Accueil‎ > ‎

Opinions - الرأي

لن أكره الجزائر
بقلم / عمرو عبدالحميد مدير مكتب الـ ب ب سي  بالقاهرة

فى مايو ٢٠٠٣ قصدت الجزائر لتغطية الزلزال المدمر الذى ضرب منطقة بومرداس.. بعد انتهاء مهمتى دعانى زميل جزائرى على غداء فى أحد المطاعم.. أراد الترحيب بى على طريقته فقال للجرسون: اهتم بنا، لدينا ضيف عزيز من الشقيقة مصر!.. رمقنى الجرسون بنظرة نارية وكأنه اكتشف عدوا لدودا وقال بهدوء: أنا أكره مصر والمصريين!.. لم أتمالك نفسى فدخلت فى نوبة ضحك، ساهمت فى التخفيفْ من حرج وارتباك الزميل.. سألتُ الجرسون: هل تشجع كرة القدم؟!..

كان هذا السؤال مفتاحا لحل اللغز، أجاب بحماس: طبعا، لهذا السبب أكرهكم.. نحن لن ننسى ما فعلتموه معنا فى ستاد القاهرة عام ١٩٨٩ حين صعدتم على حسابنا إلى كأس العالم!.. فى تلك اللحظة انفجر زميلى فى الجرسون ووصفه بقلة الذوق وبالتفاهة، وكاد الموقف أن يتطور بينهما إلى درجة التشابك بالأيدى لولا تدخل صاحب المطعم الذى انحاز لزميلى فوبخ الجرسون وقدم لنا كل آيات الاعتذار!.. تقفز هذه الحادثة من الذاكرة مع حوادث مشابهة، وقعت أثناء سنوات الدراسة فى روسيا، كان أبطالها زملاء جزائريون، أثبتوا بجدارة من خلال طبعهم الحاد أنهم صعايدة المغرب العربى!..

ورغم ذلك لم أكره الجزائر، ولن أكرهها حتى لو ذهب مقاولو برامج التوك شو فى القنوات التليفزيونية المصرية والجزائرية أبعد مما وصلوا إليه اليوم!.. لن أكره الجزائر حتى لو علت صرخات المتاجرين بحدث رياضى ليجعلوه معركة قومية، وليوزعوا من خلاله صكوك الوطنية واتهامات التخوين!.. معركتنا القومية الحقيقية فى مصر هى البطالة وارتفاع الأسعار والفقر وتدهور مستوى المعيشة والعشوائيات والفساد والعنف الاجتماعى، وهى المعركة الحقيقية فى الجزائر نفسها!.. الهوجة الحالية فى كلا البلدين ليست من قبيل الصدفة، بل بفعل فاعل، سقطتْ على حِجره الساحرةُ المستديرة فهتف: وجدتُها!

ناجاها قائلا: أنتِ الدواءُ المخدر للغلابة لينسوا مرارة العيش..أخرِجى من صدورهم شحنات الغضب واليأس والإحباط، حوليها إلى نيران تلتهم العلمين المصرى والجزائرى، وحجارة تلقى على أتوبيس اللاعبين الجزائريين فى القاهرة وتدمر مكاتب الشركات المصرية فى الجزائر، وحملات إعلامية شعواء تتبنى الكذب والمبالغة، ولا تستثنى شيئا، لا التاريخ ولا الدين ولا الثقافة ولا حتى دماء الشهداء!

أخذتنا العزة بالإثم فلم يسأل أحد: كم صرفنا من أموال دافعى الضرائب على لاعبى المنتخب؟.. لماذا ظهر هؤلاء المغاوير فى استاد أم درمان كأرانب مذعورة؟!.. ماذا نقصهم كى يؤدوا مباراة السودان كما أدوا المباراة السابقة فى القاهرة؟ بأى حق يقبلون التكريم المادى والمعنوى؟!.. يجب أن نتحلى بالشجاعة ونعترف أننا وجدنا فى تصرفات همجية لمشجعين جزائريين فى الخرطوم شماعة لنعلق عليها فشلنا.. زمان كانت حجج الهزيمة الكروية تتوزع بالتساوى بين حكم المبارة وسوء حالة الملعب وأعمال السحر وارتفاع درجة الحرارة، وكأن لاعبينا يا حرام مصنوعين من الأيس كريم!.. لم يتغير شىء، بل حاول البعض أن يجد فى الإخوة السودانيين شماعةً أخرى للفشل!..

حتى السودان، البلد الوحيد الباقى لنا من بلدان حوض النيل تريدون خسارته يا عالم؟؟!!..الحمد لله أن تعليمات عليا ردت الأمور بهذا الخصوص إلى العقل والمنطق قبل انطلاق المظاهرات باتجاه السفارة السودانية!..والشكر لله أن تعليمات مشابهة دعت إلى ضبط النفس وتجنب الإنفعال تجاه الجزائر قبل أن تشتعل حربٌ كتلك التى خاضتها هندوراس والسلفادور منذ أربعين عاما بسبب مباراة كرة قدم!.. فى ظروف الهوجة تصبح كلمة الحق نشازا.. لذا لا أحد من الموتورين سيجيبك بصدق: كم محضرا سجلته الشرطة لوقائع تحطيم سيارات (مصرية!) ليلة فوزنا على الجزائر فى القاهرة؟!

لماذا ألبسنا كلبا فانلة المنتخب الجزائرى وطفنا به ليلتها مهللين فى شارع جامعة الدول العربية؟!.. الأمر ذاته ينطبق على أطراف جزائرية على رأسها السفير الجزائرى لدى مصر الذى ساعد فى إشعال نار الأزمة بإصداره تصريحات ظاهرها كان الرحمة وباطنها العذاب، وكذلك الصحف الجزائرية معدومة الضمير التى خرجت بمانشيتات سوداء تنعى سقوط قتلى جزائريين فى القاهرة وهو ما لعب الدور الأساسى فى تأجيج المشاعر فى الجزائر!..

من حسن الحظ أن هناك مؤشرات على وجود عقلاء فى حكومتنا يوقنون أن قوى إقليمية معينة تسعى لتحويل برود العلاقات المصرية الجزائرية إلى أزمة سياسية تُفضى إلى قطيعة، ويدركون أن التجربة الاستثمارية المصرية الوحيدة التى يمكن وصفها بالناجحة هى فى الجزائر.. كعكةٌ حجمها ستة مليارات دولار يحسدنا عليها منافسون جزائريون وآخرون فرنسيون وعرب، من مصلحتهم أن تُغلق الشركات المصرية أبوابها ويرحل أصحابها وعمالها إلى غير رجعة!.. وجود هؤلاء العقلاء يعزينى إزاء الهستيريا التى تحاصرنا، فضلا عن قناعتى التامة بأن أصحاب حملة الرصاص الإعلامى المسكوب فى مصر والجزائر سيصابون بالسكتة القلمية والميكروفونية عند أول لقاء سيجمع الرئيسين مبارك وبوتفليقة!..

وحتى ذلك الحين الذى أتمنى أن يحل سريعا سأظل أردد: لن أكره الجزائر..بل أكره جميع المتعصبين والمأفونين والمزايدين والمنافقين والدجالين السياسيين والإعلاميين.. الجزائريين والمصريين!


هيفاء وهبي تقصف الجمهور الجزائري
نضال حمد كاتب من فلسطين ـ مدير موقع الصفصاف

إن الذي حدث ويحدث بين مصر والجزائر حكومة بمواجهة حكومة ، جمهور ضد جمهور واعلام ضد اعلام يدعونا للغضب والاشتعال وللوقوف ضد المتآمرين من داخل الداخل العربي على العروبة ووحدة العرب ومصير أمة العرب. فالمدى الذي وصلت اليه الخلافات بين  مصر والجزائر بعد الموقعة الكروية في ام درمان السودانية، أساء للعرب وللأمة العربية.واظهر بوضوح أننا أمة يجب أن تفكر بمستقبلها وحاضرها وأن لا تبقى عاجزة ومرتهنة لأعدائها الداخليين والخارجيين.

في هذا الوقت بالذات حيث المجرمة "تسيفي ليفني" وزيرة الخاريجة الصهيونية السابقة تتجول في شوارع ومدن المغرب ، وبيريس يلقي المواعظ في قطر ومصر ، وصهاينة آخرون يجولون في بلدان عربية عديدة .. في هذا الوقت أمة العرب بحاجة لاعادة احياء لغة العقل والثورة في شباب هذه الأمة. إذ لا يجوز أن يبقى شباب العرب رهائن لانظمة مهترئة ، مرتهنة وفاسدة ومتسلطة وظالمة ومستسلمة ، وكذلك لاعلاميين متصهينين ، متفرعنين وفرانكفونيين ، معادون للعروبة والعرب.

 إن مستوى الوعي والانتماء القومي لدى جمهور كرة القدم في كل من مصر والجزائر يدعونا الى البكاء والنحيب واللطم على حال هذه الأمة المقسمة ، المفتتة ، المنهارة ، المهزومة والمكلومة. أمة تتحكم بمصيرها وبتحريك مشاعر جمهورها مجموعة من أعداء العروبة والوحدة ، من الذين ينسبون أنفسهم للفرانكفونية في الجزائر وللفرعونية في مصر.. هؤلاء هم أعداء البلدين بعد الكيان الصهيوني والتخلف والفرقة والإنقسام. فهل يستطيع أي كان أن ينفي دور الشعب المصري العظيم في دعم واسناد ثورة المليون ونصف المليون شهيد؟ وهل يستطيع أي كان ان يلغي دور الجزائر الرئيسي والأساسي في دعم مصر عبر وضعها لدى السوفيت شيك مفتوح مقابل ارسال الدبابات والعتاد الحربي للجيش المصري اثناء حرب اكتوبر 1973 . التي ارادها الشعب حرب تحرير لكن النظام ارادها حرب تحريك فتسوية فانهزام واستسلام فيما بعد.

