرعت بإدخال الأرقام إلى الهاتف ولكني توقفت عند زر الإتصال مرتبكاً حائراً مضطربا.. أخشى الاتصال فيهاجمني أبي.. سأتصل وليحدث ما يحدث فلم يبقـى الكثيـر على حين عودتي.. ضغطت زر الاتصال وبدأت أضطرب لكل رنـة للهاتف وحبات العرق تتساقط.. ما بي!! وكأني سأواجـه شيئاً خطيراً!! هو ليس سوى منزلي!! لماذا كل هذا القلق والاضطراب الذي يعتريني، وأنا في غمرة صراعي أجاب على الهاتـف صوتٌ بدا عليـه التعب والإرهاق لم أكد أتعرفـه.. إنـه صوت والدتـي.. تقطعت أحرفـي على لسـاني.. أ.. أ.. أمــ.. أمـــاه!! ما إن نطقتهـا حتى سمعت صوت والدتي وهي تجهـش بالبكـاء.. أحسست بلوعـة تختلج صدري وخنجر حامـي على جسدي.. توقفت عن البكاء بعد فترة قصيرة ما أن هدأت حتى قالت: بني!! لم كل هذا الجفـاء منك؟؟ أتتوقع أني لا أريد أن أطمئن عليك؟؟ أكنت تعتقد أن بالي سيهنـأ وأنا لا أعلم عنك أي شيئ!! اختنق صوتي ولكني حاربتـه لأتحدث: أمـاه شغلتني دراستي.. أكملت الكثير ولم يبقـى سوى القليل.. تحدثت أمي بوهن: شغلتك أم تناسيتنا!! شعرت بألمي يزداد واحترت في الاجابة: أمـاه.. أحسست بشيئ من الصرامـة في نبرة صوتها وهي تقول: لا تبطئ علينا مرة أخرى أنبني ضميري على مافعلت، أجبتها: حسناً يا أماه ولكن اعذريني إن قصرت هذه الأيام فالامتحانات النهائية تبدأ بعد أسبوع وستستمر معنـا ربمـا شهر، وإن انتهينـا سنبدأ الترتيبات والاستعدادات لحفل توزيع الشهادات.. هدأت قليلاً وقالت: وفقكَ الله يا بني.. اهتم بدراستك جيداً واجتهد.. نحن لا نقبـل إلا بتحصيلك للشهادات البقيـه ابتسمت وقلت: لا تقلقي أماه.. سأجعلكِ فخورة بي.. كيف حال أبي وأختي؟؟ ارتضـى صوتها وقالت: الحمد لله الإثنان بخير.. ارتحت لذلك كثيراً.. حدثتها كثيراً وأخبرتها عن الشهادات والتقديرات التي حصلتها طوال هذه الأشهر والأعوام.. بعد ذلك كنت مضطراً لإنهاء المكالمة فعلي أن أكمل مشاريعي أوصتني بالمزيد ثم أغلقنا الخط.. كم أنا سعيد بالحديث معهـا مع أن نبرات صوتها كانت حزينه.. بدأت أكمل ما كنت أعمل عليه وأنا في أوج سعادة ولكنها جوبهت بقليل من الحزن والأسى.. هززت رأسي لأنفض الأفكار القاتمه عنه والتفت نحو عملي وانهمكت فيه..
أم سناد: صلاح.. أما زلت تعمل؟؟ صلاح: نعم.. أم سناد: إن ابنك قد اتصل لتوه.. صلاح: ماذا كان يريد؟ أم سناد: يطمئن علينا.. ستبدأ امتحاناته قريباً وبعد أن يستلم الـ... صلاح "مقاطعاً": يا أم سناد.. لا داعي لأن تخبريني عنه شيئاً.. أم سناد: هو ابنك مهما فعل.. صلاح: ابني! ههه أم سناد: ما بك! صلاح: ابني ويرفض أن يستمع! يظن أنه بأفكاره محصن! أهمل دينه.. بالأحرى قد تخلى عنه! أم سناد: سنتحدث معه إن عاد صلاح: أتعتقدين أنه سيستمع؟ أم سناد: لا تستعجل الأمور.. سأبدأ الحديث معه صلاح: لا فائده.. أم سناد "حركت رأسها نفياً": سأذهب لأرتب المائده.. صلاح: حسناً.. "خرجت زوجتي وأغلقت الباب خلفها، ثم انهمكت في عملي، ولم يمضي الكثير حتى طُرِقَ الباب وأطلت غفران منه" غفران: أبي..! صلاح: أهلاً عزيزتي، تعالي غفران: سيعود أخي قريباً أليس كذلك؟ صلاح "بتهجم واقتضاب": نعم.. غفران: لماذا إذاً تبتغـض من هذا؟ صلاح: عليكِ أن تعلمي يابنتي أن أخاكِ لم يعد كمـا كان.. غفران: ماذا تعني يا أبي؟ صلاح: إنَّ أخاكِ قد اختلفت مبادئه غفران: لست أفهم! صلاح: أعني أن أخاكِ لم يعد يؤمن بفكرة التوحيد غفران "صعقت": كيف هذا؟ لماذا؟ كيف حصل؟؟ أمتأكد أنت يا أبي؟؟ صلاح: نعم، حصل ما حصل وفعل ما فعل، لتعلمي أيضاً أنه بدأ يدخن.. غفران: ولكنه كان يمقـت التدخين!! صلاح: أعلم هذا جيداً.. غفران: سيعود بعد شهران تقريباً صلاح: ليعد متى يريد، لست أهتم بذلك.. غفران "أحنت رأسها": حسناً أبي، طلبت مني أمي أن أخبرك أن الغذاء جاهز.. صلاح: سآتي حالاً.. "اجتمع الثلاثه على المائدة وتناولوا الطعام بهدوء.." مضت الأيام وتلتها الأسابيع ولم يأتِ أحدهم بذكر سناد، في احد الأيام اتصل ليخبرنا باليوم وبموعد الوصول فأخبرته أمي أنها ستأتي وأبي ليأخذانـه.. لم يبق إلا أسبوع واحد ويعود.. في وقتٍ متأخر من الليل كانت أمي تشكو من المرض، كم كان قلبي يعتصرنـي.. أمي تتألم أمامي وأنا لا حيلـة لديّ، في كل لحظة أقترب منها لأتأكد من أنها لا تزال مستيقظـه، ولأسألها عن إذا كانت تحتاج إلى أي شيئ.. بدأت أرتب المنزل لأشغل نفسي إلى حين عودة أبي.. ما أن اقتربت ساعة عودتـه حتى وقفت بالقرب من باب المنزل أنتظره، كنت أقف عدة لحظات ومن ثم أعود لألقي نظرة على جسد أمي المستلقي على الكرسي الطويل وأعود بعدها لأنتظر أبي، ولم أزل على هذه الحالـة حتى عاد أبي وأيقظهـا ثم أخذها إلى غرفتهـا لتستلقي على السرير.. كنت خائفـة، لكن أبي هدأ من روعي وأخبرني أن أمي ستكون بخير وسيأخذها في الصباح إلى المشفـى إن استلزم الأمر.. مر الليل صعبٌ على قلبـي.. كنت قلقـة على أمي، ولم أنم إلا بصعوبـة بالغـة أتـى الصبـاح فنهضـت مسرعـة، خرجت من غرفتـي ووجدت أمي في المطبخ!! غفران: أمي؟ أم سناد "بصوتٍ يغلبـه التعب": صباح الخير عزيزتي، هل نمتِ جيداً؟ غفران: كيف نهضتِ من فراشكِ؟ أم سناد: أحسست بقليلٍ من التحسن فنهضـت..! غفران: لا يا أمي.. لم يكن عليكِ فعل هذا.. لتوكِ تحسنتِ قليلاً تبدأين بالعمل مجدداً؟؟ اجلسي وأنا سأكمل.. أم سناد: لا داعي لهذا، أشعر بتحسن كبير يا عزيزتي غفران: اتركيه يا أمي "تقدمت منها، أخذت ما بيدها، طلبت منها الجلوس ثم أكملت اعداد الفطور" أبا سناد: صباح الخير.. غفران: صباح النور.. أبا سناد: أين أمكِ؟ غفران: طلبت منها أن تجلس، لربما هي في القاعه
أبا سناد "استطال النظر": خيراً ما فعلتِ.. ماذا تصنعين؟ غفران "ابتسمت": الفطور أبا سناد: بارك الله فيكِ مضـى اليوم بهدوءٍ وسكون شديدين..
جاء أبي مسرعاً وهو يخاطبني: غفران، سآخذ أمكِ للمشفـى غفران: أبي..!! ألم تكن أمي بخير منذ قليل؟؟؟؟؟؟؟؟ صلاح: لا وقت لكل هذا.. سأتصل بكِ فيما بعد..
"وهكذا، قال أبي هذا وخرج.. أحسست بالخوف الشديد، لست مرتاحـة لهذا أبداً.. تقدمت مسرعـة نحو النافذة ونظرت خارجاً فوجدت أمي محمولة على ذراع أبي.. هالني رؤيـة هذا وتراجعت فزعـةً.. أمي، مابكِ؟؟ جلست على حافة السرير، قلبي يخفـق بقوّة وجسدي يرتعش اضطراباً.. نظرت حولي، أبحث عن الأمان عن البيان.. توجهت نحو كتاب الحكمة، كتاب الله، حملتـه بين ذراعيّ وضممته بقوّة إلى صدري طالبـةً الأمان والراحـة والطمأنينـه.. جلست وأنا أستند على الجدار وأضم القرآن إلى صدري أكثر وأكثر حتى أحسست أني كدت أن أهشمـه وأكسـر أضلاعي! جلست وأغمضت عينيَّ بقوةٍ هرباً من الفزع الذي يحوطني.. فتحت عينيّ بعد فترة وجيزة، فتحت القرآن الكريم، وبدأت أرتل آياتـه إلى أن سكنت نفسـي إليه وأحسست بالراحـة تكتنـف قلبي.. أغمضت عيني بعدهـا وأسلمت نفسـي للنوم حتى أعوض ما فاتني الليلة الماضيـه.. استيقظت على صوت رنين الهاتف الرتيب فنهضت مسرعـة وأجبت.. غفران: السلام عليكم - عليكم السلام.. غفران، أنا سناد..! غفران: سناد..! اشتقت لكَ كثيراً، لماذا لم تعد تتصل؟؟ كيف حالك؟؟ سناد: الحمد لله، لا بأس، اتصلت لأذكركم أني سآتي بعد خمسـة أيام.. غفران: لم ننسـى ذلك، لا تقلق سناد: حسناً، أراكِ حينها غفران: مع السلامه..
