فداء الحوراني... والجدار يعلو
منهل السراج*
يحدث أن نصمت، وقد حدث هذا كثيراً. حدث حين لم نجد كلمات تعبّر عن مرادنا، أو حين أصابنا الذعر من بطش
السلطة، أو حين خشينا أن نتّهم بالجنون والتهور، أو حين سكتنا كي نتجنّب استفزاز الأعراف والتقاليد. وحدث أن صمتنا طويلاً حين امتلأنا بالغضب
وخشينا أن يكون كلامنا صراخاً لا يجدي ولا يفيد، ذلك لأنّنا تعلّمنا ألّا نفعل وألا نقول إلّا ما يجدي ويفيد
حتى لا نضرّ أنفسنا
ونضرّ غيرنا وأهلنا.
صُغت خبر اعتقال فداء باللغتين اليتيمتين اللتين أعرف
القليل فيهما، وأرسلته
إلى كل من ظننت أنه يهتم ويقدّر، وآثرت أن أصمت. صمتُّ في الحقيقة لخوفي على فداء، قلت لنفسي: بلا استفزاز.
ذلك لأني أعرف أن كل من ينتمي إلى هذه المدينة، حماة، بالضرورة «حيطه واطي» والجميع يتجرّأ عليه. وفداء من حماة.
لكن اليوم، وبعد أن طال سجن فداء، ورغم خشيتي من أن تكون
الكلمات استنجاداً
وصراخاً وغضباً، ورغم أني في شك من جدواها، ولكن ماذا نفعل بهذه البحصات التي تتراكم كل حين في حلوقنا؟
نحن إن لم نقذفها فإنّنا سنختنق بها.
آخر مرة التقيت فداء كانت قبل مغادرتي البلد بعدة أيام. في
العاشرة ليلاً، طرقت باب بيتي بلا موعد مسبق، ودخلت قائلة بشيء من الحزن: كأننا كبرنا.
ثم عاتبتني: حتى درج
بيتك مرتفع ويكاد الواحد أن تنقطع أنفاسه قبل أن يصل إلى
عندك.
كانت كأنها جاءت تستحثّني أن أندمج في الشأن العام وأشارك.
لم أعرف بما أجيب.
قالت: مؤكّد أن ابنك نائم وربما أنت أيضاً تستعدّين للنوم. لم تقل الكثير كعادتها، فهي على الأغلب قليلة
الكلام، أو أن نبرة صوتها خافتة، ما يجعل فكرتها ورأيها يمران بيسر إلى المستمع ويقتنع بسهولة.
تبادلنا أحاديث كثيرة صمتاً، واختلفنا على أمور أخرى
صمتاً، كان أكثرها يصبّ في تفاؤلها وهمّتها، ويصبّ في تشاؤمي ويأسي. لكن كان حرصها في العينين. ولا أريد أن أقول الآن إني كنت
محقة بتشاؤمي، ذلك لأن فداء وراء القضبان، بل أريد أن أقول إن الحقّ معها في تفاؤلها ومضيّها في الطريق الصعب، ذلك لأني تيقّنت الآن أن الحياة
هناك في الطريق الصعب، وأن اليأس هو أسهل الحلول.
كانت تعرف أن الحديث في السياسة لا يصلح في العاشرة
ليلاً، فأخذت تتحدث عن التطريز وكم هو جيد، لو أن نساء حماة يرجعن إلى مهنة أمهاتهن ويعملن
على تجميل بيوتهن
بأيديهن.
تحدثت عن هلعها من جوع الناس، قالت: إن هناك من يأتي
ليلاً إلى حاويات القمامة ويسرق حتى الحقن المستعملة التي ترمى من المشفى.
في الصباح، أخذت فداء مقشّة كبيرة وذهبت مع بعض الأصدقاء
تكنس حديقة مهملة،
وراح الناس يراقبونها من نوافذهم، مندهشين، وظلّوا فترة طويلة يتحدثون عن ابنة الحسب والنسب وهي تعلمهم
أن الحلول بسيطة ويسيرة وبإمكان الجميع المساهمة فيها.
قالت تدفعني إلى التفاؤل والمشاركة: بكرة بيكبر العاصي...
وأهدتني كتاباً: «إلى أم العاصي».
قلت مصحّحة: ولماذا أل التعريف؟ اسم الولد عاصي. ضحكت.
تقول أمي المعجبة بها مثل أكثر أمهات حماة اللواتي
يتمنيْن لو أن الدكتورة فداء كانت كنَّة لهن: كاملة ومكمّلة، أدب وسياسة وجمال وفوقها علم وشغل بتقوى.
كثيرات اشتغلن بالشأن العام، وكانت الثرثرات حولهن
ووراءهن وأمامهن تصرع الآذان. أما فداء فأكاد أجزم أن الجميع
اتفق بشأنها.
حين أعلن انعقاد مؤتمر إعلان دمشق ومن ثم فداء الحوراني
رئيسة للمجلس الوطني...
كثرت الهواتف والرسائل مهنئين بعضهم بعضاً، وأدركت أننا
كالأطفال ما زلنا مستعدين للفرح والتفاؤل، كأن الحرية
والفرج قادمان.
اتصل أخي يقول: العودة قريبة. طبعاً خلال أربعة وثلاثين
عاماً في المنافي. قالها عشرات
المرات، وسكت متراجعاً. قلت أذكّره: لكنّك يا أخي قلتها
مراراً ولم تستطع العودة، وربما هذه المرّة مثل غيرها.
أجابني: ولو... لكني سعيد حقاً بفداء، وسعيد أنه صار
بالإمكان الحوار مع أحد يفهم ويقدر. وبعد أيام قليلة، جاء خبر اعتقالها واعتقال رفاقها
ممّن تجرأ.
توقّعت هذا وخشيته، لكني في الوقت نفسه استبعدته، كيف
تجلس فداء محاطة بجدران السجن؟
خيالي لم يسعفني بتصورها وراء القضبان، قلت لنفسي: من غير
المعقول أن يستمر الاعتقال، هو احتجاز وتحقيق، إذ لا أحد يجرؤ على فعل هذا.
لكن مضت الساعات ولم يصدر ما ينفي الخبر أو يعدله. ثم
صدقت، ورحت أفتش عن تعزية كما نفعل عادة عند سماعنا الأخبار السيئة. بحثت آملة أن يكون خبر اعتقالها قد ملأ شاشات قنوات التلفزيون
وصفحات الجرائد. ولكن...
«الزمن رديء جداً». جملة ممجوجة. نعم، ولكن كأنه لم
يساعدها أحد، ولا حتى توقيت عيد الأضحى وأعياد آخر العام.
لن نصيح الآن في وجوه كل الشباب والشابات الذين يتابعون
أخبار الفنانات ويعلّقون بحماسة ونشاط على صفحاتهن، غير مكترثين لأخبار الاعتقالات،
ولكن أريد أن أخبرهم بأن
فداء أجمل من كل اللواتي أُعجبوا بهن، وفوق هذا، هي
أمّ تستحق البرَّ والتقدير، فتفضّلوا يوجد خبر صدّقوه،
يستحق الاهتمام: فداء الحوراني
وراء القضبان.
* كاتبة سورية
وردتنا الأسيرة.. ها يدي أرفعها كمئذنة
فرح بيرقدار
من يصدِّق أن الدكتورة فداء الحوراني في السجن الآن؟!