 تنشط منذ مدة في مصر منذ توقيع معاهدة كمب ديفيد مجموعات معادية للعروبة، تريد سلخ مصر عن واقعها العربي وربطها بالغرب. خاصة أن النظام الحالي الذي ورث عن السادات معاهدة كمب ديفيد وحافظ عليها وحماها وصانها من غضب الشعب والأمة. فكمب ديفيد  كبلت مصر وجعلتها رهينة لأموال الولايات المتحدة الأمريكية والعلاقات مع الصهاينة.وقد برهن النظام الحاكم في مصر الذي لا يخفي تنسيقه الأمني مع الصهاينة على حدود مصر مع فلسطين المحتلة وفي معبر رفح على أنه شرطي مطيع للولايات المتحدة الأمريكية واوروبا الغربية والصهاينة. فهو النظام  الذي يحاصر غزة ويمنع دخول المساعدات الى القطاع وهو الذي يبتزأهل غزة بالدواء والماء والغذاء واللباس والكهرباء والطاقة وكل مقومات الحياة. كأنه احتلال آخر أسوأ من الأحتلال الصهيوني الذي يمارس نفس البشاعة على الجهة الأخرى من حدود غزة مع فلسطين المحتلة سنة 1948 . فليتذكر القارئ الكريم أعداد الفلسطينيين الذين يموتون على معبر رفح ، حيث لا توجد سيادة حقيقية ولا كرامة مصرية، فكل هذه الأشياء مداسة ببساطير جنود الاحتلال الصهيوني.

بينما يقف النظام موقف بطل مسرحية عادل امام "شاهد ماشافش حاجه" من خروقات الصهاينة واعتداءاتهم على سيادة وكرامة مصر ، نجده يتفرعن على معبر رفح في معاملته مع الفلسطيني . حيث تبدأ رحلة الاذلال والاهانات والشتائم بحذف بطاقات الهويات وجوازات السفر و الأرواق الثبوتية ، وكلمة  " ما ينفعش ".. ، ثم ترك الناس تحت أشعة الشمس الحارقة أو في البرد الشديد ، في العراء دون غطاء ودون ما يرد عنهم المطر والشتاء. وتشليح المسافرين من غزة الى مصر اموالهم ، والبلطجة وطلب الرشوى علناً ، سواء من قبل الجنود والحراس وافراد الشرطة أم من الضباط المناط بهم الحفاظ على أمن مصر وصيانة وحماية كرامة المواطن المصري والعربي...  كيف سيحمي لص أو جائع او فاسد كرامة أكبر بلد عربي ؟

المرضى يا ست هيفاء وهبي يموتون على معبر جمهورك في رفح ، ويدفنون بسرعة عملاً باكرام الميت دفنه، ولو استطاع لصوص معبر رفح من الجانب المصري لدفنوا كل فلسطيني يأتي اليهم من غزة. إن القصص والحكايات التي يرويها أهل غزة عن المعاملة المصرية على المعابر وفي المطارات شيء فظيع.  مثل تصريحاتك التي هاجمتِ فيها الجمهور الجزائري وانحزت للجمهور المصري ، بدلاً من أن تعلني بصوتك المسموع عند قطعان كثيرة من شباب الجمهورين، أنهم عربا و عليهم أن يخجلوا مما يفعلون ، بدلاً من ذلك صببت يا هيفاء زيتك على النار المشتعلة، حين انحزت لمصر ضد الجزائر، وتفوهت بكلمات معيبة بحق الشعب الجزائري ، مثل : "لن أهتم بالغناء في الجزائر بعد تلك الأحداث .. فالفن يحتاج للحب الذي لم أجده في هذه المباراة" .. و كذلك : "ماذا سأفقد من عدم الغناء في الجزائر، سأفقد ساقي أو يدي؟! .. لا أهتم بالذهاب لجمهور لن يتقبل الفن". وأوضحت هيفاء التي كانت تدلي بدلوها لقناة النيل الرياضية أن "ما حدث في المباراة يسيئ للجميع وأرفضه كفنانة ولبنانية تعشق مصر وتقدرها".وأكدت أنها "مستاءه للغاية بسبب وجود هذا الحقد من بعض ممن يوضع اسمهم ضمن شعوب العرب".واستدركت هيفاء "وبالرغم من استيائي مما حدث إلا أني سعيدة لكشف حقيقتهم السيئة أمام الجميع".

هل تعلم عزيزي القارئ لماذا يعيش العربي اليوم في زمن أنظمة الردة ؟

لأنه يوجد بين أمة الضاد من يسيل لعابه لمجرد رؤية فنانات آخر زمن وهن يهزن الخصر و يبرزن الصدور و يستبلدن المقدمات بالمؤخرات ، ويخففن من الثياب مما يجعل اجسادهن شغل المستمع وليس اصواتهن. كما أنهن يقدمن غناءا مبتذلاً لا يمت للشرق العربي بصلة.   غناء دمر الأذواق العربية ، تماما كما الاداء السياسي للحكام العرب الذين دمروا القضية العربية ومزقوا وحدة هذه الأمة وجعلوها من أكثر شعوب العالم تخلفاً وفرقة. إن الوحدة العربية الحقيقية هذه الأيام موجودة فقط في وحدة الغناء العربي الفاسد مع الأنظمة العربية الفاسدة.

كل من يتهم الشعب الجزائري بعروبته ( مثل هيفا) يفعل تماماً كما تفعل الجماعات التي تدير الاعلام في مصر والأخرى التي تسرق مقومات شعب مصر وتمثيله القومي والوطني. جماعات الكمبديفيدية والفرعونية ، تلك التي لا تخفي تنكرها لعروبة مصر. مصر العظيمة التي قادت معارك العرب والأمة والوحدة بقيادة زعيمها الخالد جمال عبد الناصر. الجماعة المصرية التي تهاجم الجزائر والجزائريين هي نفسها التي هاجمت وتهاجم جمال عبد الناصر وحسن نصرالله والمقاومة العربية في فلسطين ولبنان والعراق.

أخيراً لا يسع المرء إلا التأكيد على أن الانسان العربي المنتمي لعروبته ووحدة هذه الأمة  يتمزق حزناً وأسى وأسف عندما يرى أن هناك اصطفاف من قبل بعض الفنانين والمثقفين الى جانب الجماعات التي تصب الزيت على نار الخلافات بين مصر والجزائر. فدور الفنان توجيهي ،بالمعنى الايجابي لا السلبي. وهكذا ايضا يفترض ان يكون دور المثقف والاعلامي والسياسي. وقبل هؤلاء جميعاً دور الرئيس وأركان حكمه في اي بلد كان.
 
* كاتب من فلسطين
  sofsafi@gmail.com
ـ مدير موقع الصفصاف


بشرى سارة لمصر والعرب
د. عبدالوهاب الأفندي (القدس العربي اللندنية)


(1) في نكتة بريطانية قديمة روي أن رب أسرة كان يتناول العشاء مع بقية أفراد العائلة في مطعم مشهور، فطلب من النادل بعد الفراغ من الأكل أن يضع فضلات الطعام في صندوق لأنه يريد أن يأخذها معه لإطعام الكلب. عندها التفت أحد الأطفال قائلاً لأخته: يا لها من بشرى سارة! سيشترون لنا كلباً!
(2)
تذكرت هذه النكتة وأنا استمع إلى قادة مصر وهم يتسابقون بعد معركة أم دمان الكروية التاريخية التي رفعت قوماً ووضعت آخرين، للتأكيد على أنهم لن يتهاونوا في كرامة شعب مصر بعد اليوم، وأن أي إهانة يتعرض لها مواطن مصري هي إهانة مصر لن يتسامح معها الزعماء ولا قادة الرأي ومذيعو التلفزيون وكتاب الأعمدة. قلت لنفسي وأنا أتابع هذه الانتفاضة المباركة من أجل كرامة شعب مصر: يالها من بشرى سارة! فلن يهان مصري بعد اليوم، ولن تضام حقوقه، أو يعتقل بغير حق، أو يتعرض للتعذيب، أو يختطف من قبل مخابرات أجنبية ويعاد إلى مصر حيث يجد كل شيء إلا الكرامة.
(3)
بنفس الدرجة أشفقت على قادة تلك الأجهزة البوليسية التي امتهنت إهانة وتعذيب المصريين في مراكز الشرطة ومعتقلات الأمن، والمصير المظلم الذي ينتظرهم، هم وأولئك البلطجية الذين تحرشوا بالمصريين والمصريات، وقاموا بالاعتداء على الحرائر في وضح النهار، وعلى مرأى من الشرطة. فهم ومن يقف وراءهم سينالون جزاءهم العادل.
(4)
الويل والثبور كذلك لمن زوروا إرادة المصريين في الانتخابات، ومنعوا المواطنين والمواطنات من الإدلاء بأصواتهم باستخدام كل أساليب البلطجة، وياله من مصير بائس ذلك الذي ينتظر من روج لأن الشعب المصري يمكن أن يورث كالمتاع ولن تكون له كلمة فيمن ينبغي أن يقود البلاد. أما أولئك الدبلوماسيون الذين مرغوا سمعة مصر في التراب وجعلوها تابعة ذليلة لأمريكا وحاجباً عند نتنياهو، فإنهم سيحسدون ضحايا الثورتين الفرنسية والبلشفية على ما لقيه أولئك من معاملة رحيمة.
(5)
ليست مصر وحدها هي التي تشهد انتفاضة الكرامة والعزة، ففي جزائر المليون شهيد نشهد صحوة مماثلة تذكر فيها الشباب مجد أسلافهم. ولا شك أن الثورة الجزائرية الجديدة التي اشتعلت في ظل قبة الإمام المهدي في أم درمان لن تتوقف حتى تكنس من الجزائر المسؤولين عن مجازر العقدين الماضيين وفساد وركود العقود الأربع الماضية. الشباب الجزائري لن يتسكع بين اليوم من ظل حائط إلى آخر، ولن يسابق بقية شباب العرب إلى قوارب الموت نحو أوروبا، بل سيزحف باتجاه قصور الطغاة والمجرمين ويجعلهم هم يتسابقون على قوارب الموت أو يتسكعون عند الحيطان.
(6)
رب نقمة في طيها نعم، ولعله من الخطأ أن ننزعج لأن جنون الكرة ألهى الجماهير العربية ومعها الزعماء، عن كل مكرمة، وشغل الناس عن عظائم الأمور بصغائرها. ولكن هل كنا، لولا الكرة، نشهد هذه الصحوة المباركة من أجل كرامة الشعوب، وهذا التضامن المذهل بين كل طبقات الشعب؟
(7)
هناك أيضاً اتهام جائر وغير واقعي للحكومات العربية بأنها قد تخلت عن رشدها المعهود، وأصبحت تابعة لسفهائها من الدهماء والغوغاء، بخلاف حكومات الدول المتحضرة التي تردع سفهاءها وترفض أن تنساق وراء إجرامهم. ويقول هؤلاء المفترون إن الحكومات البريطانية كانت قد ابتليت خلال العقود الماضية بمشجعين لفريق انكلترا وبقية فرق الكرة، كانوا كلما دخلوا قرية عاثوا فيها فساداً وهم يرفعون أعلام بلادهم. ولكنها لم ترسل أساطيلها لدعم هؤلاء السفهاء، ولم تأمر البي بي سي أن 'تؤدب' فرنسا وغيرها من الدول المارقة عند اعتقال هؤلاء وردعهم، بل بالعكس، تعاونت مع كل دول العالم في تحديد من تولى كبر هذا الإجرام، ووضع أسمائهم في سجل، ومصادرة جوازاتهم لمنعهم من السفر وحرمانهم من تذاكر المباريات.
(8)
أنصار هذا الرأي يريدون من حكومات بني يعرب ذات البأس أن تحذو حذو بريطانيا وغيرها من دول المتخاذلة التي تستباح إبلها وحرماتها، لأنها ليست من مازن ولا قريش وغطفان. وهذا خطل كبير، لأن ورثة قوم داحس والغبراء لا يرضون الذل لرجل من القبيلة، مهما كان حظه من السفه، بل نحن ننصر أخانا ظالماً أو مظلوماً، وبالأخص ننصره ظالماً.
(9)
إضافة إلى ذلك فإن أنصار مثل هذا الرأي المتخاذل لا يقدرون انتفاضة الحكام الأخيرة حق قدرها. فإنها لخطوة كبيرة إلى الأمام أن تتفاعل الحكومات مع قطاع من الرأي العام وتنحاز إلى فئة من الشعب، حتى ولو كانت سفهاء الأمام وبلطجيتها. أليس اتباع سفهاء الأمة أفضل من اتباع سفهاء الدول الأخرى؟ أوليس تذكر أن للشعوب كرامة يحق للحكومات وحدها انتهاكها هو أيضاً خطوة جبارة إلى الأمام؟
(10)
ربما تكون الخطوة التالية من يدري، فليس ذلك على الله بعزيز- أن يتذكر الحكام وبطانتهم أن للأمم والدول أيضاً كرامة. لقد كان معروضاً على الجزائريين يوماً أن يكونوا مواطنين كاملي المواطنة في فرنسا ولكنهم قاتلوا وبذلوا مليون شهيد لأنهم يريدون وطناً مستقلاً. أما اليوم فإن الجزائري يستشهد حتى يصبح كناس طرق في فرنسا. وحتى عهد قريب كانت مصر تدافع عن كرامة كل العرب وكانت كرامتها محفوظة مصانة. أما اليوم فإن غاية الكرامة أصبحت عند البعض هي أن تصبح مصر بواب نظام الاحتلال في غزة والمكان الذي يقضي فيه نتنياهو حاجته. فعسى أن نكره انتفاضة السفه والعصبية ويجعل الله فيها خيراً كثيراً، إذ ليس هناك شر مما نحن فيه!