"أبي متى تعود..؟ قضيت اليوم في قلقٍ وحيره.. أخبرني أبي أنه سيعلمني عن حال أمي إن وصـل، لماذا لم يتصـل؟؟ أمعقولٌ أنه لا زال في الطريق!! سأتصـل به.. ربما نسي أمري.. بدأ الهاتـف بالرنيـن.. - مرحباً.. من يتكلم؟ غفران: أبي!! أهذا أنت؟؟ - لا يا صغيره.. أهذا هاتف والدكِ؟ غفران "اختلج الخوف قلبي": نعم!! - كم عمركِ؟ غفران: ستـة عشر - كبيرة إذاً.. أتستطيعين الحضور للمشفـى الدولي؟؟ غفران: نعم، أيمكنني أن أتحدث مع والدي؟ - ستتحدثين معه حينما تأتين.. غفران: حسناً، سآتي حالاً.. "أقفلت الخط وأسرعت بارتداء عبائتي.. ثم خرجت أسير بخطواتٍ كبيـره مسرعـه، فالقلق قد أخذ مأخذه منـي، لماذا أجاب هذا الغريب من هاتف والدي؟؟ كيف وصل هاتفـه له؟؟ لربمـا طلب منـه أبي ذلك..! يكفيني تفكيراً، سأعرف كل شيئ حينمـا أصل.. وصلت إلى المشفـى بعد حوالي نصف ساعـه، أسرعت نحو مكتب الاستقبـال ودلوني على القسم الخاص بالعمليات..!! كاد الخوف أن يغشيني لكني تماسكت وأكملت المسير.. وجدت هناك مكتبٌ أيضاً أخبرتهم عن اسم أبي فنادى أحدهم إحدى الأطباء، أخذها في زاويـة، تحدث معهـا قليلاً ثم أتت نحوي.. الطبيبه: السلام عليكم غفران: وعليكم السلام.. خيراً يا دكتوره!! الطبيبه: أنتِ غفران إذاً!! غفران: نعم..! أنا غفران.. الطبيبه: ألديكِ أخٌ أو أخت يكبرانكِ؟ غفران: أخي مسافـر الطبيبه: تعالي عزيزتي غفران: إلى أبي؟؟ الطبيبه: اجلسي معي قليلاً.. "أخذتني إلى حيث مكتبهـا" غفران: والآن؟؟ الطبيبه: عزيزتي، لا أعلم ماذا أقول لكِ.. غفران "سرت في قلبها رعدةٌ من خوف": بالله عليكِ تحدثي.. ماذا يجري؟؟ الطبيبه: تعلمين أن كلُّ منـا له يوم.. ولا اعتراض على قضاء الله.. غفران "انبجست الدموع من عينيها": أمي؟
الطبيبه "اقتربت الدكتوره ووضعت يديها على يد غفران": اليوم اختـار الله والداكِ.. عظم الله لكِ الأجر صغيرتي..
غفران "مذهوله": كيف!!!!! أبي!!! أمي!! كيف؟؟؟؟ الطبيبه: أصيبا بحادثٍ بالقرب من المشفى، لم نستطع فعل أي شيئ.. كان الأوان قد فات.. غفران "هزت رأسها بقوّه": وعدنـي أن يتصـل وعدني.. أنا في حلم، أليس كذلك؟؟ أريد أن أفيق.. أكره الأحلام.. أبي، أيقظنـي أرجوك الطبيبه "أمسكت غفران من كتفيهـا": استهدي بالله عزيزتي "ما قالتـه الطبيبـه هدأ من روعهـا وسكن نفسهـا" غفران "تندت أهدابهـا بالدموع": إنا لله وإنـا إليه راجعـون.. لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.. الطبيبه: لا بأس بالبكاء بنيتـي "احتضنتني وتركتني أبكـي قرب قلبهـا الرقيق الحنون، مضى الكثير حتى شعرت بالتعب الشديد، أحضرت لي كأساً من الماء، شربتـه ثم شكرتهـا.. شدّت على يدايَ ودعت لي بالتوفيق والصبر العظيم.. طلبت منهـا رؤيـة جسد والداي، لكنهـا قالت لي بأنني سأراهمـا ولكن ليس الآن.. أحسست بأني أختنق لكنـي استعذت بالله وتنهدت.. تنفست بعمق، سأراكمـا في آخر ثوبٍ لكمـا يا والداي.. دمعت عيني.. استأذنتهـا بالعودة إلى منزلي، عرضت عليّ أن ترافقني لكنـي أخبرتهـا أنه لا حاجة لهذا.. خرجت من المشفـى حائـرة، أناشد الصبر والعزم، وأتصبـر بصبـر زينب عليها السلام، أتذكر المصائب التي واتتها وبقيت صامدة قوية العزم، وقد خفف عليّ هذا الكثير.. وصلت إلى المنزل وتهاويت على الكرسيّ مغمضـة العينين، أتذكر والداي وهم يتنقلون من زاويـة إلى زاويـة.. أمي، يا نبع الحنان سأشتـاقكِ.. أبي، يا أملي سأشتاقك.. لجأت إلى ملاذي، توضأت وجلست على مصلاتـي أقرأ وأرتـل كتـاب الحكمــه، وأبتهـل إلى الله بأن يرحم والداي ويخلدهمـا في جناتـه منعمين مطمئنين..