من يصدق أن سوريا التاريخ والحضارة، قادرة اليوم على تحمُّل كل هذا العار الذي يهرش ماضيها وحاضرها ويسنُّ أنيابه على المستقبل؟!
ليتها كانت إشاعة أو كذبة سوداء أو بيضاء.
ليتها كانت غلطة عابرة قابلة للاعتذار وطلب الغفران.
للأسف لم يكن الأمر كذلك يا أصدقاء. لقد كان قراراً أمنياً أعمى البصيرة وأسود القلب والنوايا.
هل يعرف من اتخذ قرار اعتقالها أنها دكتورة بجد وليس بهزل؟
وأنها صارت رئيسة، للمجلس الوطني لإعلان دمشق، بانتخاب ديموقراطي حقيقي وليس باستفتاء؟
وأنها سليلة نضالات وطنية وديموقراطية أصيلة، ولهذا ظلَّت السيرة بريئة من الاستبداد والبطش والسجون والمجازر والفساد والخراب، وما إلى ذلك من لعنات شهدناها ولا نزال؟
وأنها في المحصلة أحد الرموز القليلة المتبقية القادرة على تمثُّل وتمثيل وحدتنا الوطنية؟
لكأن تلك الفضائل أو المزايا، التي تتحلى بها فداء الحوراني، هي بالضبط، حسب أعراف وهواجس الاستبداد، مثالبها وتُهمها الخطيرة التي استوجبت اعتقالها!
تُرى.. هل كان عليها لكي تنجو بنفسها، أن تدير المستشفى الذي تملكه، بنفس الطريقة التي يدار بها مستشفى المواساة أو المجتهد أو تشرين أو غيرها من تلك المستشفيات الحكومية والخاصة "المباركة" بانعدام الأخلاق المهنية وبرعاية مافيات أجهزة المخابرات وتجَّار الموت؟!
هل كان عليها أن تقول لزميلها رئيس الجمهورية: شكراً يا دكتور على كل ما فعلت وما لم تفعل مما يليق ولا يليق؟!
هل كان عليها أن تجلس في "الحرملك" ولا تتطاول على الرجال وأشباه الرجال؟!
أم كان عليها أن تتنازل عن أخلاقها وقيمها وتربيتها وتاريخها، لكي يصفح عنها "الأخ الأكبر" أو الأصغر؟!
ربما لم تتوقع فداء الحوراني أن يحدث ما حدث لها ولزملائها بالصورة التي حدثت.
أفترض أن عقلانيتها وأخلاقها ونواياها أصفى وأطهر وأعلى بكثير من أن تتوقع ذلك.
غير أني، رغم كل ما في القلب من وجيب، لا أخاف عليها من الإحساس بالندم أو الخيبة أو الخذلان.
ما أخشاه هو أن لا يحسن الشرفاء وأنصار الديموقراطية وحقوق الإنسان، داخلاً وخارجاً، الدفاع عنها وعن زملائها بالصورة المرجوة.
لا أطلب ولا أتوقع من أجهزة "الأمن" السورية أن تتحلَّى بأي قدر من النديَّة أو الحياء، ولا بأي قدر من الشرف والموضوعية، إذ لن ينضح الإناء إلا بما فيه.
أريد فقط أن أتساءل عما إذا كان زميلها الدكتور، "حماه الله من الديكتاتور"، يشعر بنوع من الخجل مما يحدث أم لا.
كثيراً ما تساءلتُ لماذا أختار أكرم الحوراني أن يعطي ابنته هذا الاسم: "فداء".
أهو محض تيمُّن بأبي الفداء، أم هي الرغبة في ترميز المعنى؟
لست أدري.. غير أني أعرف جيداً لماذا، بعد ذلك، سجَّلت دوائر النفوس السورية عشرات آلاف المواليد بهذا الاسم.
الدكتورة فداء الحوراني.. المحبوبة حقاً لا جوراً.
لك إخلاص ومحبة وصلوات الكثيرين ممن تعرفين ولا تعرفين.
لك الحرية التي تؤمنين بها، وتدافعين عنها من أجل الجميع.
ولك المستقبل الذي تنشدين بلاداً وأهلاً وأمنيات.
"وردتنا الأسيرة".. وردةَ الجميع.. وردةَ سوريا الغالية..
ها يدي أرفعها كمئذنة، لعل ظلالها تصل إلى زنزانتك، وتلقي عليك السلام
المثنى الشيخ عطية : فداء .. سيدة التآلف
من يعرف
الإيجابية الإنسانية المشعة التي تتدفق كموجات أمومية حافلة بالاهتمام الصادق بالناس والحنان الدافق للوطن من
عيني الدكتورة فداء الحوراني، أو "
فدا " كما يسميها زوجها الدكتور الصديق غازي عليّان، يدرك ربما سبب ما رسمه بعض الكتاب لها من مكانة، مثل
المفكر الدكتور عبد الرزاق عيد الذي أبدى خوفه
الوطني السوسيولوجي من أن النظام السوري يقْدم باعتقاله
لها على خطوة بغيضة في تدمير الذاتية السورية وتدمير معنى سوريا / التعدد والوطن، وأشار إلى الدلالة من اختيار 165
عضواً من ممثلي الشعب السوري لها كرئيسة
لأكبر تجمع معارض نوعي في أيام سورية الحالية، وإلى فخره
بسورية الولاّدة كما هي الدكتورة النسائية فداء وهو ينظر إليها " تقود هذا الاجتماع للكبار باقتدار تمتد ينابيعه
وخصبه إلى زنوبيا بعد عملية تصحير للروح
وتجفيف للينابيع امتدت على مدى أربعة عقود عجاف من تاريخ
النظام الشمولي ".. ومثل الشاعر فرج بيرقدار بحساسيته الشعرية الصارخة أن النظام السوري يعتقل وردة سوريا
الديمقراطية، ومثلي الذي يبحث عن روح الأمومة
الكونية في النساء السوريات اللواتي وقّعن عريضة الاحتجاج على اعتقالها، فيسميها
" سيدة التآلف "، بوعي لمخاطر لعبة إسباغ
الألقاب التي أرجو أن لا تسيء لسيدة متواضعة
بما يكفي أن يتغلغل العاصي نهراً دافقاً مثمراً بالخير إلى كل بيت سوري لفرط ابتسامتها، وبوعي لما تحمله
هذه المرأة الوطنية البسيطة من رمز
لجميع معاني تجاوز الخلافات والمصالح الضيقة والقلق والخوف داخل المعارضة السورية الوطنية الديمقراطية وداخل
وطننا السوري الذي نحب..