مصر والجزائر بين الرياضة والهوية!
د. رضوان السيد "الشرق الأوسط" اللندنية

ما بدأت ثورة الجزائر على الاحتلال الفرنسي عام 1954، وإنما بدأت عام 1924 ببيت شعرٍ لعبد الحميد بن باديس شيخ الإصلاحيين يقول فيه: شعب الجزائر مسلمٌ/ وإلى العروبة ينتسِبْ. فقد حدّد الرجل في بساطةٍ معْجزة الانتماء الديني والهوية القومية للجزائريين، وبهاتين الركيزتين: الانتماء والهوية، ظلّ الجزائريون يناضلون بالقلم وبالتظاهرات وبالسلاح حتى حصلوا على استقلالهم عام 1962، بعد أن تخربت بلادهم، وفقدوا أكثر من مليون شهيد. وما بقي عربيٌّ في مشارق الأرض ومغاربها إلا وشارك على طريقته في ثورة الجزائر على الاستعمار. وأذكر أنّ والدي رحمه الله الذي اصطحبني للدراسة بالمعهد الشرعي ببيروت بعد حصولي على الشهادة الابتدائية، اضطرّ على مدى يومين لإعادتي للقرية لأنّ كلّ مداخل العاصمة كانت مسدودةً بالمتظاهرين متابعةً للمفاوضات من أجل استقلال الجزائر وحريتها. وعندما دخلت إلى الصفّ أخيراً مع زملائي كان الدرس الأول الذي استمعنا إليه من مدير المعهد الشرعي ـ وكان شيخاً من بعثة الأزهر بلبنان ـ عن ثورة الجزائر وعن حريتها التي اكتسبتها بالدم، وأنّ نموذج الجزائر هو الملْهِم للعرب على الخصوص في نضالهم لتحرير فلسطين.

لكن مصر جمال عبد الناصر، ما اكتفت بالتظاهرات، ولا بالخطب، والتبرعات؛ بل قدّمت لثوار الجزائر ومنذ اللحظة الأولى السلاح والمال والمدرّبين ومكاتب الدعم والعلاقات الدبلوماسية. وقد أخبرني أحمد بن بلّة أنه حتى في مؤتمر باندونغ عام 1955، وحين ما كان كثيرون قد سمعوا بالثوران في الجزائر؛ فإن جمال عبد الناصر أصرّ على تضمين بيان إنشاء حركة عدم الانحياز إشادة بثورة الجزائر وشبابها ودعوة إلى دعم نضالها من أجل الحرية. ويعرف كثيرون أنّ الحرب على مصر عام 1956 كانت من أجل تأميم قناة السويس. ولكنّ الذي لا يعرفه غير المختصّين، أن فرنسا إنما شاركت إلى جانب بريطانيا وإسرائيل في الحملة على مصر، لأنها أرادت إسقاط نظام عبد الناصر بسبب دعمه الهائل للثورة الجزائرية. وما كادت الجزائر تتحرر حتى تدفّق عليها الخبراء المصريون والمدرسون المصريون، فأعانوا على بناء نظام ودولة من الصفر، لأنّ الفرنسيين فكّكوا كلّ شيء وخرّبوه أو أخذوه معهم. وعندما قام العقيد هواري بومدين بالانقلاب على أحمد بن بلّة عام 1965 واستولى على السلطة، ساد مصر وجوم هائل لأن المصريين كانوا يعشقون بن بلّة، ويعتبرونه واحداً منهم، ومضى البعض بعيداً وطالب الرئيس بسحب العاملين المصريين من الجزائر. وقد ذكر لي فتحي الديب ـ الذي كان أحد العاملين في دعم ثورة الجزائرـ: أن عبد الناصر استدعاه مع ثلاثة من زملائه وقال لهم: أنا والله خجِلٌ من هذا الذي أسمعه منكم وعنكم أكثر من خجلي من فِعلة بومدين! ألم تقرأوا عما جرى لخالد بن الوليد عندما عزله عمر بن الخطّاب عن قيادة جيوش الشام، لكنه ظلّ يقاتل في صفوفها وما عاد إلى المدينة معلِّلا تصرفه بالقول: أنا لا أقاتل من أجل عمر بل من أجل ربّ عمر!

أقول هذا كلّه، ليس من أجل ما جرى في المباراة بين الفريقين الرياضيين المصري والجزائري بالخرطوم، وما جرى بعدها؛ فهذه الوحشيات قد تكون من هوجات العوامّ. بل أقوله بسبب تصريحات كبار السياسيين والإعلاميين على التلفزيونات في البلدين. ومن ضمن تلك التصريحات (ومن الطرفين) الندم على توهّمهم أنهم عرب، وهم ليسوا كذلك! فما شأن العرب والعروبة بما يجري، ما دام الفريق الرياضي المصري يسمّي نفسه: الفراعين أو الفراعنة، والفريق الجزائري يعتبر نفسه أمازيغياً أو بربرياً، والمباراة جرت للتأهّل للدورة العالمية في جنوب أفريقيا! وهكذا فإنّ العرب ما شاركوا لا في مصر ولا في الجزائر ولا في الخرطوم، وهم بالقطع لن يشاركوا في جنوب أفريقيا! ثم يا أخي في الجزائر وفي مصر وفي الخرطوم ماذا تكون إن لم تكن عربياً، وكيف تنتقم مصر لخسارة فريقها في المباراة بإنكار عروبتها، أو ماذا تستفيد الجزائر إذا شتمت عروبة المصريين، فردّ المصريون بأنهم هم أيضاً ليسوا عرباً؟! لقد تعجبنا طويلا من العقيد القذافي، الذي أزعجه انقسام العرب (وهو أحد أسبابه!) فذهب إلى أنه أفريقي، وليس عربياً. لكن ما سمعت ولا قرأْت لمثقّفٍ ليبيٍّ إنكاراً لعروبة ليبيا، موطن المجاهدين والثوار وأحمد الشريف السنوسي وعمر المختار. أما في مصر، وأما في الجزائر؛ فإنّ ساسةً ومثقفين وصحافيين أقبلوا وكأنهم على موعدٍ للتناكر والتشاتم والتعيير بالعروبة باعتبارها أمارةً من أمارات الانحطاط. فبالله عليكم ماذا تركتم لأهل صراع الحضارات، وللمحافظين الجدد والإنجيليين الجدد، والصهاينة، ومن لفّ لفّهم وسار على نهجهم في النعْي على العرب وإخراجهم من الإنسانية، بسبب غارة بن لادن على نيويورك! وفي ضوء ما حدث بين المصريين والجزائريين يبدو الأميركيون الذين سخطوا على العرب معذورين! فقد قتلت منهم القاعدة ثلاثة آلاف (لا شكّ أنهم قتلوا بعد ذلك بأفغانستان والعراق مليوناً وأكثر!)، بينما ما قتل منكم الجزائريون أيها المصريون أحداً، كما أنّ المصريين ما قتلوا الجزائريين؛ بل ضحّى كثيرون بأنفسهم إلى جانب الجزائريين في حرب التحرير على فرنسا!