أتى جميع أفراد عائلتي بتقديم العزاء وقمنـا بإعداد مجلسٍ يذكر مصيبـة الحسين وزينب عليهما السلام.. لم يمض الكثير حتـى أنهي تغسيل الجسدين، فتركت الجميع وتوجهت نحو المغتسـل، حاول البعض منعـي عند الباب لكنـي ولشدّة عزمي دخلت لأودع والداي.. رأيتهم بلا حولٍ ولا قوةٍ، بلا نفسٍ بلا حركـه، تقدمت نحو أبي، أبتــي، جلست على ركبتـاي ووضعت رأسي على المغتسل بالقرب من رأسه بعينٍ دامعــه بتلت وجنتـاي، أبي، سبقتنــا ونحن اللاحقـون، ودعت الجسد، وسنودعـه أيضاً في يومٍ مـا، سبقتني أبي، تركتنـي ولا اعتراض على مشيئـة الله، أبي، اغفر لي إن أخطأت بحقـك، سامحنـي، ولا تقلق على سناد، أتسمعني أبي؟؟
سأقنعـه بالإسلام وأطهـر أفكاره بحكمـة وذكاء، سترى ذلك بنفسك، نهضت واقتربت من وجهه قبلت رأســه ووجنتيه ثم يديه، أحبكَ أبي.. اقتربت من والدتي وبدأت توديعها، كم كنـت مقصـرة في حقكِ أماه، سامحينــي، لا تقلقي عليَّ فأنا سأكون بخير، سأهتم بالمنزل جيداً في غيابكِ، لن أهجـر القرآن، سأبقى محافظـة على صلاتي، سأدعو لك في كل يوم، أنتِ وأبي، قبلت رأسها وجنتيها ثم يديها وحتى رجليها، أحبكِ أمي.. أمـي، أبـي رحلتمـا معاً لتلتقيا غداً، بلغـا سلامي لجدي.. إلى الملتقى.. خرجت والدموع تبتهـل على وجنتـاي وملابسـي، تركت الجميـع وعدت إلى منزلـي لألجـأ بــملاذي، تحت رحمتــك إلهـي، يا ربــي، أعنـــي على هدايـة أخـــي..
مضت الأيام واندمـل الجرح قليلاً، أدعو لهمـا في كلّ يوم فأنا لا أنسـى من كانا السبب في وجودي.. حان موعد عودة سنـاد، أصابني بعض القلق لكنـي طمـأنت نفسـي بأن كلّ شيئ سيكون بخير.. بدأ الهاتف بالرنين، توقعت بل جزمت بأنـه سناد.. أجبت مسرعةً.. غفران: السلام عليكم.. سناد؟ سناد: عليكم السـلام!! كيف عرفتِ؟ غفران: إحساسي لا يخيبني سناد: ألن يأتي والداي لاصطحابي من المطار!! غفران "ارتبكت": ليس هنا.. سناد: أين هو إذاً؟؟ غفران: ألا يمكنكَ أن تأخذ لكَ سيارة أجره؟؟ سناد: بلى.. ولكن لماذا؟؟ غفران: لا شيئ، لا أعتقد أنهم سيستطيعان أن يصطحبانك من هناك.. تعال أولاً بعدهـا ستعرف.. سناد: حسناً، أراكِ لاحقاً إذاً.. غفران: سأنتظرك.. ...
لم يمضي الكثير حتـى وصـل سنـاد، استقبلتـه بالأحضـان وحاولت إخفاء استنكاري منه.. كان سعيداً جداً.. سأل عن والداي.. طلبت منـه الجلوس، وجلست بالقرب منه.. غفران: أخي.. عظم الله لكَ الأجر فيهم سناد: ماذا!!! غفران: عظم الله لكَ الأجر فيهــم
سناد – وقع في صمتٍ غريب – ثم أنّ أنــةً تنـم عن توجــع مخيــف.. غفران: إنا لله وإنا إليه راجعون "قلت هذا فأحسست بأنه ينظر إليَّ بغرابــة، اعتمدت تجاهـل هذا.. أغمض عينيه ثانيـةً وأسند رأسه على يديه..