من يعرف سعي
هذه المرأة النبيلة مع مثقفي سوريا ومخلصيها من الوطنيين ومعتقلي الرأي، نحو تغليب قضايا الوطن العليا على
المصالح الحزبية الضيقة، والطائفية المدمّرة،
والعشائرية المتخلفة، التي تفرضها سياسات الاستبداد بالفساد
والإفساد لتفتيت المجتمع والسيطرة عليه قبائل وطوائف وشيعاً ومذاهب، ربما يدرك ما ذهب إليه الوطنيون المتنورون
مثل الناقد صبحي حديدي، بتثمينه لأدبيات
مجلس إعلان دمشق التي كما يقول: " لم تكن ليبرالية ديمقراطية ولا ديمقراطية ليبرالية ولا ليبرالية
وحشية ولا ليبرالية إنسانويّة ولا
ليبرالية عدمية؛ وحسناً فعلتْ حين لم تتبدّ يسراوية أو قومجية أو إسلامولوجية.. و" كانت، ببساطة
لعلّها أدهشت مدمني مضغ المصطلحات، بيانات
ضدّ الاستبداد في المقام الأوّل، ومن أجل تطوير معنى المعارضة
وأشكالها وأساليبها وطرائقها فضلاً عن السعي الجدّي إلى تعديل الكثير من البؤس السياسي والنظري واللغوي الذي شاب
نصّ التأسيس ونصّ التوضيحات.. دون أن
تتنازل عن تلك الرابطة الحاسمة بين الاستبداد والديمقراطية
والمسألة الوطنية ".. وربما يدرك ما يجب أن يكون عليه المستوى الأخلاقي الوطني الذي ضرب به المثل مفكرون
ديمقراطيون وطنيون مثل المفكر برهان غليون
في دفاعه الرفيع عن مبادئ المجلس الوطني لإعلان دمشق، الذي
كما يقول: " يمثل اليوم بصرف النظر عن أخطائه ونقاط ضعفه الكثيرة وتعثره هنا وهناك، الأمل الوحيد عند الرأي العام
لنشوء معارضة ديمقراطية فعلية في البلاد
تجمع بين مختلف أصحاب الرأي السياسي وتوحد جهودهم لتحقيق هدف التغيير الديمقراطي وعودة الحياة السياسية
الطبيعية للبلاد "..
ومن يعرف
ارتقاء هذه المرأة الوطنية وسليلة الأسرة الوطنية بمستوى الخلاف معها ومع أسرتها إلى مستوى الاختلاف
والتآلف.. يفهم ربما تجربة النظام الاستبدادي
القمعي في بداية الثمانينات وألعابه وسياساته في تفتيت الأحزاب السياسية والمعارضة الوطنية الديمقراطية
السورية وعزل أحزابها ومناضليها على
اختلاف أطيافهم السياسية وتخويفها باتهامات الخيانة والعمالة
والتشريد والسجن والموت.. ويفهم ربما ما يقوم به النظام الآن من حملات تشويه واتهامات رخيصة بالعمالة تتناول رموز
إعلان دمشق وعلى رأسهم الوطني الكبير وضمير
سورية رياض الترك الذي لاتدع سيرته الوطنية وأخلاقه الرفيعة
وتصريحاته العلنية مجالاً للتشكيك بصدقه ووطنيته.. كما يأخذ ربما عبرة بسيطة ودلالات عميقة عن جنون هذا النظام
لتجاوز هذه المعارضة أمراضها في نتائج ما وصل
إليه المجلس الوطني لإعلان دمشق من كسر للمحظورات في التآلف،
وارتقائها بأصلها التجمع الوطني الديمقراطي المثخن بجراح التخالف من آفاق الأحزاب السياسية المحدودة إلى آفاق الشعب
السوري اللامحدودة بتغيير وطني
ديمقراطي حقيقي..
الدكتورة فداء
الحوراني، لمن عرفها من جيران وأصدقاء هي ابنة الحي والحارة
والمستشفى، الإنسانة البسيطة التي تبذر المحبة والتسامح والأمل أينما ذهبت وكيفما تصرفت إلى درجة أن تتمنى النساء
السوريات أن تكون فداء ابنتهن أو أمهن أو
أختهن أو حماتهن أو نموذجهن..
وهي لمن عرفها
من سياسيين أصدقاء ومن خصوم شرفاء، ابنة السياسة الوطنية
السورية والمجتمع المدني السوري وحقوق الإنسان، وابنة التغيير الوطني الديمقراطي التي اختارها من هم أطول منها
باعاً في السياسة وتاريخية النضال
ورمزية الوطن والقيادة رئيسة لمجلس إعلان دمشق في تأكيد واضح للداخل والخارج أن عملية التغيير التي
يتبنوها هي كما يؤكد الناقد صبحي حديدي: " عملية
سلمية متدرّجة، تساعد في سياقها ونتائجها على تعزيز اللحمة
الوطنية، وتنبذ العنف وسياسات الإقصاء والاستئصال، وتشكّل شبكة أمان سياسية واجتماعية تساعد على تجنيب البلاد
المرور بآلام مرّت وتمرّ بها بلدان شقيقة
مجاورة لنا كالعراق ولبنان وفلسطين، وتؤدي إلى التوصّل إلى صيغ مدنية حديثة توفّر الضمانات الكفيلة
بتبديد الهواجس التي يعمل النظام على تغذيتها
وتضخيمها وتحويلها إلى أدوات تفرقة بين فئات الشعب، ومبرّراً
لاستمرار استئثاره بالسلطة "..
وهي جميع هؤلاء
المثقفين البسيطين الشرفاء من معتقلي الرأي الذين يرفعون
رأس وطنهم، ويقدرهم شعبهم مثل: عارف دليلة، ميشيل كيلو، أنور البني، كمال اللبواني، فائق المير، أكرم البني،
غسان النجار، أحمد طعمة، جبر الشوفي، علي
العبد الله، وليد البني، ياسر العيتي، فايز ساره، وجميع معتقلي الرأي والضمير الوطني الحي في سوريتنا
العصية على الموت..
وهي ربما من
ستدفع روح التآلف فيها وفي رفاقها المعتقلين من أحبوا مراجعة
تجربتهم فجمّدوا أنفسهم عن إعلان دمشق مثل حزب الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي، وحزب العمل، إلى الارتفاع فوق المصالح
الضيقة والخلافات المفرقة، وفكّ
تجميدهم من أجل الهدف الكبير الذي يعملون هم أنفسهم لأجله.. حيث أن المصلحة الوطنية تتطلب الآن أكثر من أي وقت
مضى الوقوف إلى جانب رفاقهم في الاعتقال،
وإلى جانب وطنهم في محنة تغييب أنبل مثقفيه..
الدكتورة فداء
الحوراني التي أدعوها بـ " فدا " ترميزاً للأم وللأخت ولسوريتنا الأسيرة ولديمقراطية حلمنا، ولتعزية
صديقنا وابن صديقنا بأن الزوجة والأم التي
يقلقان عليها الآن داخل المعتقل هي في عين وطنها سوريا..
هي " فدا " إعلان دمشق الذي أعلن أن الإعلان:
" دعوة مفتوحة لجميع القوى والأفراد، مهما اختلفت
مشاربهم وآراؤهم السياسية
وانتماءاتهم القومية أو عقائدهم أو وضعهم الاجتماعي، للالتقاء والحوار والعمل معاً من أجل الهدف الجامع الموحّد،
الذي يتمثّل بالانتقال بالبلاد من حالة
الاستبداد إلي نظام وطني ديمقراطي ".. وهي " فدا " مجتمعنا الأسير الصابر المكبّل بالأغلال، هي "
فدا " سوريتنا الديمقراطية الحرة العصية على
الإذلال
يوم في قصر "العدل"
رزان زيتونة
كنا بانتظار الدكتورة فداء، وهي سيدة جميلة ولطيفة، صاحبة ابتسامة ساحرة. هي طبيبة معروفة، زوجة، وأم لشاب في
العشرينيات من عمره. هي ابنة السياسي السوري الراحل أكرم الحوراني. هي ناشطة سياسية، انتخبت مؤخرا لرئاسة المجلس الوطني لإعلان دمشق. وهي أول سيدة
في الحراك الديمقراطي السوري، تعتقل وتحال على القضاء في "العهد الجديد"، أي منذ سنوات سبع.