ومع ذلك؛ فإنني لا أعتبر الأمر هوجة عوامّ، ولا خطأ سياسيين وصحافيين ومثقفين. بل هناك فيلمان متراكبان في البلدين العربيين الكبيرين. يتعلّق الأول بالعروبة والإسلام معاً، ويتعلق الثاني بالمشكلات والمصالح الخاصّة. فالكتّاب ورجالات الإعلام في البلدين يشتمون العروبة وفي ذهنهم الإسلام السياسي الذي شكل المعارضة الرئيسية للنظامين. وكانت الستينات والسبعينات من القرن الماضي قد شهدتْ انفصاماً من جانب الإسلاميين عن العروبة بزعم أنّ القومية تناقض الإسلام، وأنّ الأنظمة تتبنّاها. لكنّ العقد الأخير شهِد عودةً للتلاؤم بين المفهومين أو الفريقين السياسيّين. ولذا تصبح الحملة على العروبة بديلا للحملة على الإسلام (السياسي). وفي ذلك دعمٌ للإسلام السياسي من حيث يراد التقليل من شأنه. إذ كيف تجمع عليك أيها السياسيّ أو الإعلامي «الحاذق» خصومة رأس المال الرمزي الكبير هذا، وتسلّم الأصوليين رقبة الإسلام ورقبة العروبة معاً باعتبارك لهم ممثّلين للأمرين، وأنت تريد الخروج منهما إلى الفرعونية والطوارق!

ثم إنّ ما جرى، وتشجيع الأجهزة الرسمية في البلدين عليه، يعني أنّ هناك تضاؤلاً في الشرعية والشعبية، وأنه يراد من وراء مجاراة غرائز العامّة كسْب تعاطفها وعواطفها عسى ولعلّ هؤلاء الشبان البائسين، يصبحون سنداً وعضداً بعد تعذّر السند والعضد خارج غرائز ملاعب كرة القدم؟ فالجميع يعرفون أنّ آلاف الشبان في الجزائر من العاطلين عن العمل يتجولون في الشوارع دونما هدفٍ ولا معنى ولا موارد، ويسمّيهم المزّاحون: حيطست! أي المستندون إلى الحيطان! فكيف امتلك هؤلاء فجأةً المال والنفقات لكي يذهبوا إلى الخرطوم، ويمكثوا ثلاثة أيامٍ من أجل إحداث الرعْب والشغب؟!

وأولاً وآخراً فإنّ هذه المجموعات الهائلة الحجم من الشبان بمصر والجزائر وبغير مصر والجزائر، ما عرفوا الفرص التعليمية، ولا فرص العمل، ولا وسائل الحياة السوية والطبيعية. ولذا فقد كان الأوعى والأولى بالمسؤولين والإعلاميين، أن يكون ما حدث درْساً كئيباً لهم، يدفعهم للتفكير في هذا التوحش الجماعي، والذي ينعكس إحباطاً في بيوتهم وصفوف شبّانهم وشابّاتهم، ويترك آثاراً اجتماعيةً مدمِّرة.

ثم إنّ حياةً من جانب مئات الألوف من أجل الرياضة البدنية، هي حياة خالية من المعنى والفكرة والهدف. ولا شكّ أنّ هذه الظاهرة المفْزعة تتجاوز مصر والجزائر إلى العديد من بلاد العرب والمسلمين. فلدينا من جهةٍ الحزبيات الإسلامية المتشدّدة. ولدينا من جهةٍ أخرى جماهير الشباب الضائعة. وكلتا الظاهرتين مخيفة. الأوائل يبحثون عن المعنى في العنف باسم الدين بشتّى ألوانه. والآخرون يبحثون عن المعنى في الكرة أو في المخدّرات أو عصابات الشوارع. ولا تخلو سائر المجتمعات البشرية من الأمرين لكنني لم أر عنفاً غوغائياً أو عشوائياً يحظى باستحسان بعض شرائح النخبة وأهل التأثير إلا في المجال العربي! ولا حول ولا قوة إلا بالله.



مصر والجزائر: المتستر عن الجريمة مجرم
حميد زنار كاتب من الجزائر


لا يجب التقليل من أهمية تلك المحاولات الطيبة التي تهدف إلى تهدئة الأوضاع بين الجزائريين والمصريين. ولكن النية الحسنة لا تكفي وحدها في مجال الإعلام وقد تكون الحقيقة ضحية لحسن النيات أحيانا. وهو ما قد حصل في كثير من المقالات و البرامج التلفزيونية العربية. وقد رأيت من واجبي أن أتدخل لتوضيح بعض المسائل كيلا أقول المغالطات وذلك بعيدا عن أية نعرة أو وطنجية ضيقة.

أولا: إن الإدعاء بأن ما حدث للمنتخب الجزائري في القاهرة هو أمر عادي يحدث في كثير من البلدان لهو كذب وضحك على عقول الناس.

أتحدى أي كان أن يذكر لي واقعة مماثلة تعرض لها فريق وطني في العالم أجمع اللهم تلك التي حدثت بين الهندوراس والإكواتور منذ أكثر من أربعين عاما وتسببت في حرب بين البلدين. إنه لمن السخف و من العار أن نقارن بين مشادات أنصار فريقين عاديين كلفربول ومانشيستر وبين اعتداء على لاعبين دوليين يمثلون شعب بأكمله. و حتى لو سلمنا بذلك و تجاوزنا هذه المقارنة السخيفة، هل سمع أحد في حياته أن لاعبي مانشيستر أو لفربول رشقوا بالحجارة؟ لم يتعد الأمر احتكاكات بين الأنصار 'يا عالم'!. هل يمكن أن يتصور عاقل أن يتسلل مناصرون ليعتدوا هكذا بكل بساطة في دولة بوليسية مثل مصر لا يتنفس أحد إلا بإذنها؟


ثانيا : إن الإدعاء بأن الصحافة الجزائرية صامتة ولا تقول شيئا في قضية حقوق الإنسان والحريات في الجزائر بينما تدافع عن الكرة لهو افتراء وجهل وتقزيم ظالم للصحافة الجزائرية ورجالها في الجزائر. يا عرب الصحافة الجزائرية المستقلة وقفت بكل حزم وصراحة ضد تعديل الدستور في الجزائر. عودوا إلى الأرشيف وستجدون كل شيء موثق. كما نددت الصحافة الجزائرية في أكثر من مرة بتزوير الانتخابات وهي تفضح وتنشر قضايا الفساد كل يوم، عودوا إلى جريدة الخبر على سبيل المثال وهي أكبر جريدة في الجزائر بل يسميها البعض على حق "الحزب المعارض الأول في الجزائر".

يا عرب لا تسحبوا ما هو موجود في الوطن العربي على الجزائر. في الجزائر صحافة مستقلة صامدة وصحافيون يمضون من الوقت في المحاكم أكثر مما يمضون في قاعات التحرير وهناك من زار السجن ومن ضحى بحياته دفاعا عن الدولة المدنية. ثالثا : وجد بعضهم فرصة لإثارة مسألة اللغة العربية في الجزائر، نقول للمتشدقين، نحن نناضل ونكتب وندافع عن اللغة العربية في الجزائر ووضعها بالجزائر ليس أكثر سوء منه في بقية الدول العربية الأخرى. والمسألة متعلقة بالصراع السياسي بين الجزائريين، ولا يخص سوى الجزائريين أنفسهم ولا نقبل دروسا من أحد وخاصة من الذين يعتبرون لهجتهم هي اللغة العربية كما يفعل المصريون. القضية قضية بين الجزائريين والجزائريين فقط. شخصيا كتبت مقالا منذ أسابيع في يومية ' الجزائر نيوز' ناديت فيه بعصيان لغوي يرفض فيه الجزائريون الوثائق الرسمية التي تكون بغير العربية. هناك تلميحات من هنا و من هناك عن ضعف اللغة العربية في الجزائر! من قال أن الجزائريين لا يحسنون العربية؟ عودوا إلى الكتابات الفلسفية الأدبية والجوائز الأدبية. يا ناس إذا كنتم لا تتابعون ما يصدر، فنحن غير مسؤولين عن عدم إطلاعكم.


رابعا: لا أحد يستطيع أن يعقدنا بمقولة "مصر أم الدنيا" أو 'مصر ذكرت في القرآن" أو "الشقيق الأكبر". هذه الخزعبلات لم تعد تعني شيئا. أنا شخصيا لا يهمني إن ذكرت مصر في القرآن أو الإنجيل أو التوراة. يهمني عندما أقرا أنها تذكر اليوم في ذيل الترتيب العالمي في كل ما هو إيجابي و تذكر في أول القائمة في كل ما هو سلبي، ويحزنني ذلك.
من يسمع و يقرأ ما يكتب و يقول بعض الجهلة يخال له أن المصريين هم الذين حرروا الجزائر، هم الذين حاربوا بدل آبائنا وأمهاتنا؟؟ يا أعزائي العرب، الجزائر لم يحررها لا عبد الناصر ولا غيره. الجزائر حررها الجزائريون بدمائهم وقد هموا بالدفاع عن أرضهم قبل أن يولد عبد الناصر وأم كلثوم. لا تنسوا أن الجزائريين هم الذين بنوا القاهرة التي بدل أن تقهر الجهل والاستبداد و الفقر استعملت كل الطرق المشينة لقهر مجموعة من شباب الجزائر، جاؤوا ليلعبوا مباراة في كرة قدم.


 وبالمناسبة، إليكم هذا السؤال: كيف تفسرون أن المنتخب المصري لم يتمكن أبدا من الفوز على المنتخب الجزائري في ميدان محايد؟ لم ينهزم الجزائريون ضد مصر إلا في القاهرة؟ وإن كنتم لا تعلمون اسألوا الأفارقة لتتأكدوا من الجو الموبوء الذي يخلقه المصريون في ملعب القاهرة.