بدأت أراقبـه لعلـه يتحرك أو يتحدث ويقول شيئاً لكنـه وقعَ في صمتٍ مرير.. رفع رأسـه بعد لحظـات، وقال: من التراب وإلى التراب.. سأدعو لهمـا بالمغفره.. "قال سناد هذا ثـــم نهـــض واتجـه نحو غرفتـه وانهمـك بإعادة ترتيبهــا"
ها قد مرت عدة أسابيـع منذ ذلك اليوم.. ذات يوم استيقظت مبكـرة كعادتـي أما هو فلا أعلم مالذي دعاه للإستيقاظ!! أديت الصلاة ومن ثم قررت الذهاب لأراقب السمـاء، فـأتى معـي.. نحو الفجر نهضنـا بأحلامنـا، بقينا ننظر إلى الشمس وهي تبزغ من بين الغيوم نحو عنان السماء.. ألوانٌ عديدة تلونت بها السمـاء.. بقيت أراقب أخي أينما تتجـه عينـاه، تنهدْتُ ودمعت عيناي إثـر ذلك.. التفت إليَّ ثم دار بيننا هذا الحوار.. سناد: مابكِ عزيزتي؟؟ غفران: آآه، كم أفتقد والداي.. سناد: عزيزتي، لا تفكري في هذا كثيراً وادعي لهما بالمغفرة والرحمة غفران: يــــا ربــــي "أحسست باختلاج أحاسيس سناد فبادرتـه: سناد..! سناد: نعم..! غفران: أتعتقد حقاً أن كل هذا الابداع والاتزان في هذا الكون لم يكن بصنع إلـهٍ واحد!! سناد: قبل كل شيئ عليكِ أن تعلمي أنني أؤمن بهذا حقاً، وأتمنـى لو تكونين معـي.. غفران "صدرت منها آهـة جريحـه موجوعـه": يا أخي إنك لعلى طريق خاطئ وغير سوي.. ماذا ترى في القرآن؟؟ أمن المعقول أن يكون من عند عدة آلهـة!! ومعاذ الله أن يكون ذلك.. سناد: اتركي عنكِ هذا الأمر.. غفران "هزت رأسها في استنكار وقالت بشيءٍ من الحدّةِ والإصرار": سناد.. ألم تنظر إلى السماء منذ قليل وهي تشرق!! فكر معي قليلاً، لو كان هذا الكون بحكم آلهـة ثلاثـة لرأيت نتـاج الاختلاف واضحٌ وهذا أمرٌ لا خلاف فيه.. لو كان الأمر كمـا تنظـر إليه لم تكن لترى هذا النظام العملاق، ليس من المعقول أن يكون هناك أكثر من إله!! فلكنت سترى اختلاف خلائق الناس بشكلٍ لا تستطيع تصوره!! إن الله واحدٌ أحد يا عزيزي لا زوجٌ لديه ولا ولد.. ابحث عن هذا في قرارة نفسكَ يا أخي سترى أنني على حق.. إن نداء التوحيد هو النداء الأساسي في القرآن، وهو ركيزة النداءات الأخرى.. ولِتَعلم، إن نداء التوحيد لا يختص بخاتم الأنبياء، بل يقع في رأس رسالة جميع الأنبياء.. والقرآن يؤكد على وجوب أن تكون العبادة لله وحده؛ إذ أن لا ذنب أكبر من الشرك بالله.. أنا لا أعتقد أنك صدقت ما قالوه لك من فورك، أعتقد أن نشاط روحكَ فتر في تلكَ الآونـه أليسَ كذلك!! أكنت تؤدي فرائضك الخمس؟؟ أكنت تقرأ القرآن؟؟ لا داعي بأن تجيبني فأنت تعلم الجواب في قرارة نفسكَ وهذا يكفيني.. ذهبت إلى هناك تأثرت بأحاديثهم وتقبلت الأمر بغباء مطلق..! سناد: ماذا تعنين؟؟!!