بعد ذلك، لن يكون
من الصعب إدراك، لماذا كان الجميع يشعرون بخفقان سريع في القلب وتوتر، بانتظار أن تظهر بالقرب من غرفة
قاضي التحقيق. وأخيرا، عناصر الشرطة يحيطون بسيدة جميلة ولطيفة ذات ابتسامة ساحرة ، اسمها فداء الحوراني.
وعلى الرغم من شوق الجميع، الأهل والأصدقاء، للقاء المعتقلين العشرة، وبعد اختفاء دام أكثر
من شهر ونصف لدى فرع أمن الدولة، كانت اللحظات عجيبة فيما حملت من تناقضات.
العين تلمح فداء، وكانت
أول من حضر أمام القاضي. والعين ترغب لو تنغلق أبدا،
فتمحي عبر "غض النظر"، حضيض ما وصل إليه وطن تساق نخبه بالقيود وسط حشود رجال
الأمن والشرطة. والعين
ترغب لو تنفتح أبدا، فتحتفظ حتى النهاية، بابتسامة قوة
وفيض أمل ومحبة، وهدوء واثق من نفسه وساخر من جيش "رجال"
يطوقون ابتسامة.
ليست السيدات كثيرات في حراكنا العام السوري. لكن الواحدة
منهن تساوي قمرا وحقل نجوم.
جرى استجواب فداء وكذا التسعة الآخرين المعتقلين على ذمة إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي. جميعهم نالوا من هيبة
الدولة ونشروا الأخبار الكاذبة وأثاروا النعرات العنصرية والطائفية! كانوا يمرون واحدا إثر آخر إلى
غرفة التحقيق بلمح البصر.
وجوه متعبة وأجساد ناحلة، ويبتسمون ونفعل مثلهم،
بالكاد نحافظ نحن على عضلات وجهنا في شكل ابتسام.
الصحفي والناشط علي
العبد الله، عرض عقب التحقيق معه على الطبيب الشرعي
لإصابته في أذنه نتيجة التعذيب. تسأل زوجته وابنته، لماذا هو في غرفة الطبيب؟ ونجيب، لتوقيع
بعض الأوراق. تنسل
الابنة بيننا تحاول استراق الحديث، وتقول، لا تخبروا أمي. وأمها تقول، لا تخبروا ابني، والابن يتصل من غربته ليقول، لا تخبروا
أمي. حسنا، لن نخبر
أحدا!
يتمشى عناصر الأمن على كثرتهم بيننا. يراقبون الهمسات، أعقاب السجائر ترمى من الأصابع
النزقة، محاولات تسلل الأهالي إلى مكان قريب لاستراق النظر لأحبتهم، التهليل للمعتقلين حين يمرون مسرعين مقيدين، ويدونون بنظراتهم الثاقبة ذلك
كله.. بالعربي!
قبيل الغروب، كان تسعة من المثقفين والصحفيين يساقون إلى سيارة السجن الكبيرة الأشبه ببراد نقل الأطعمة، إلى جانب سجناء
جنائيين آخرين. قريب أحد هؤلاء السجناء الجنائيين كان يصرخ تجاهه عبر الباب الخارجي المطل على شارع النصر، "لا تخف، أيام وتخرج من السجن، (دبرت) كل
شيء، إخلاء السبيل أصبح في جيبنا"!
يتحرك "البراد" الكبير، ينقسم المجتمعون على جانبي الطريق، تلوّح الأيدي
لمن لا نراهم
داخل "البراد"، وتصفق أخرى بحماس. يسألني أحد أقرباء السجناء الجنائيين من خلف ظهري، لماذا تصفقون
لهم؟ أقول، لأنهم معتقلون سياسيون، يجيب: شبعنا حكي جرايد! ألتفت إليه بانزعاج، لأرى شخصا رث الثياب لحيته طويلة عيناه منتفختان كخوختين. أقول له: نحن
أيضا!
ثم يأتي دور سيارة
سجن النساء. تصعد السيدة الجميلة إلى الباص مع زميلات
السجن! يندفع ابنها الشاب باتجاهها فتعترضه عناصر الشرطة. نزق الشباب يدفعهم للاندفاع نحو أمهاتهم، السيدات العنيدات المعتقلات،
لخطف نظرة، بدون أية مراعاة للقانون!
في المساء، كان الإنهاك يعم من كل بد، جميع من حضر وقائع ذلك اليوم الماطر القارص في برودته. ولم
تكد الذاكرة تسترجع أحداثه حتى آخرها، حتى انكشفت لها "آخرة" جديدة. اعتقل المعارض السياسي
البرلماني السابق
رياض سيف. يجدر تعريفه هنا، ليس بأنه معتقل سابق في إطار ما بات يعرف بربيع دمشق لمدة خمس سنوات، وأنه
رئيس الأمانة العامة لإعلان دمشق، وأنه مصاب بالسرطان وبحاجة ماسة للعلاج ومع ذلك ممنوع من المغادرة، بل وببساطة، بأنه كان أحد المتضامنين الذين
حضروا مع آخرين وقائع هذا اليوم الحافلة.
في مساء اليوم نفسه، كانت فيروز تدفئ برد دمشق، في حفلتها الأولى هنا بعد غياب طويل. كانت تؤدي مع
فرقتها مسرحية "صح النوم". ولعلها
لم تسمع بالأصدقاء الذين كنا نتحدث عنهم أو عن غيرهم. وليس
ذلك بذي أهمية على
أية حال، لأنها كانت تشاكس الوالي الظالم على المسرح. قرنفل (فيروز)،
استطاعت أن تنتزع ختم الوالي وتسيّر أمور البلاد والعباد
المعطلة بسبب نوم الوالي المديد. قرنفل شجاعة وحرة وجميلة. تذكرني في بعض ملامحها إلى حد بعيد، بقرنفل أخرى تقيم حاليا في سجن
دوما للنساء
فداء الحوراني ، صباح الخير
مها حسن
إلا أنني لم أكن أعيش في حماه ، ولم ألتق بك ، ولم تأتي لزيارتي في
العاشرة ليلا قبل مغادرتي البلاد بعدة أيام ، ولم تثرثري معي ، كما فعلت كل ذلك مع
منهل السراج .
إلا أنني لم ألتقيك ، ولم أمتلك الوقت لأحبك وأعجب بك ، وفق شهادة منهل السراج بك
، بأن " أكثر أمهات حماة اللواتي يتمنين لو أن الدكتورة فداء كانت كنَة
لهن" . كلا ، فداء الحوراني ، غادرت من حلب ، ولم ألتقيك .
إلا أني أفكر بك ، إنك تسيطرين على راسي منذ اليوم الأول لاعتقالك ، كلما شربت
قهوتي في الصباح ، أتساءل كيف تشربين قهوتك ، وهل تشربينها أصلا ، وكيف تبدأين
نهاراتك ؟
أنا يا عزيزتي ، أبدأ نهاراتي بالتنقيب عن أخبارك ، وأتوقع أن أقرأ خبر الإفراج
" السلطات السورية تفرج عن المعتقلين السياسيين ، وتعتذر للدكتورة فداء
الحوراني " . ولكن هذا ، وفي كل صباح ، لا يحصل ، وأعرف أنه سيحصل . ربما لن
يعتذروا منك الآن ، ولكن الكثيرين سوف يعتذرون منك ، حتى لو لم يكن لهم يدا
باعتقالك ، فإن موقعك في الاعتقال مخجل ، مربك ، حتى أني أتعثر بقهوتي ، وكأنني
أكثر من مرتبكة لاعتقالك .