خامسا: تستعمل المعلقون دائما 'نحن مسلمون وعرپ وعلى ذلك يجب ألا نتقاتل ووو..ما هذا الكلام الخطير؟ يا ناس وإن لم أكن لا مسلما ولا عربيا هل تذبحونني ؟ هل لي الحق في الوجود أم لا ؟ ألا ينبغي بدل هذه العنصرية أن نتحدث عن المواطنة و حرية الفرد والقانون فوق الجميع. سادسا: لا داعي للخطب والبلاغة، يجب أن يتحمل كل مسؤوليته، في القاهرة تم اعتداء سافر على الفريق الجزائري بمباركة النظام المصري، واتهم النظام المصري أعضاء الفريق بالكذب نافيا ما حدث، وتعرض المناصرون الجزائريون في القاهرة إلى اعتداأت وحشية. فهل أنتم مع المعتدي أم مع المعتدى عليه؟


لهذا يكرهكم العرب ؟!
بقلم / سعد بوعقبة ـ كتاب وصحفي جزائري
المصريون اكتشفوا فجأة بأزمتهم مع الجزائر أن العرب يكرهونهم! وهم الذين يقولون لأمريكا وإسرائيل إنهم الأحق بتمثيل العرب في الأمم المتحدة بعد إصلاحها! حتى أن بيريز قال لمبارك ''إنكم أمة عظيمة''! طبعا قال بيريز هذا بعد أن أصبحت مصر أمة يكرهها العرب! لاشك أن الأستاذ هيكل والفريق سعد الدين الشاذلي هما الآن أتعس مصريين على هذا الكوكب وهما يسمعان ما تقول وسائل الإعلام المصرية من أن العرب يكرهون مصر! ومايقوله بيريز من أن كره العرب لمصر حولها إلى دولة عظيمة! هل بعد هذا نلوم الاستاذ هيكل عن الذي قاله للصحفي الانجليزي في حكاية ''لافاشكري''! والحال أن جواميس جمال مبارك لايتوقف خوارها في الفضائيات ضد العرب الذين يكرهون مصر!

المصريون يطلبون منا كجزائريين عرب أن نحب مصر ''الجواميش' الإعلامية، وهؤلاء يقولون لابد من معاقبة الجزائر من طرف مصر بترحيلها كرويا من القارة الإفريقية والعالم العربي إلى أوروبا حتى لاتتقابل مع مصر! تماما مثلما رحلت إسرائيل إلى أوروبا في هذه اللعبة! ومصر تطلب هذا من العرب الذين يكرهونها؟!

ابراهيم حجازي يطالب الجزائر بالتعويض عن ''الباض' الذي كسره الأمن المصري بالحجارة حين قذف اللاعبين الجزائريين! تماما مثلما عوض الطبيب المصري بـ300 ألف دولار عن التهمة التي لفقت لبلومي! ولعل الأشقاء في مصر استحلوا مسألة التعويض هذه، لذلك قالوا: إنهم سيحاكمون روراوة وميهوبي وجيار! يفعلون ذلك وفي أذهانهم ''الفرتونة'' التي يمكن أن يحصلوا عليها؟! ويريدون أيضا أن نعوضهم على ما حصل في الخرطوم من طرف الأنصار ضد الفنانين! ولكن كيف سنعوض الفنانين المصريين وجمال مبارك وأخوه علاء عن الضرر المعنوي الذي ألحقه بهم الشبان الجزائريون؟!

فقد قال لي مشارك في هذا الاعتداء المزعوم: إن الشبان الجزائريين لم يعتدوا جسديا على نجلي الرئيس وحريمهم من الفنانين في ملعب الخرطوم! بل كل ما فعله شبان الجزائر هو أنهم قابلوهم في الملعب وأنزلوا سراويلهم وهددوهم باستعمال آلاتهم في التنقيب عن البترول في أحواض وادي النيل! ولكن الشبان بعد النصر انشغلوا بالاحتفال بالنصر ونسوا التهديد، وهو ما لم ترتح له الفنانات المصريات اللائي غضبن أشد الغضب، كيف يوعدون من الشبان الجزائريين ''بالحلو'' ولا يتم الوفاء بالوعد، لهذا كره المصريون الجزائريين•• وبسببه أيضا كره العرب النعومة المصرية؟! وأنا شخصيا أطلب من ابراهيم حجازي، ومن نجلي مبارك أن يقولوا لنا: كيف سنقيّم الضرر المعنوي هذا الذي ألحقه الشبان الجزائريون ''بالقوة الناعمة'' المصرية التي أحضرها أبناء مبارك إلى الخرطوم وقامت الجزائر بتخريبها معنويا؟!

مصيبة '' القوة الناعمة'' المصرية التي غزا بها جمال مبارك ستاد الخرطوم أنها لم تكن فعالة لأنها لم تستخدم في الهجوم على الشبان الجزائريين، لأن أسلحة الدمار الشامل السلمي التي استخدمها شبان الحراش، دمرت الأمن العاطفي والمعنوي لقوة جمال مبارك، لذلك يطالب فنانون مصريون واعلاميون مصريون الرئيس بوتفليقة بالاعتذار أولا ثم بعد ذلك التعويض المادي عن الأضرار المعنوية التي حدثت بكشف المستور•• والمصيبة أنه لايوجد من صور هذه اللقطة؟!