غفران: أنتَ أدرى يا أخي!! بأبسط مثال أليس من الغباء أن تجرب السم مع علمك بقتلهِ إيَّاك؟؟
سناد: أي سمٍّ تقصدين؟؟ غفران: أعني التدخين يا أخي، إنكَ تستنشق سماً وتستمتع به وهو يسير في جسدك مع علمكَ بأنه يقتلك ببطئ.. أترى أنه من الذكاء فعل هذا؟؟ سناد: ما دخل التدخين في هذا؟؟ غفران: إن الله تعالى نهانا عن رمي أنفسنا إلى التهلكـه.. سناد: هناك العديد من المدخنين من كبار السن، ولا يزالون على قيد الحياة ويمارسون حياتهم الطبيعيه..! غفران: أنظرت إلى شهاداتهم الطبيه؟؟ ألم ترَ تدهور صحـة قلبهم وتنفسهـم؟؟ ألم تر أن الناس بدأوا ينفرون من هؤلاء الناس!! سناد: غفـران!! غفران: ماذا!! أترى أن حديثي خاطئ؟؟ أتستطيع أن تثبـت لي هذا؟؟ سناد: إن الدين لم يحرم الدخان.. غفران: اسمعني جيداً، إن السيد السيستاني "حفظه الله" حينما سألوه عن التدخين قال ((يحرم التدخين إذا کان يلحق به ضرراً بليغاً ولو في المستقبل ، سواء أکان الضررالبليغ معلوماً أم مظنوناً أم محتملاً بدرجة يصدق معه الخوف عند العقلاء ، واما مع الأمن من الضررالبليغ ولو من جهة عدم الاکثار منه ، فلا بأس به.)) وأنتَ كم علبـةً تدخن في اليوم!! سناد: أنا لا أؤمن بهذا.. غفران: الإسلام لا يؤمن مطلقاً بـ ((نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض)) ليقول قائل هذا أقبله من الإسلام وهذل لا أقبله، أو أعتقد بهذا الجانب ولا أعتقد بذاك.. الانحرافات التي وقعت في العالم الإسلامي كان مصدرها حيث تمسك البعض بركن من أركان الاسلام وترك الأركان الأخرى.. فهذا النمط من السلوك يؤدي تلقائياً إلى فساد جميع الأجزاء.. أعتقد أنكَ رأيت هناك هذا النوع أليس كذلك؟؟ إن الدين الذي انتسبت إليه يوضح ما قلت، ترى فيهِ التزوير واضحاً لأجل المصالح الإنسانيه "المغلوطه" ولم يكونوا يعلمون بأن هذا أفضـل لهم.. إن التدخين كمـا قلت لك حُرِّمَ لأنـك بهِ تسيئ إلى جسدكَ وتشخبـهُ بالأمراض..! وأنت تستنشـق هذا الدخان عليكَ أن تعلم ما يحتوي.. يوجد في اللفافه الواحده مادة النيكوتين، يؤثر النيكوتين في الجهاز العصبي والجهاز القلبي ألدوراني مؤدياً إلى تسرع في ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم، إلا أن الخطر الداهم للنيكوتين هو تسببه في تصلب الشرايين ما يؤدي إلى تضيقات وانسدادات تمهد الطريق لحدوث أزمات قلبية أو دماغية قد تكون قاتلة. أيضاً يترك النيكوتين بصماته على الطرق التنفسية، خصوصاً الفروع القصبية الرفيعة فيعاني صاحبها صعوبة في التنفس.. مادة القطران، وتتألف من مواد كربوهيدراتية تهاجم الأغشية المخاطية للمسالك التنفسية والهضمية والبولية، وهذه المواد مسرطنة جداً.. والكثير من هذه المواد الخطيره..! فالتدخين يؤثـر سلباً على الجسد بشكلٍ كبير فهو يحرض على حدوث التهاب اللثة وما حول الاسنان، يساعد على حدوث النخور في الأسنان، يشجع على نشوء القرحة المعدية والمعدية المعوية وكذلك على نكسها مرة أخرى بعد الشفاء منها، يمهد الطريق لحدوث سرطان الأنبوب الهضمي.. ومثل ذلك الكثير.. سناد – أحنى رأسه ولم يجب - غفران: ها أنت تعلم أضراره، وتعلم المشاكل التي تسببها اللفافه الواحده وتصر على عدم تركها.. إن كنت تعشـق إيذاء نفسـك فلماذا تريد إيذائي؟؟ سناد: وكيف أأذيكِ؟ لم أفعل شيئاً..! غفران: تدخن وتنفث الدخان، وأنا بجنبك أتـأذى برائحتـه، ولعلك لا تعلم أن الجالس قرب المدخن يصله أذى الدخان أكثر منه.. سناد – لم يجب - غفران: دعني من هذا الآن.. ماذا تقول في شأن الأنبياء المرسلين الذين أرسلهم الله تعالى والأئمـة من بعدهم!!! أكانت رسالتهم في مهب الريح!! أضيعوا وقتهم في نشـر رسالتهم؟؟ لم يبتدع الأنبياء العبادة ولم يأتوا بها من عندهم، بل انّهم علّموا الإنسان كيفية العباده، ونهوا عن عبادة غير الله الواحد الأحد.. صحيحٌ ما قاله أبي "رحمه الله" ذهبت وقلّ مثقال عقلك.. سناد: مابكِ تتهجمين عليَّ هكذا؟؟ غفران: لا فائدة منك.. لماذا تعتمد تجاهـل ما أقول!! أخبرني، ماذا يعني لكَ القرآن؟؟ ماذا تعني لكَ الرسالة المحمديَّه؟ سناد – في صمت – غفران: أترى أئمتنـا "عليهم السلام" ضحوا لأجل لا شيئ!! أترى أن الإمام الحسين "عليه السلام" ذهب إلى أرض كربلاء مع بناته وزوجاته ونساءه وحرمه وبقي هناك حتى قُتِل، فسبيت نساءه، وهتك سترهم، كل ما حدث كان من أجل لا شيئ؟؟.. لا أعتقد أني بحاجـة إلى إخبارك عمـا حدث، فأنت تحفظـه كمـا أعلم، أم سرق رفقاء السوء ذلك أيضاً!! سناد "دمعت عيناه": آآهٍ يا أختــي.. كيفَ استطعتُ فعل هذا بنفسـي!! كيف صدقتُ تفاهاتهــم!! أنا ضائعٌ يا أختي، ضائع في خضم أفكاري، ضائعٌ أنا في دوامـة خطيره.. غفران: خذ طريق الهدايـة دربـك يا أخي، ثـق بفطرتك السليمـه فلـن تضيعك.. سناد "تهدج صوتـه من حدتـه": تشخـب قلبـي بما فعلتـه به، قتلته بيدي، قتلت قلبي.. جوفي بلا قلب، أنا خائـفٌ حائـر.. غفران "وضعت يدها على قلبه": لا يا أخي، قلبكَ لا يزال معك.. توجـه إلى طريق النور، درب الحق الرصين، عد إلى سابق عهدك، عد إلى فطرتك السليمـه، إلى عقلكَ الراجح.. سناد، إن الإيمان بالله جنـةٌ آمنـه، إن الصلاة والدعاء ملجأنـا، نلتجـئ بهم هرباً من سموم الحياة، أفلا تريد أن تعود تحت ظلالهم؟؟ تحت ظلال الرحمـة والأمان الإلهي؟؟ الإيمان عذبُ المنهـل، يمدنـا بالنور، بالأمان، بالسعادة، بالنعيم، نحن في أوجِّ سعادتنـا تحت ظلالـه، ألا تشتـاق كل هذا؟؟ ألا ترى دروبنـا مفروشـة بزهور الإيمان!! ألا تراهـا منـارة بأنوار القرآن؟؟ ألا ترى المؤمن ووجهه يشرق بالأمـل حتى وهو في معتـرك الوحدة والوحشـه..! سناد: آآآآهٍ يا لغبائي.. "بدأ يبكي" آآهٍ يــا أبــي، تركتكَ ترحلُ ساخطـاً عليَّ، أمـــي ألا تزالين حانقـة عليَّ بسبب غبائي هذا!! أرجوكِ سامحيني أمي سامحاني.. سامحانـي..
"أخذ سناد يرتجـي السمـاح من والداي إلى أن انقطـع صوتـه إثـر البكــاء.. أما أنا ففي صمتٍ لا علم لي ماذا أقول!!... أمسكت رأسه ومسحت دموعـه.. وهززت رأسي وفي عينيّ انبجسـت الدموع، وأنا لا أزال صامتـه" سناد: كم كانت شهواتي تعميني وتغريني.. إنـي أجدد شهادتـي، إنـي أشهــد أن لا إلــه إلا الله، وأشهـد أن محمداً رسول الله، وأن عليَّـاً وليُّ الله.. غفران "ابتهجت وتجرأت دموعها على النزول": أهلاً بكَ عزيزي.. سناد "وعيناه تتلألآن إثر الدموع": خذيني إلى ملاذي، خذيني إلى قبر والداي، خذيني يا أخيتي إليهم خذيني.. غفران: ليس قبل أن تغتسـل يا عزيزي ومن ثم تصلي ما فاتك.. سناد: قد يأخذ هذا مني عدة أيام!! غفران: أتهتم بعدد الأيام أكثـر من أداء واجبـك نحو الله!! التوبـه الحقيقة لا تحدث إلا إذا أديت ما عليكَ من واجبات، وكمـا أذقت بدنك حلاوة المعصيــه، عليكَ أن تذيقـه ألم الطاعـه، هذا ما قاله أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب "عليه السلام"، إن الله سبحانه وتعالى سيغفـر لك ويحبك، انظر يا عزيزي كيف وصف هذا "الحديث القدسي" التوبه ((أنين المحبين أحب إليَّ من تسبيح المسبحين)).. سناد "ابتسم برضا": أبداً.. إلهــي دربــــك جنــــــــــــــــــه.. رحمتك عذبــــــة.. سأراكِ حينها.. إلى ذلك الحين اتركيني وحدي، أريد أن أستفرد بخالقي.. غفران "مبتسمـه": لا تقلق من أجل هذا يا أخي.. سناد "وقف": أراكِ بعد فترة إن شاء الله غفران "وقفت معه واحتضنتـه": اعلم يا عزيزي إن من كلمات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم "أفضل الناس من عشق العباده وعانقها، وباشرها بجسده، وتفرغ لها، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عُسر أم على يُسر" فهنيئاً لمن يخلي قلبه للعباده.. توكل على الله سناد "ابتهج": توكلت على الله.. " ذهب سناد، اغتسـل ودخـل إلى غرفتـه القديمـه.. ولم أكن أراه إلا لتجديد الوضوء!! وكل يوم يمر أراه يزداد نحافـة أمام عينيّ.. ولكني سأحترم رغباتـه ولن أحدثـه.. مرت عدة أيام ثم أتـى لي سناد وهو يحدثني.. سناد: الحمد لله الذي هداني.. لا أعلم ماذا أقول لكِ أنتِ التي هديتني.. أنتِ ملاكٌ طاهر، أنتِ نوري المشرق..