فداء الحوراني ، في كل صباح سأقول لك " صباح الخير " وسوف أفكر بك طيلة
النهار ، وسوف أعتذر منك لأنك تدفعين ثمن صمت الكثيرين ، صمت الخائفين والمترددين
والهامشيين ، أولئك الذين يعتقدون أن لا أهمية لصوتهم ، بل يجرجرون يأسهم ، بينما
تمشيت أنت بأناقة تليق بك في ممرات السياسة والمعارضة ، وتألقت بجمال صوتك المطالب
بالديمقراطية للوطن ، الوطن الذي يفخر بك .
ربما تعرفين يا عزيزتي ، أني أتضامن معك ومع كل سجين رأي ، سواء أكان معتقلا ، أو
سجينا خارج السجن ، سجين عدم القدرة على التعبير ، ربما تعرفين أنني مؤمنة بأنه من
حق أي كائن على الأرض أن يعبر عن رأيه بالرفض أو الموافقة ، أن يكون معي أو ضدي ،
أن ينتقدني أو يمتدحني ، أنني مؤمنة بالديمقراطية المطلقة ، حتى لأقصى المتعارضين
معي ، وبناء عليه ، فأنا أرفض كل أشكال الاعتقالات ، المرئية واللامرئية ، اعتقال
الأجساد واعتقال الأذهان ، ولذلك ، فأني أتضامن مع الجميع ، معتقلي إعلان دمشق
وغيرهم ، ممن أحبهم و ممن لا أتفق معهم ، إلا أنك تبقين أنت ، الشرف المضاء على
جبين السجون ، السجون التي تخجل منك ، ومن نقاءك . فداء الحوراني ، كل صباح وأنت
بخير .
سجن فداء حوراني خط وطني أحمر - عبد الرزاق عيد
يقوم تحديد مفهوم الوطنية اليوم في سوريا – كما في العالم العربي - على حماية البنية المجتمعية الداخلية من التصدع فالتآكل فالتفكك فالحرب الأهلية، وكل كلام عن وطنية تقوم على حدّ ومفهوم التعارض مع الأخر (الامبريالي – الصهيوني)، دون أن تتأسس هذه الوطنية على بنية مجتمعية مدنية تعاقدية (مواطنوية) هو نوع من هذر المقال الذي أصبح متقادما تقادم الاستبداد الذي صنع هذه الوطنية الخارجية على مقاسات بقائه القائم على الشوكة والغلبة، من خلال جعل هذه الوطنية دريئة ايديولوجية رسمية للنظام الديكتاتوري، تنطلق من تصور للمجتمع يقوم على مبدأ وحدة الهوية المنسجمة والمتناغمة والتي لا يعكر صفو تناغمها وانسجامها سوى الخارج الاستعماري الامبريالي الصهيوني... ولكي تقترب خطوة أكبر باتجاه المتعيّن والملموس الذي يتشخص به المجرد، نأخذ المثال الفلسطيني، هذا المثال الذي يشكل المرجعية الميثاقية العقدية لكل مفاهيمنا الوطنية والقومية، حيث لولا القضية الفلسطينية لربما كان تغير مسار الفكر العربي بمجمله في شكل فهمه وقراءته للمسألة الوطنية والقومية، حيث أن النواة الابستمية (الابستيم) كما يقول الابستمولجيون، أو (الصويتم) كما يقول الأسلوبيون عند تحليل بنية نظام الخطاب، نقول: ان النواة الابستمية-الصوتيمية لنظام الخطاب المعرفي لعربي تمحورت حول الخارج الاسرائيلي- الغربي الانكليزي- ثم الامريكي، بوصفه المحدد لمعنى الوطنية خلال النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم.
ولذا فإن كل تجاربنا الفكرية – ما بعد المرحلة الليبرالية الموؤدة عربيا - (القومية والاشتراكية) ظلت محكومة في فهمها للمسألة الوطنية بوظيفتها الاجرائية المتمثلة بكيفية مواجهة المشروع الصهيوني-الأمريكي سياسيا دون بذل الجهود الفكرية الضرورية لفهمها بوصفها تجليا لمفهوم (المواطنة) بكل ما يترتب على هذا المفهوم من منظومات حقوقية وثقافية ومؤسساتية ديموقراطية وتمثيلية قادرة على الانتقال بالأمة من مجرد سديم بشري هائم وغائم وعائم إلى مستوى كتلة تاريخية منسجمة مندمجة وموحدة الرؤية في وعيها لذاتها ودورها الحضاري، وبسبب انعدام هذا المنظور المدني الديموقراطي للمسألة الوطنية الذي أطاحت به موجة الشعبويات الفلاحية الانقلابية العسكرية القوموية واليساروية، فقد اختزلت إلى مقولات سياسوية-سطحية بزركشة بيانية وفيهقة بلاغية وترنم غنائي وفحولة شعرية تنتشي بالثناء، وتترنم بالفخر، وتثأر بالهجاء، وتهيج بالمديح فتخرج عن طورها طربا لمديحها: (الستم خير من ركب المطايا)، ومنذ أن خرج الخليفة الأموي الممدوح عن طوره ممتشقا سيفه قائلا: أي والله نحن لها... وسيوف الحكام العرب عبر التاريخ تمتشق سيوفها طربا لهذا المديح، متمثلة موقف الخليفة الأموي، لكن دون سيفه الأمبراطوري، بل سيوف ذبح شعوبهم لتفتديهم بالروح والدم...!
وسيظل هذا العقل الغريزي يتحكم بمواقفنا وسلوكنا واستجاباتنا، وينزلق على السطح الخارجي لمفهوم الهوية الوطينة، دون التغلغل في مكونات هذا مفهوم الذي هو في جوهره ثقافي تاريخي وتعاقدي سوسيولوجيا وسياسيا.
المثال الفلسطيني كثيف الدلالة في سياق موضوعنا، إذ أن انهماكه عبر أكثر من نصف قرن في خوض الصراع مع الآخر بوصفه عدوا مضادا كيانيا (انتولوجيا) وليس تاريخيا، حرم الفعل الفلسطيني من فرصة اغناء ذاته بما لدى ذات الآخر من عوامل التفوق التي أتاحت له الانتصار، في مواجهة عناصر الخصوصية الذاتية العروبية المؤمثلة والمنوهة بذاتها ومآثرها لدرجة التوثين التي لم تتح لهذه الذات القومية المتورمة بامجاد الماضي سوى الهزيمة، بل وسلسلة الهزائم الوطنية التي قادت إلى التصدع الذاتي فالتآكل التكويني فالتفكك الكياني فالحرب الاهلية، وليس مثال غزة-الضفة آخر الامثلة عن هذه الايديولجيا الوطنية الغثة والركيكة خلال نصف قرن.