يستغلون الرياضة لتحقيق مآربهم السياسية
بقلم/ خضير بوقايلة كاتب و صحفي جزائري
إقصاء المنتخب المصري من نهائيات كأس العالم 2010 كان فعلا ضربة قاصمة وزلزالا قويا هز مصر ولا يزال، لكن مهما حاول مروجو الفتن تحميل شعب مصر آثار هذه الضربة فلن يفلحوا لأن أخطاءهم ستتكاثر وستبدو سوءاتهم ويعلم المصريون الأحرار حينها أن كرامة مصر وكرامة المصريين وعزة (أم الدنيا) وغير ذلك كله لم تكن إلا شعارات لتحقيق مصالح أنانية أضيق تصب في نهاية المطاف ضد مصالح مصر وتزيد في إيذاء كرامة مصر والمصريين.
المواجهة المصرية الجزائرية من أجل افتكاك تأشيرة التأهل إلى مونديال جنوب إفريقيا لم تكن إلا غطاء سارع النظامان في الجزائر والقاهرة إلى استغلاله أبشع استغلال لتحقيق مآرب سياسية خاصة، وقد وجدا ضالتهما في شعبين (مشتعلين) وكان لا بد لكل نظام أن يوجه ألسنة وزفير تلك النار نحو الآخر. لذا بات الفوز واجبا مقدسا وما دامت قواعد اللعبة الدكتاتورية تربط بين الاستمرار في الحكم وتحقيق الفوز في المواجهة الكروية فإن النظامين تخليا عن تضامنهما المعهود ليلعب كل واحد من أجل نجاته، وقد حالف الحظ هذه المرة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وكل محاور وأطراف النظام الجزائري في حين مني نظام مبارك وآله وصحبه بهزيمة خلطت حساباته واضطرته إلى ركوب موجة الفتنة لعله يتقي نار هزيمة لا علاقة لها لا بكرة القدم ولا بكرامة المصرييين ولا بكبرياء مصر.
حكام القاهرة كانوا يراهنون بكل أوراقهم على فوز منتخبهم القومي لكرة القدم على الفريق الجزائري، وهم يدركون تماما أن رهاناتهم السياسية والاقتصادية كلها فاشلة وأن كرة القدم بقيت منقذهم الوحيد أو لنقل الأهم للضحك على شعبهم وتمرير مخطط لا يجدون له غطاء شرعيا منذ سنوات. الخطة المثالية التي راهن عليها نظام آل مبارك وصحبه هي أن تقتطع مصر تأشيرة التأهل إلى كأس العالم وفي خضم فورة الابتهاج الشعبي بالنصر العظيم يكون مهندسو النظام قد شرعوا في ترتيب وتحريك آلة التوريث المتأهبة للانطلاق. سنة كاملة هي كافية لوضع الآلة على السكة من دون أن يتفطن أو يعترض الشعب الذي سيكون مخدرا بهيرويين الساحرة المستديرة، وإلى حين إقصاء المنتخب المصري من أول أو ثاني دور في كأس العالم وزوال كل آثر للمخدر يكون مخطط التوريث قد قطع شوطا بعيدا ويستيقظ الشعب ليجد أمامه حاكما جديدا ولن يبقى له بعد ذلك متسع من الوقت للتعبير عن رفضه أو تغيير أي شيء.
أخ مصري عزيز قال لي إن وريث العرش المصري جمال مبارك ربط مصيره بأقدام لاعبي المنتخب القومي، وما دام الأمر كذلك فإن وقع الهزيمة لا بد أن يكون قويا ولا بد أن يكون التخبط عشوائيا ولن يتوقف إلى حين الاهتداء إلى بديل يلهي الشعب عن قضيته المصيرية والأساسية، بل لعل الحرب الملتهبة الآن في قاعات التحرير واستوديوهات الفضائيات هي الخطة البديلة. كل مصر الرسمية بأعوانها وزبانيتها السياسيين والإعلاميين والمتنكرين في حالة تعبئة عامة من أجل تمرير جرعة المخدر لشعب مصر. حرب، لا بوادر لنهايتها، تستعر بإيعاز من قائد الجوقة، وجميع المشمرين عن سواعدهم الخدومة متناغمون ويؤدون دورهم بإتقان وإبداع منقطع النظير. هؤلاء الزبانية يعلمون علم اليقين أن ما يفعلونه الآن لن يحقق شيئا من حلم الشعب المصري المقهور، لا الكلام المسترسل ولا الأراجيف المفضوحة ولا التكالب المخزي ولا الوعيد المتصاعد ولا التهديدات السخيفة، لا شيء من كل هذا يمكن أن يجعل المنتخب المصري يسافر إلى جنوب إفريقيا العام القادم أو يمنع الفريق الجزائري من إكمال مشواره، الزبانية يدركون هذا، لكنهم مأمورون بمواصلة حملة التصعيد حتى يظل مفعول المخدر ساريا في جسد الشعب المنهوك.
تناحر المناصرين وحتى إيذاء بعضهم بعضا لم يكن أبدا ليتحول إلى ما نشهده الآن من تسييس وصل حد التهديد بقطع العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر ومصر. ما كان لكل هذا أن يكون لولا أن القوم هنا أو هناك تحولوا إلى تماثيل عارية تبحث عن أي رداء يسترها. أي ضرر سيلحق بحكام القاهرة أو الجزائر من وراء هذه الحرب المسعورة؟ لا شيء في الحقيقة لأن كل (الضرب) يأخذه الشعب المغلوب على أمره. الرئيسان والسفيران والوزيران سيلتقي بعضهم بعضا مهما طالت المدة وسيستعيد الجميع عادة التبويس والاحتضان، في حين سيبقى الرعاع الذين صدقوا الكذبة في حالة عداء وتنافر دائمين، ذلك أن الدم سال بين الطرفين و(القدر طاح) كما يقول الجزائريون!
الرئيس حسني مبارك لم يبادر إلى التهدئة لأن ذلك لا يفيده لا هو ولا قومه، بل حاول أن يضفي على الحرب المستعرة هالة من الشرعية والرضا، وهو ما ظهر جليا في خطابه الأخير أمام مجلسي الشعب والشورى عندما وقف باكيا على كرامة المصريين المهدورة ومتوعدا بنصرة كل مواطن مغلوب على أمره، وقد جاء ذلك في قوله (إن رعاية مواطنينا بالخارج مسؤولية الدولة. نرعى حقوقهم، لا نقبل المساس بهم أو التطاول عليهم أو امتهان كرامتهم. وأقول بكلمات واضحة، إن كرامة المصريين من كرامة مصر ومصر لا تتهاون مع من يسيء لكرامة أبنائها). ثم على خطاه تبعه وريث العرش الذي أكد أن (ما حدث ضد المتفرج المصري في الخرطوم عقب مباراة منتخبي مصر والجزائر في كرة القدم، والموجهة ضد مصر بشكل عام لن يمر مرور الكرام، وأن من أخطأ هذا الخطأ عليه أن يتحمل تبعات الغضب المصري). وقال: إن مصر دولة كبيرة لا يستهان بها، وقوية بمجتمعها وبتأثير هذا المجتمع في المنطقة والعالم). وما دام لا بد لاثنين من ثالث، كما يقول الفرنسيون، فإن المتنازل عن العرش لأخيه سارع هو أيضا إلى ركوب الموجة، وقد حاول أن يظهر صارما وحادا منذ تعليقاته في مباراة السودان. ورغم أنه لم يكن جالسا متابعا المباراة على المدرجات إلى جانب باقي أفراد الشعب فإنه آثر أن يكون تدخله على تلفزيون دريم بصفته (مواطنا مصريا)، وقد قال كلاما متناسقا مع مجرى الحملة البهلوانية المصرية. قال المواطن علاء إنه (لا يمكن ان نظل طوال عمرنا نتغاضي عن التجاوزات الجزائرية تجاه مصر، كفاية، لا يمكن ان نبقى طوال عمرنا نعاني من الحقد والغل ضد مصر وهو ما تجلى في الفترة الأخيرة، فكل مصري سافر إلى السودان لمؤازرة منتخب بلاده واجه مشاكل ومهانة، لذلك لا بد أن تكون هناك وقفة حازمة)، ثم أضاف (لا يمكن السكوت عن التجاوزات، وما حدث في السودان هو إهانة لأن مصر لها احترامها وكل من يتجاوز لا بد أن يعاقب، وكلامي نابع من كوني مصريا، ولا بد أن نلقى احتراما من الجميع كما نحترم الجميع). وقبل ذلك أصر المواطن البسيط علاء على إبقاء باب الفتنة مفتوحا عندما قال إن (الحديث عن الإخاء لا مجال له الآن بعد الأحداث الهمجية التي جرت مع الجمهور المصري في السودان)، إذن فهي الحرب يا قوم!
هذه هي كرامة المصريين كما يراها آل مبارك. كانت كرامة المصريين محفوظة ومصونة إلى أن جاء (مرتزقة الجزائر وحشاشوها) فعقروها. المصري كان إلى يوم الأربعاء الماضي في عزة من أمره، أنفه شامخ في وطنه وفي بلاد الدنيا من مشرقها إلى مغربها. مصري الصعيد ومصري القاهرة والمصري الفار إلى الخارج كانوا كلهم في حالة كرامة واضحة فجاء الجزائريون ليعيثوا فيها فسادا واغتصابا. مصر عصر ما قبل مباراة السودان كانت تعيش في عزة وكرامة لا تختلف كثيرا عن العزة والكرامة التي يعيش فيها الجزائريون في عهد بوتفليقة، كل الناس في أمان ورخاء، نسبة البطالة في المجتمع تعادل الصفر ونسبة الأمية أقل من الصفر. لا حديث عن الفساد في البلد بل لا مجال لذلك في ظل القوانين الصارمة والقضاء النزيه والمستقل. كرامة لا تخدشها نسمة تزوير انتخابي ولا حشرجة انتهاك بوليسي ولا لمسة طغيان بيروقراطي، لا شيء أبدا من كل هذا، الجميع كان يسبح في بحر الكرامة وينعم بالأمن والأمان والحرية حتى حان موعد أم درمان فكان مذبح الكرامة على يد (لصوص وخريجي سجون) جزائريين. يا لها من كرامة تذوب مع أول شعاع شمس خريفية.
فإلى حين تنفيذ تهديدات ووعيد ووعود آل مبارك، يبقى شعب مصر الشقيق ينتظر من يعيد له كرامته الممرغة على تراب الوطن، فخامة الرئيس قال (إن رعاية مواطنينا بالخارج مسؤولية الدولة. نرعى حقوقهم، لا نقبل المساس بهم أو التطاول عليهم أو امتهان كرامتهم)، فمن لهؤلاء المواطنين في الداخل؟ من يرعى حقوقهم وينتصر لهم عندما يتطاول عليهم ابن البلد ويمتهن كرامتهم؟ كرامة المواطن يا ريس تكون محفوظة تلقائيا في الخارج عندما تكون مصونة في الداخل. الحاكم عندما يحترم شعبه يجبر الخارج كله على احترام هذا الشعب وحاكمه أيضا، والمقصود بالخارج هو الناس الأقوياء والقادرون على إلحاق الأذى بالشعوب، أما المرتزقة واللصوص والبلطجية فليس لهم محل من الإعراب إلا في قواميس الحكام الفاشلين أو الذين يلعبون مع هذا النوع من البشر!



عندما يتحامل طغاة مصر على الجزائر
بقلم / يحيى أبوزكريا
ملاحظة : وصلنا هذا المقال لـ
"الجزائر الأخبار" من الكاتب و الصحفي الجزائري يحيى أبوزكريا عبر الإيميل ... و ننشره لإفادة قراء الجريدة و الموقع بأراء مختلفة حول اللغط الدائر حول مباراة الجزائرومصر

و كم ذا بمصر من المضحكات و لكنه ضحك كالبكاء
فجأة و دون سابق إنذار قررّ الطفلان الصبيان جمال وعلاء مبارك نزع قماطهما والتخلي عن قنينتي الحليب الأمريكي الذي أدمنا عليه  بإمتاز , و راحا يصولان ويجولان بتصريحات ضدّ الجزائر ورموزها و مقدساتها ...

وبقدرة قادر إجتازا الطفلان الصبيان مرحلة الرضاعة بسرعة , و لأنّ أباهما لم يربيهما جيدا ولم يلقّحهما بلقاح سعد زغلول و أحمد عرابي و محمد عبده , بل لقحّهما بلقاح صهيوني قحّ من نتاج مؤسسة كامب دافيد للأمصال التطبيعية , فقد أصيبا الطفلان بعمى البصر والبصيرة , و قررا أن يسترجلا ويلعبا دور الفتوات أبطال الحي الشعبي والصعايدة وصلوا  ضد الجزائر وثورتها وقيادتها وشعبها و أطفالها ورجالها  و شيبها وشبابها ونسائها ومثقفيها وإعلامييها وسياسييها  ..

أين كانت هذه الرجولة المخنثة , عندما كان الكيان الإسرائيلي يبيد المدنيين في غزة , و قبل ذلك أين كانت هذه الفتوة الإصطناعية عندما كان لبنان يتعرض لإبادة كاملة من الكيان الصهيوني . كانت مصر عندها تدعم الكيان الصهيوني قلبا وقالبا بفرضها حصار مطبق على الشعب الفلسطيني الأبي .....

 أين كانا الطفلان  جمال وعلاء عندما هددّ ليبرمان زعيم "  إسرائيل بيتنا " بقصف السد العالي . و أين كان الطفلان عندما قررّ عمرو موسى الأمين العام غير الموفّق للجامعة العربية الجلوس أمام الرئيس الصهيوني شمعون بيريس بعد مغادرة رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان منصة قاعة منتدى دافوس , لأنّه أراد أن لا يتنجسّ برجس الصهاينة , غير أن عمرو موسى فضلّ الجلوس أمام شمعون بيريس وسط مباركة مصرية رسمية .

أين كان  ويكون الطفلان , عندما يزور القادة الصهاينة و مدراء الإستخبارات الصهيونية القاهرة , و ربما يقضون لياليهم مع راقصات مصر .

أين كان الطفلان عندما إحتلّت أمريكا أفغانستان والعراق و الصومال , بالتأكيد فإن الحليب الأمريكي و المصل الصهيوني حال دون أن ينمو الطفلان نموا صحيحا ومستقيما , و  قد أثرّ هذا المصل الصهيوني  على هرموناتهم الذكورية .

ومن العجيب أيضا أن علاء مبارك تحدث عن موت العروبة , نعم ماتت العروبة عندما صار جمال وعلاء من رموزها , نعم ماتت العروبة عندما بات هذان الطفلين من  عناوينها ...