غفران: الحمد لله.. هذا واجبي اتجاه ديني يا عزيزي.. أنتَ وقلبكَ نجحتمـا في اجتياز هذه الكبوه.. والآن سأحضر لكَ شيئاً لتأكلـه.. نحفـت كثيراً يا أخي..! سناد: لا يا أخيـه.. خذيني إلى حيث والداي.. غفران: أأنتَ متأكد؟؟ سناد: متـأكدٌ ومصـرٌّ على ذلك.. غفران: أمهلنـي سأرتدي حجابي.. سناد: ألا زالت عبائتكِ على رأسكِ مرفوعه؟ غفران "بفخر": لا زالت وستبقـى هكذا دائماً سناد: باركَ الله فيكِ "ارتديت حجابي وتوجهت نحو سناد، رأيتـه جالساً على الكرسي! مغمـض العينين واضعاً يده على رأسه" غفران: سناد..! سناد "انتبـه إلى غفران": جهزتِ إذاً؟؟ لم تتغيري كثيراً، لا زال الحجاب يجملكِ ويضفي الهيبـه على مشيتكِ، كم افتقدتكِ عزيزتي غفران "مبتسمـه": هيا لنذهب يا أخي.. "وقف سناد لكنـه كاد أن يسقـط.. أمسكتُـه وجعلتـه يجلـس مجدداً.. أحضرتُ إليه بضع تمـرات وكأسٌ من اللبن.. هذا كفيلٌ بمساعدتك يا أخي.. أكلـه ونهض بعد لحظات، أخذتـه إلى مقبرتنا وطفت بـه بين القبور ونحن نزورهم.. السلام على أهل لا إله إلا الله.. وصلنا إلى القبرين، بجانب بعضهمـا البعض هذا قبر أمي وهذا قبر أبي "رحمهما الله".. ما أن وصلنا حتى انهار أخي عند أقدامهمـا وبدأ يبكـي ويستجيـر ويطلب العفـو والسماح منهمـا ولم يزل هكذا حتى أغشـي عليـه.. جلست على التراب ودموعي باديـة، رفعت رأسه ونفضت التراب عنه، أفاق فوضعت رأسه على كتفـي، ارفق بنفسكَ يا أخي.. ساعَدَني أحد المؤمنين حينمـا رآني وأحضر كأساً من الماء إلى سناد، دعوت إليه بالموفقيـه وشكرتـه كثيراً، شرب سناد الماء، جلسنا لحظات لنقرأ لهما بعض السور والأدعيـه ومن ثم عدنـا إلى المنـزل، صحبتـه إلى غرفتـه وتركتـه هنـاك ليغط في نومٍ عميـق.. تركتـه نائماً إلى أن اقترب وقت الصلاة ذهبت لإيقاظـه وكم ابتهجـت لرؤيتـه يستعـد للصلاة رغم التعب الذي أنهـك جسده.. أبي، ها قد عاد أخـي على الطريق، عاد ابنك يا أبي.. أمي لن تقلقي عليه بعد الآن، سأهتم بهِ جيداً، وسيهتم بي هو أيضاً..
بسم الله الرحمن الرحيم، اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آله وذرّيته وسلم، ربي اغفر لي ولوالديَّ وارحمهمـا كمـا ربيانـي صغيـرا، وجازهـم بالإحسـان إحسانـا، وبالسيئـات غفرانا، إنك سميعٌ مجيد واخصص أبويَّ بأفضل ما خصصت به آباء عبادك المؤمنين و اُمهاتهم يا أرحم الراحمين، اللّهمّ لا تنسني ذكرهما فى أدبار صلاتي، و فى كل آن من آناء ليلي، و فى كل ساعة من ساعات نهاري، و اغفر لي بدعائي لهما، و اغفر لهما مغفرة حتماً، و ارض عنهما رضاً عزماً، و بلغهما بالكرامة مواطن السلامة، اللّهمّ و إن سبقت مغفرتك لهما فشفّعهما فيّ، و إن سبقت مغفرتك لى فشفّعنى فيهما، حتى نجتمع برأفتك فى دار كرامتك، و محل مغفرتك و رحمتك، وصلى الله على محمد وعلى آلـه الطيبين الطاهرين وسلم تسليماً كثيرا..
تاريخ الانتهاء: 6 مايو 2008
لإرسال ملاحظاتكم:
Anwar.dps@gmail.com
|