إن التجربة الفلسطينية تكثف في سيرورتها كل الارهاصات والمخاضات الفكرية والايديولوجية (قوموية-يسارية)، واخيرا اسلاموية، وهي الترسيمة ذاتها التي آلت اليها الايديولوجيات الوطنية العربية استطرادا، تحيث تعرّف وطنيتها بالضد من (الآخر) العدو الخارجي، دون أن تنتبه إلى أن العدو الرئيسي قابع في الداخل وهو الاستبداد والجهل والفساد، وفي داخل الداخل بدءا من طريقة الفهم المنحطة لـ (أنانا) القومية والتاريخية والثقافية والحضارية والتراثية والدينية... الخ
إن سيناريو الترسيمة الفلسطينية عن المسألة الوطنية حاضر في كل حاضرات العالم العربي وبواديها ومفازاتها وصحاريها وسهولها وجبالها ووديانها، وإن كانت بشكل أبطأ بسبب لجم الحراك الاجتماعي والسياسي قمعيا في المحيط العربي، لكنها عندما ستنفجر في المحيط العربي ستكون بشكل أفجع وأشرس مما هي عليه في التجربة الفلسطينية، التي ستبدو هي الأقل - على كل حال - وراثة لحمولات ثقافة الكراهية والحرب الأهلية التي تحكم الملل والنحل والمذاهب والاثنيات باعتبار تعدد الملل هي الاقل في فلسطين منها في المحيط العربي.
إن تأكل المشروع الوطني المدني البرلماني في سوريا منذ الخمسينات، كان ينتج تآكلا موازيا ومناظرا على مستوى البنية الاجتماعية: حيث بروز الحضور الكثيف للفلاحين والعسكر، فالفلاحون هم قاعدة الشعبوية التي ريفّت المدن والتهمت كل مظاهر نويات الحداثات المدينية، والعسكرهم قاعدة الارادوية الاستبدادية، حيث اكراه المجتمع على التكيف مع الايديولوجيا الأوامرية العسكرية التي راحت تتضخم لتغدو حالة انكشارية، ومن ثم التدمير التدريجي للحراك المجتمعي المتوازن وتهميشه وتذريره مقابل تمركز أمني على الذات يختصر الآخر الوطني بمدى انصياعه للتمركز الذاتي الأمني، حيث الأمن - والامر كذلك - يغدو (ذات الوطن) وكل أشكال تعيّن الوطن في صيغة مؤسسات وادارات وانظمة مدنية وتعليمية وقضائية ليست إلا صفات لهذه الذات الأمنية، ومن ثم فإن تعدد صفات الوطنية ستغدو – والأمر كذلك - ليست سوى تشخيصا وتجسيدا لتعدد الذات الامنية في عشرات الفروع.
ما علاقة هذه المقدمة باعتقال د. فداء الحوراني؟ ونحن هنا اذ نتحدث عن د. فداء انما نعني كل ضحايا الهجمة الأخيرة التي شنتها إحدى الجهات الأمنية التي يراد لها أن تحتكر الصيت الأسوأ للممارسات المخابراتية في سوريا، من خلال احتكارها – في الآونة الاخيرة - لملفات منع السفر، ومن ثم الاستدعاءات الأمنية، بل والخطف من الشوارع وارسال رسائل التهديد بالتصفية الجسدية.
ونحن نتمنى أن يكون هذا الفريق هو الوحيد –من بين الأجهزة الأمنية- الذي يتميز باللاعقلانية واللامسؤولية الوطنية والأدمغة الحامية في إعلانه الحرب على مجتمعه وأهله، وأن لا يكون ذلك في الأمر ثمة توزيع للأدوار... أي أننا نقصد بمقدمتنا هذه أيضا السبعة الأفاضل: الأستاذ جبر الشوفي، الأستاذ علي العبد الله، د. وليد البني، د. أكرم البني، د. احمد طعمة، د. ياسر العيتي، ، وعلى رأس هذه القائمة تتأتى الدلالة الرمزية لاعتقال الدكتورة فداء الحوراني، ولهذا سنتوقف عند هذه الدلالة بمستوييها: ليس خصوص السبب فحسب، بل وعموم المعنى الذي يومئ إلى الجميع بما فيهم رموز المعتقلين السابقين: د. عارف دليلة، انور البني، فائق المير، ميشيل كيلو، ورياض درار والشاب عمر عبد الله وزملائه.
ففي المعنى العام: إن اعتقال السياسة في المجتمع، هو بمثابة اعتقال لمجتمعيته، أي للاجتماع الانساني الذي يتميز عن المجتمعات القطيعية الطبيعية، بكونه يحتكم إلى السياسة في إدارة شؤونه، ولهذا فقد عرف أرسطو الكائن الانساني بانه حيوان سياسي، أي أن نزع السياسة من حياة الجماعة الانسانية تعني تحويلها واختزالها إلى قطعان قطيعية، أي اختزال الانسان إلى حيوان.
يترتب على هذا المفهوم ويتناسل من منظومته الوراثية، مبدأ أن الغاء الحياة السياسية من المجتمع (العلاقات الأفقية السوسيولوجية)، تعني اعادته إلى الحياة الأهلية العضوية (العلاقات العمودية العصبوية القرابية الدموية)، وهذا يعني الافتقار إلى مفهوم (الوطنية) بوصفها مجلى الوحدة الارادية للعيش المشترك على أرض مشتركة وفق عقد اجتماعي مشترك، حيث تلغي تشظيات المجتمع الأهلي (القبيلة- العشيرة- الطائفة- العائلة)، وتخابطها الاجتماعي الأغبر التفتيتي لتتحول إلى سديم كتل بشرية تفتقر حدّا ومنطقا لمفهوم الهوية السوسيولوجية، وتحمل دائما في داخلها قابلية فنائها (التاناتوس) من خلال تصدعاتها وانهداماتها وتكسراتها، أي الانتهاء إلى مآلات التآكل فالتفكك فالحرب الأهلية وثقافة الغزو، وهذا الاستقراء ليس تجريدا نظريا، بل ها هو المثال العراقي بأبهى صور بشاعة عبادة الموت التي تعزز النزوع الغريزي للتدمير الذاتي والانتحار الجماعي.
ونحن نؤكد في هذا السياق على النموذج العراقي المماثل بنيويا في المستوى الايديولوجي والسياسي للنظام السوري، بالاضافة إلى المماثلة في بنية المجتمعين من حيث التعدد الاثني والطائفي، أي أن الايديولوجيا الوطنية والقومية، ايديولوجيا البعث العراقي ونظامه الشمولي القائم على الانثناء نحو الخارج (العدو الخارجي)، كان على حساب التكور على الداخلي: اي على حساب الصراع الاجتماعي والسياسي على حد الصياغة النقدي لتجربة البعث من خلال صياغات واضع منطلقاته (ياسين الحافظ)، مما حال موضوعيا دون عقلنة وتحديث ودمقرطة الوطنية العربية والايديولوجيا العربية.
هذا الحطام المجتمعي ما كان له أن يصمد لأيام امام الاحتلال الأمريكي لبغداد، وذلك لأن النظام الشمولي كان قد وفر للمجتمع الداخلي كل عوامل التآكل والتفكك للانهيار ومن ثم قيام الحرب الأهلية، والمدخل الرئيسي لاشاعة هذا الحطام، هو تحكم ثقافة الكراهية من قبل النظام الحاكم نحو مجتمعه وشعبه، وتعبير ذلك في خوض حروبه الباردة والساخنة ضده، مجازر جماعية وفردية، معتقلات وسجون تبعث شهوة الموت للخلاص من هكذا حياة، لكن ما يميز طغيان النظام العراقي عن طغيان النظام السوري، هو معرفة الأول لنظام مجتمعه الأهلي التقليدي، إن معرفته لأهله ومجتمعه ونخبه الاجتماعية والثقافية جنبت التاريخ الدموي لبعث العراق سجن مثقفين ورجالات فكر ونساء حرائر من بنات الأصول والشرف وفق معايير المجتمع الأهلي الذي ضاعت قيمه التقليدية مع هيمنة طغم من رعاع الجنرالات الصغار الجدد القادمين من الريف، أو المتحدرين من حثالات المدن، الأمر الذي انتبه له المؤسسون الآباء للنظام الشمولي في سوريا، بينما راح يتجاهله بل ويجهله جيل الأبناء الذين لا يعرفون للقيمة من معنى سوى "القيمة الزائدة" أو "القيمة المضافة"، ولهذا فهم لا يعرفون من هي فداء الحوراني، ولا يعرفون أن اعتقال فداء هو اعتقال لقيمة أصلية وليس لقيمة زائدة، لا يعرفون أن أباها هو أشبه بسبارتكوس سوريا الذي خاض معركة آبائهم الفلاحين الأقنان ضد سادة الاقطاع في مدينته حماة، ليكافأه اليوم الأبناء بسجن ابنته فداء.