 العروبة ماتت على أيديكم عندما وضعتم يدكم في أيدي الأمريكان والصهاينة , و قبلتم أن تحولا مصر إلى قبلة للشحاذة من أمريكا التي تمدكم بملياري دولار أمريكي , تصرف على أسهم علاء وجمال  في البنوك , مات العروبة عندما بلع الطفلان بلع نصف مصر , أو كل مصر  ...

ثمّ لماذا تقبل يا جمال ويا علاء , أن تصفعا أباكما , فقد ورثتما أباكما قبل أن يموت , والذي يسمع كلامكما يتصور أن لمصر رئيسين جمال وعلاء , توم وجيري , فأين الأب يا ترى , هل هذا يدعونا لتصديق التقارير الغربية أن الرئيس مبارك في أيامه الأخيرة ...

كيف تستوليان على صلاحيات أبيكما , و ثروة شعبكما و أبوكما على قيد الحياة ... عار عليكم , و الله أن تذكروا الجزائر كعبة الأحرار , و قبلة الثوار , ورائدة ثقافة المقاومة بالسوء ..ففي الجزائر شعب لو أراد خلع الجبال لخلعها بإذن الله , وفي الجزائر وطنيون يحبون الجزائر أكثر مما تحبون مصر التي بعتموها في سوق النخاسة ...

لكنّ الجزائريين عمالقة بصبرهم و رباطة جأشهم لا يردون على الصغار , فليس منا من لا يرحم صغيرنا , كما علمنا رسول الإسلام  - ص - .
أما مطربات مصر اللائي قررن أن لا يغنين في الجزائر , فبالله هذه أعظم أمنية للشعب الجزائري والشعوب العربية , فالمطربة التي تغني بصدرها هذه عاهرة بإمتيار , و المطربة التي تستخدم دبرها هذه ماخور عام , و المطربة التي تغني فوق سرير النوم , هذه ليست مطربة , هذه مومس وعاهرة كما تقول العرب ...

وسوف نرى قريبا كيف تعود الأصالة والقيم والأخلاق إلى الشعوب العربية عندما يختفى مطربو العورات عن المشهد الإعلامي العربي ....
و إذا كان جمال وعلاء يريدان تهييج هؤلاء المطربات , فهذا ديدنهم , لأن الجماهير المصرية تستعد للتوقيع على عريضة من خمس ملايين توقيع تقول لا لجمال مبارك ولا للتوريث , و جمال يريد أن يصعد على ظهور الجزائريين إلى خلافة أبيه , و بعد ذلك تنشب معركة الأمين و المأمون بين علاء وجمال وتضيع مصر و تتوجه إلى المجهول

و الجزائر المقدسّة أطهر و أرفع شأنا منكم , و الشعب الجزائري أحرق الحلف الأطلسي , و معركته مع الأعداء الكبار , و ليس مع أطفال إفتقدوا برهة إلى الحليب الأمريكي فراحوا يعوون كما تعوي الذئاب في واد سحيق , و التي تتراجع بمجرد أن تسمع زئير الأسد , زئير الجزائر والجزائريين .....
يحيى أبوزكريا .

 

اسامة فوزي : نعم انا مصري الهوى ... وما حدث في الخرطوم معيب ومرفوض ومخجل ... وما يكتب عن الشعب المصري في الصحف الجزائرية معيب ومرفوض ومخجل
بقلم :اسامة فوزي كاتب و صحفي فلسطيني
مدير : عرب تايمز

بعث الي الكاتب والصحفي الجزائري المقيم في لندن الزميل محمد تامالت  بالرسالة الالكترونية التالية

عزيزي اسامة
الحملة المنحازة التي يقودها الموقع (خصوصا في الشريط المتحرك) مع مصر وضد الجزائر سوف تفقد الموقع شعبيته لا في الجزائر فقط بل في عموم المغرب العربي
وتلقيت رسائل اخرى من قراء يسالون فيها عن رايي وموقفي من الخلاف القائم الان بين مصر والجزائر والذي سبق ثم اعقب المبارزة الكروية بينهما  خاصة بعد ان اعلمنا عدد من القراء في الجزائر ان الحكومة الجزائرية حجبت موقع عرب تايمز ثم وردتنا رسائل اخرى تفيد بان الموقع لم يعد محجوبا وان الحجب قد يكون لاسباب فنية تتعلق بسرعة الانترنيت في الجزائر

ونظرا لان الرسالة تمس مهنية الموقع وتتضمن اتهاما له بشبهة التحيز للمصريين - على الاقل في الشريط الاخباري المتحرك - ونظرا لان انطباعا خاطئا كهذا قد يراود اخرين كما راود الزميل محمد فقد رايت ان اكتب بصراحة عن موقفي وعن موقف الموقع من هذه المعركة التي بدأت اقلام كثيرة من مختلف الملل والجنسيات تشارك فيها ولكل قلم هواه ومصلحته

اولا : لا اعتقد ان اخبار الشريط المتحرك في عرب تايمز منحازة لمصر فهي تنقل وجهتي النظر بدقة وموضوعية وتردها الى اصحابها وقد احلنا القراء الى مصادرها في الصحف المصرية كما احلنا القراء الى مصادرها في الصحف الجزائرية ونشرنا البيانات الرسمية للمصريين والجزائريين ... ونقلنا الى القراء زبدة ما قاله الكاتب الجزائري يحي ابو زكريا وما قالته الكاتبة الجزائرية احلام مستغانمي بالتوازي مع نقلنا ما قاله مثلا الصحفي المصري مصطفى بكري ... بل وزدنا على ذلك هجوما بالكلمة والكاريكاتير على محطة اوربيت وعمرو اديب مع انهما كانا راس حربة الهجمة المصرية الاعلامية على الجزائريين .... مما يعني اننا مهنيا كنا ولا نزال ( اوكيه ) ولم يفعل بنا الهوى ما فعله باخرين ومنهم الاخ محمد الذي يبدو حتى من رسالته القصيرة جدا انه منحاز ( اووول ريدي ) للموقف الجزائري رغم النقاط الكثيرة التي تحسب للمصريين في هذه المواجهة والتي ساتوقف عندها في مقالي هذا

ثانيا : حكاية ( شعبية المواقع ) هذه  والتوصل اليها عن طريق نشر ما يفرح هذه الدولة او تلك  لم تكن تعنينا منذ اطلاق الموقع في عام 1998 وحتى اليوم بدليل ان موقع عرب تايمز ممنوع في معظم الدول العربية ولو ابتغينا له شعبية على طريقة المواقع الاخرى لطرزناه صورا عارية لفنانات ودبسناه بمقالات تمدح هذا الملك او ذاك الشيخ ان لم يكن عن قناعة فعلى الاقل للابقاء على الموقع مفتوحا في هذه الدول ... وعليه : ان كان موقفنا المهني من الاشتباك الاعلامي والكروي المصري الجزائري سيفقد الموقع شعبيته لدى بعض القراء في ( عموم المغرب العربي ) فنحن لا نريد هذه النوعية من القراء التي تسعى وراء الاخبار الملفقة والمفرحة التي تحك لها على جرب ... ولا اعتقد ان راي الاخ محمد صائبا على الاقل بالنسبة  ( لعموم المغرب العربي ) لان الشعب العربي في المغرب العربي ليس سطحيا او تافها وهو اكبر بكثير من هذا الذي تنشره هذه الايام الصحف الجزائرية ضد الشعب المصري ... ومواقف عرب تايمز المبدئية والمهنية من انظمة الحكم في هذه الدول وخاصة في ديكتاتوريات تونس وليبيا والجزائر معروفة وتزيد احيانا في حدتها وصلابتها عن مواقف صحف ومواقع الاحزاب المعارضة في هذه الدول ...  نحن بصراحة لا نربط ( مهنيتنا الصحفية ) بالعداد الذي ركبه المشرف الفني على الموقع والذي يبين كم عدد الداخلين اليه ... والخارجين منه ... ولو كان هذا مبتغانا من الاصل لاستحدثنا زاوية بعنوان ( نساء عرب تايمز ) على غرار الزاوية التي استحدثها منذ سنوات عثمان العمير في موقعه ( نساء ايلاف ) والتي بفضلها ( شد )  العميركل المراهقين في العالم العربي الى موقعه من خلال نشر صور عارية ومفضوحة جعلت السعودية نفسها التي تمول العمير تحجب موقعه عن القراء السعوديين ... قبل ان يدخل العمير في لعبة الصراع على الحكم في السعودية  وينال موقعه الرضى

ثالثا : ومع ذلك لا انكر اني مصري الهوى ... وهذا ليس سرا ... فقد ذكرته في جميع مقالاتي ومذكراتي وكتبي ... وسطرت مئات الصفحات عن اساتذتي في الصحافة والاعلام ( كلهم مصريون ) وتحدثت عن علاقاتي وصداقاتي بكبار الكتاب والصحفيين المصريين بدءا باستاذنا محمود السعدني - اطال الله عمره - الذي وضعني على ( بوز المدفع ) واطلقني في عالم الصحافة ... مرورا بصديقي المرحوم الشاعر الكبير امل دنقل صاحب قصيدة ( لا تصالح ) ... وانتهاء بعدد من الاعلاميين والصحفيين المصريين الذين وقفوا معي مهنيا وادبيا وماليا وحتى امنيا عندما تعرضت لهجمة مسعورة من قبل اجهزة الشيخ زايد يوم اقمت وعملت في الامارات في السبعينات ... والمصريون هم الذين علموني المهنة وهم الذين غرسوا في هذه الرجولة وهذه الموضوعية التي يستشعرها القاريء في  عرب تايمز ... وهنا مربط الفرس ... فالمواجهة المصرية الجزائرية الاعلامية - شئنا ام ابينا يا اخ محمد - فاز بها المصريون ..... بامتياز

كيف ... ولماذا ؟

قلب معي الجرائد الجزائرية كلها ستجد انها كلها من لون واحد .... وان المقالات والاخبار المنشورة فيها كلها ( مائة بالمائة ) ضد مصر او الشعب المصري او المنتخب المصري ....  ردحا وسبا وشتما وتحقيرا .... بينما لا تجد مقالة واحدة تنتقد مسئولا صغيرا في الجزائر من الذين تورطوا في المعركة ونفخوا فيها او تشير الى دور ديكتاتور الجزائر وشقيقه الطامع بوراثته في هذه الفضيحة