ذلك هو الحفر الأعمى الذي يقوم به الجاهل في التربة، حيث تكسير التنضيد المجتمعي المتراصف طائفيا والمتجاور وطنيا الذي عجز البعث عن دمجه، ويأتي الأبناء الأحفاد لتكسير هذا الخزف الذي نضده جيل البعث الأوائل الذي كان يراد له ان يتمظهر على شكل وحدة وطنية ليست هي – في المآل - سوى مظهر من مظاهر التعايش الطائفي القسري القابل للتداعي أمام اي خلل في هذا الموزاييك المصنوع في سبعينيات القرن الماضي العشرين، والمفروض بالارهاب منذ الثمانينات حتى اليوم، ليأتي الأحفاد أصحاب الرؤوس الحامية الذين يتحدون العالم بسياساتهم الخرقاء، بدرجة تحديهم لمجتمعهم وشعبهم وأهلهم، وكأنهم غرباء ليسوا من هذا البلد، ولا تربطهم به المواطنة ولا المعاشرة ولا المعايشة ولا صلات القربى والرحم، وكأنهم ليس لهم أخوة او اخوات، أباء وأمهات، لقد نبهنا من قبل إلى خطورة تشكل هذا اللاشعور الثقافي تجاه مجتمعاتهم وأهلهم، وذلك عند حملة اعتقالاتهم غبّ اعلان بيروت-دمشق، عندما وثبوا وثبة رجل واحد على المستوى الاعلامي والثقافي والسياسي، ليردوا على الاستنكار العالمي لسلوكهم القمعي الشائن، باتهام العالم بأنه يحابي اسرائيل ويسكت على جرائمها ضد حقوق الانسان، بينما لا يسكت على جرائمنا (العربية) ضد حقوق الانسان، ليخلصوا إلى اتهام الغرب بازدواجية المعايير: السكوت على جرائم الاسرائيليين وفضح الجرائم العربية!
ولقد نبهناهم من قبل إلى أنهم يضعون أنفسهم دون وعي بموقع واحد مع الاسرائيليين من حيث العلاقة مع بلادعم وأوطانهم، وذلك ربما بسبب لا شعورهم الثقافي الذي يغربهم عن شعبهم ووطنهم، فلا يجدون فرقا بين علاقة الحاكم الاسرائيلي المستوطن بمستعمريه، وعلاقة الحاكم العربي بشعبه، على اعتبار أن الاثنين كأنهما مستوطنان وفق استبطان داخلي لا واعي لعلاقة الحاكم والمحكوم، لكن المماثلة والمقارنة تذهب – مع ذلك - لصالح القمع الاسرائيلي الذي لا يقمع مستوطنيه اليهود على الأقل، بل يقمع أعداءه العرب!!
هذا اللاشعور الثقافي المستلب المتحكم بوعي النخبة المتسلطة المتغربة عن شعبها يضيع عليهم الفروق والمميزات بين فداء حوراني الذي يمثل والدها الفاعل الأكبر في تاريخ سوريا السياسي الحديث، وذلك باعتراف صديقهم الانكليزي باتريك سيل، وبين رئيسة الاتحاد العام النسائي من الرفيقات الهتافات بالروح والدم!
فداء حوراني ليست رفيقة شبيبية أو حزبية أو اتحادية أو مظلية، فداء حوراني انتخبها الأشرف والأنبل والأطهر من رجال سوريا ونسائها من المشاركين في المجلس الوطني لاعلان دمشق لتكون رئيسة له.
ليست تعابير الأشرف والاطهر والأنبل هي من نوع الانشاء الذي يستهلكه يوميا الاخوة اللبنانيون، بل هو دال تعبيري ينصب على دلالة مضمونه ومغزاه انصابا، وذلك لأن 165 ممثلا للشعب السوري يحضرون هذا الاجتماع وليس للأجهزة الأمنية اي ممثل فيها، لهو تجمع الأخيار الأطهار، الذين لم ينتخبوا رئيسة فحسب، بل توجوا قديسة اسمها فداء حوراني.
فداء ليست شبيبية ولا مظلية لتكون طبيبة شبيبية أو أستاذة جامعية مظلية، كما هم أساتذة جامعات البعث اليوم، وطب البعث، وقضاء البعث، بل هي طبيبة مجتمع، طبيبة مدينة (حماه) التي تعرف بطحاؤها وطأتها الانسانية النبيلة، إنها قبل أن تكون رئيسة المجلس الوطني لاعلان دمشق كانت أمينة سر الأمانة العامة السابقة: أمانة عامة تضم كبار سوريا: رياض الترك، رياض سيف، عبد الحميد درويش، عبد الغني عياش، حسن اسماعيل عبد العظيم، ، ولقد أسعدني الحظ أن أتعرف إليها وهي تقود أحد اجتماعات الأمانة العامة التي لم يتح لي سوى حضور أحد اجتماعاتها كعضو فيها، كانت سعادتي وفرحتي كبيرة بفداء، لكون سوريا ولادة وفداء ولادة (طبيبة نسائية) لكون سوريا قادرة على كل هذا العطاء، هكذا كنت فخورا بوطني، وهكذا كانت وطنيتي تترقرق في أنسجة مشاعري، وانا أنظر الى فداء الحوراني وهي تقود هذا الاجتماع للكبار باقتدار تمتد ينابيعه وخصبه إلى زنوبيا بعد عملية تصحير للروح وتجفيف للينابيع امتدت على مدى أربعة عقود عجاف من تاريخ النظام الشمولي.
ذلك هو اختبار الوطنية الذي يضع اعلان دمشق أمام تحدياته أيها السادة بلغاء رطانة الشعارات القومية التي تسفح عند اقدام الطغاة، فلكم وطنيتكم ولنا وطنيتنا.
لكم وطنية شعارات الفحولة المخصية وأرباب السجون والمعتقلات، ولنا وطنية الحرية والديموقراطية، حقوق الانسان، وتمكين المرأة والشفافية وتعويل محي الدين بن عربي على الأنوثة بوصفها شعر الكون، لنا فداء حوراني، ولكم أصفادها.
لنا وطنيتنا التي عبرنا عنها في بيان الـ 52 مثقفا، عندما كانت كرامة جيشنا الوطني تنتهك في حفر الباطن تحت قيادة قوات التحالف ودفعنا ضريبتها بالتهديد والوعيد والاعتقالات، وبومها لم يكن بيننا كل اولئك الذين ينسحبون من الاعلان أو يجمدون صلتهم به استرضاء واستقواء وتزلفا للوطنية الامنية التي لا ترى في أمن الوطن سوى امنها!
لا بد من وضع معايير دستورية واضحة وصريحة في تحديد معنى الوطنية واللاوطينة لنخلص من كل هذا (التهريج الوطني الامني) وملحقاته واشتقاقاته من المستوطنين السوريين في الغرب منذ عشرات السنين: يدافعون عن حقوق الانسان في كل أنحاء العالم ما عدا سوريا... لأن سوريا مهدددة بالدبابات الامريكية فهي ليست بحاجة إلى الحرية، وهم يتفردون بوطنية شديدة تميزهم عن كل أبناء وطنهم في المهجر، بأنهم يرفضون العودة على ظهور الدبابات أمريكية...!؟ هذا القول يستدعي حكما أن مئات الآلاف من المنفيين والمهجرين السوريين الآخرين ينتظرون الدبابات الأمريكية ليعودوا على صهواتها باستثناء صنديد واحد، يتفرغ لكل حقوق الناس، ما عدا مواطنه السوري الذي لا يستحقها لأن عليه أن يتفرغ لمقارعة الامبريالية، هذا وشركاؤه هم الذين يريدون أن يلقوا علينا مواعظ في الوطنية وينسحبون من اعلان دمشق وكأن أحدا شعر بدخولهم لكي يشعر بخروجهم، فهذا الأمر لا يعنينا نحن الذين نعيش داخل بطن وحش الاستبداد، ولذا فالأولى أن يقدموا طلب انسحابهم إلى الفرع الأمني المتولي شأن ملاحقة نشطاء اعلان دمشق...!
إننا ندعو إلى تفعيل دور المحكمة الدستورية العليا - هذا ان كانت موجودة - لكي تفعل القانون المتعلق بـ"الاتصال بعدو يكون الوطن في حرب معه"، فليس هناك من بين الـ 165 الذين حضروا احتماع المجلس الوطني لاعلان دمشق من شاركوا في اتخاذ قرار ارسال الجنود السوريين لقتال الجنود العراقيين تحت القيادة الأمريكية في حرب الخليج الأولى، وليس بينهم من شارك في أية مؤتمرات اقليمية أو دولية مع اسرائيل بحضور شامير، حتى ولو ساجلوا الاسرائيليين بطريقة كاريكاتورية ميلودرامية في تقديم صورة شامير كمجرم حرب، فجماعة اعلان دمشق أكثر جدية ومسؤولية في الموقف من العالم والعلاقات الدولية من هذا (التهريج النضالوي الممانع).
ليست فداء حوراني ولا أي ممثل في اعلان دمشق من صافح الرئيس الاسرائيلي، أو دعا الاسرائيليين لتجريب نواياه في السلام أو الممانعة، تأسيسا على فهم معنى الممانعة في مصدرها القرآني الأصلي "يتمنعن وهن الراغبات".
ليست فداء حوراني ولا جبر الشوفي ولا علي العبد الله ولا أكرم البني ولا أحمد طعمة ولا وليد البني ولا ياسر العيتي من أعلن رضاه عن التجاوب الاسرائيلي نحو السلام وشكواه من امريكا بمثابتها هي العائق التي تمنع اسرائيل من التجاوب الاسرائيلي مع "رغبة سوريا في السلام" كما عبر عن ذلك نائب الرئيس السوري للشؤون الخارجية.
لم يخطر على بال فداء الحوراني ولا على بال أبيها أكرم الحوراني منذ 1948 أن يأتي حين من الدهر على سوريا لا يكون لنظامها حليف في العالم سوى ايران أوصديق سوى اسرائيل، حيث لا يتردد ايديولوجيو النظام الوطني الممانع من الاعلان بصراحة وبدون خجل أنهم هم ضمان امن اسرائيل وإلا فإن البديل هو: الفوضى أو الحكم الاسلامي.
لن نسترسل في ايراد الوقائع حول زيف شعارات الصمود والتصدي والممانعة وثقتها المتبجحة بالنفس لتوزيع شهادات الوطنية على من هم ضمير ومخ الوطن، وذلك لكي لا نقدم خدمة لـ (حربجيي النظام الأمني) الذين يريدون منا أن نكون ستارة يساروية قوموية يخفون وراءها (ولائم التهريج الشعارية) من جهة، ولكي يقولوا للغرب أن المعارضة الديموقراطية هذه ترفض سياسات النظام المعتدلة... وأن هذه المعارضة بمجموعها تمثل أطيافا من اليساريين والقوميين الذين يرفضون الخيارات السلمية لنظامهم المعتدل..!
ولذلك نقول: إن كشفنا لأكاذيب الصمود والتصدي لا يعني أننا (حربويون)، وأننا سنقتلع مع أحمدي نجاد اسرائيل من خارطة العالم أو نرميها إلى أوربا أو في البحر، بل نريد نظاما مدنيا ديموقراطيا عقلانيا يحتكم إلى المنظومات الحقوقية والقانونية الدولية، وشرعة الأمم المتحدة، بدون (زعرنات وبلطجات شعارية) انحطت معها مكانة سوريا وسمعتها إلى الحضيض، حتى راحت تبدو عالميا وكأنها السفيه الذي يداري العالم سفاهته، إذ تهدد العالم دائما بأسر أبناء جلدتهم وأبناء وطنهم أو اعتقالهم أو تهديدهم او اغتيالهم اذا لم يتركهم (العالم أحرارا) في نهب البلاد واذلال العباد!
لا نظن أن عبدة وعبيد وعباد وثن العجل الذهبي للسلطة، ليس بينهم بعض العقلاء والحكماء الذين ينبهون اولئك المسعورين أنهم بكلبيتهم الجارحة هذه التي بلغ حد سعارها أن لا تعرف الدلالة الرمزية لاعتقال الدكتورة فداء الحوراني وما تنطوي هذه الدلالة على ايحاءات موغلة ومتوغلة في المخيال الثقافي الشعوري واللاشعوري المترعة بنزعات ثأرية وانتقامية تغذي الفضاءات المجتمعية المشحونة، بالتوتر الطائفي والمذهبي والجهوي وتنذر بالشر المستطير، وإنهم بـ (مرجلتهم وقبضاويتهم وقبضاتهم)، لا يعملون سوى على مزيد من تفكيك وتآكل البنية التكوينية السوسيولوجية للمجتمع السوري، ومن ثم تدمير الهوية الوطنية السورية التي أنهكها التفكك، مهما غلفت هذه الوطنية بالشعارات الصادحة والصائحة والصارخة التي لم يعد يصدقها حتى المتشدقون بها.
لا زال لدينا ايمان وأمل أن ثمة عقلاء قادرون على فهم مغزى رسالتنا هذه، فلا بد من ايقاف تصارع الأجهزة الامنية على التسابق في اثبات الكفاءة بمدى القدرة على اهانة الشعب السوري، واذلاله وتدمير ذاتيته الوطنية، وتحطيم رموزه الذين صنعوا هويته الوطنية، إن هذه الممارسات لا تقود إلا إلى السير بخط مستقيم نحو الحرب الأهلية، ففداء الحوراني اليوم تكثيف لكل المعاني والرموز والايماءات والايحاءات والمجازات التي تصوغ لوحة سوريا، واعتقالها هو اعتقال لمعنى سوريا، فاحذروا غضب سوريا أيها العقلاء وأوقفوا جائحة العصاب الهذياني الهستيري الذي يعصف بين ظهرانيكم، والذي قد يؤدي لأن يعصف بالبلد، فلا يبقي ولا يذر!
__________
* كاتب سوري – حلب
.
.