وفي المقابل ... قلب الجرائد المصرية حتى ( القومية ) منها - اي الحكومية - ستجد فيها مقالات نقدية شديدة للمسئولين المصريين ودفاعا عن الشعب الجزائري  واشادة بشهداء الجزائر لم نقرأ مثله حتى في الصحف الجزائرية ... يا رجل ... مجدي الدقاق رئيس تحرير مجلة اكتوبر ( وهي مجلة حكومية ) وهو عضو ايضا في الحزب الحاكم اصدر عددا خاصا من مجلة الكتوبر لتهنئة الشعب الجزائري بالفوز في مباراة القاهرة مما ادخله في معركة مع عمال مطابع دار المعارف التي تطبع المجلة المذكورة .... وفي جريدة الدستور كتب رئيس تحريرها ابراهيم عيسى  وعلى هامش المباراة مقالات نارية ضد نظام الحكم في بلده لم تكتب مثلها الصحف الجزائرية نفسها ... في جريدة المصري اليوم اقرأ ما كتبه الدكتور حسن نافعة من غزل في الشعب الجزائري وادانة للمسئولين المصريين ... حتى في ( جريدة الجمهورية ) الناطقة باسم الحكومة المصرية كتب الدكتور لطفي ناصف مقالا ناريا ينصف الشعب الجزائري لم اقرأ مثله حتى في بيانات وزارة الاعلام الجزائرية ... عدا عما ينشر في جريدة الوفد ومواقع مصرية على الانترنيت .... يا رجل اقرأ موقع ( المصريون ) على الانترنيت ستعتقد للوهلة الاولى انه موقع ( جزائري )

ففي جريدة الجمهورية كتب الدكتور لطفي ناصف مقالا اعرب فيه عن الاستياء من الموقف المصري تجاه الجزائر وقال : آلمني أن أقرأ في الصحف المصرية تلميحات تقلل من شأن المليون شهيد الذين استشهدوا في حرب تحرير الجزائر وتألمت وأنا أقرأ تلك الحملة، أن المليون شهيد جزائري سيزدادون عشرة آخرين على أرض استاد القاهرة، لم أكن أتصور أن يصل الحماس للفريق الكروي المصري الى الاستهزاء بشهداء الجزائر الذين ما زالت الأمة العربية تفخر بهم وتشيد بتضحياتهم التي شرفت الأمة العربية كلها، أزعجني أن يصل الأمر من خلال الحماس للكرة الى التعرض لتاريخ الجزائر فكان لا بد أن تضع الصفحات والبرامج الرياضية حدا لأسلوب التشجيع سواء في مصر أو الجزائر، وأن يعرف الجميع عن علاقة مصر بالجزائر المحررة من الاستعمار الفرنسي بمساندة مصر، كانت هي السند الأكبر لمصر، خاصة في حرب تحرير أكتوبر عام 1973، الجزائر ردت الجميل لمصر وكانت هي الدولة الوحيدة من بين الدول العربية التي شاركت في الحرب إلى جانب مصر برجالها وأسلحتها، دفع الرئيس هواري بومدين بكل الصفوة من الجيش الجزائري وكل ما لدى الجزائر من أسلحة إلى مصر، وعندما عرف بحاجة مصر إلى السلاح سافر الى الاتحاد السوفييتي وطلب إرسال السلاح فورا إلى مصر مع تسليمهم شيكا على بياض. كان على المسؤولين في مصر الإعلان عن أن الفريق الفائز هو فريق عربي وأن النصر في النهاية للعرب، وبعد فوز مصر في المباراة الأولى باستاد القاهرة، كان علينا أن نعمل على التهدئة بكل الوسائل.
لم يكن هناك داع لإعلان التعبئة وتحريك الطائرات والمجموعات الى السودان بشكل يبدو وكأنه حالة حرب حتى لو كان الأمر كذلك من جانب الجزائريين فكان لا بد أن نكون الأعقل، لم يكن مقبولا أن يخرج مسؤول في الحزب الوطني ليعلن ان الحزب سيرسل ألفي مشجع الى السودان، لم يكن مقبولا الحديث عن الجسر الجوي، فهذا المصطلح لا يستخدم إلا في حالة الحروب فتبادل التصريحات الجزائرية والمصرية بدا وكأنه حالة حرب بين بلدين

هذا الكلايم - يا اخ محمد - منشور في جريدة ( الجمهورية ) المصرية الحكومية وليس في جريدة ( الشروق الجزائرية )  وكاتبه دكتور مصري وليس من  الجزائر ... هذا هو الفرق بين كاتب ومفكر مصري متصالح مع ذاته  ... وبين الكاتبة الجزائرية احلام مستغانمي التي ثارت لفريق الجزائر بسبب ( طوبة ) وطالبت ان يذهب رئيس مصر الى الفريق معتذرا مع ان فريق الجزائر ضرب بالحجارة  في احدى المباريات في ابو ظبي ولم تطلب احلام مستغانمي من الشيخ زايد الاعتذار للفريق لانها - ببساطة - محسوبة على ( كشوف البركة ) لوزارة الاعلام الاماراتية فهي تتقاضى - بالدرهم - عن مقال واحد تافه تنشره في مجلة نسائية تافهة تصدر في ابو ظبي ما يتقاضاه شهريا رئيس جامعة في مصر وهي قطعا لن تضحي بهذه الميزة حتى لو ضرب الظبيانيون بوتفليقه نفسه  ليس بالحجارة وانما بالصرامي

هل هذا هبل وعبط من المصريين ... ام هو حصيلة لتربية وطنية ومهنية عالية لم تهبط على المصريين من فوق وانما حصلوا عليها بنضال طويل وكفاح مرير .... مهنية  وحرية نحسدهم عليها ... هل تعلم ان مقالا واحدا من مقالات ابراهيم عيسى - لو كان عيسى اردنيا - سينتهي به الى السجن المؤبد في معتقل الجفر الصحراوي ؟  هل تعلم ان السيدة توجان الفيصل الاعلامية الاردنية البارزة وعضو البرلمان الاردني سجنت عامين بسبب مقال نشرته في عرب تايمز لم تشتم فيه الملك الاردني لا سمح الله وانما تساءلت فقط عن السر في ان رئيس وزراء الاردن على ابو الراغب قرر رفع اسعار تأمين السيارات بعد ان سجل شركة تأمين سيارات باسم ابنته

هذه ( الموضوعية ) في الاعلام المصري لم نجد واحد بالمليون منها في الاعلام الجزائري .... الذي لا يزال يتحدث عن شعب المليون راقصة ... وكأن مصر بملايينها الثمانيين تختصر فقط  في الاعلام الجزائري بمليون راقصة ... وكأن الثلاثين مليون جزائري كلهم من شيوخ الازهر الورعين ... او من علماء الذرة والطب والهندسة ... وكأن ( الشاب خالد ) الذي يهز خصره مع راقصات فرنسيات بميوعة بربرية ليس جزائريا

ولعلمك يا اخ محمد ... صدقني لا يوجد في مصر مليون راقصة ... ولا الف راقصة ... ولا مائة راقصة ... ولا حتى عشر راقصات ...  يبدو - يا اخ محمد - ان الاعلام الجزائري لا يعلم ان نفحة التدين قد هبت على الشعب المصري فتلاشت من مدنهم حتى نوادي الليل - التي تغص بها المدن الجزائرية - واضطرت بعض فنادق مصر( المملوكة بالمناسبة للسعوديين ) الى الاستعانة براقصات من روسيا .... بارات وكباريهات استيفان روستي والمليجي في الافلام المصرية ( ابيض واسود ) اختفت تماما من شوارع القاهرة .. وشارع الهرم لم يعد شارع الهرم الذي تعرفه ... وملاهي الليل في القاهرة تعد على اصابع نصف يد واحدة وكلها موجودة في فنادق يمتلكها امراء  من اشقاء وابناء عمومة خادم الحرمين .. والراقصات في هذه الملاهي الفندقية لسن مصريات ... كلهن روسيات  ... والراقصة التي تعيرون مصر بها ( فيفي عبدو )  - وهي حرم رجل اعمال فلسطيني - اعتزلت الرقص منذ زمن  بعيد... وهي التي ارتمى على اقدامها وزراء عرب  وكان اول ازواجها وزيرا ليبيا ( من المغرب العربي )  من ابناء عمومة بوتفليقة  ويحتل الان منصب الرجل الثاني فيى ليبيا  ... وليبيا على ما اظن دولة مغاربية

ثم لماذا هذا العداء الجزائري للراقصات ؟ ومنذ متى اصبح الرقص معيارا للتقدم او التخلف ؟ ...  لماذا الراقصة العربية ( شرموطة ) في العرف الشعبي العربي والجزائري بينما الراقصة ( شاكيرا ) عندما تزور العالم العربي يفرش تحت افخاذها السجاد الاحمر ؟ وترمى على اقدامها ملايين الريالات والدراهم والدنانير ... من هو مايكل جاكسون ؟ اليس هو  راقص امريكي قبل ان يكون مغنيا ورقصه هو الذي صنع منه اسطورة جعلت ملك البحرين شخصيا يستضيفه في قصره ؟ وفضائيات ال سعود تبكيه دما  ودمعا بعد موته حتى ان ابرز المذيعين السعوديين قدم تعزية نارية للامة العربية بموت جاكسون قائلا: من كان يعبد جاكسون فان جاكسون قد مات ومن كان يحب الغناء والرقص فان اغنيات جاكسون حية لا تموت

هل رايت  معي المقارنة السمجة بين موت النبي محمد ... وموت جاكسون ... في فضائيات سعودية تبث من ارض الحجاز ( بتوئيت مكة المكرمة ) ؟

هل تعلم ان المفكر الكبير البروفيسور ادوارد سعيد الذي كانت تنحني جامعات امريكا احتراما له خصص في مذكراته التي كتبها قبل وفاته فصلا للحديث عن ( الراقصة ) تحية كاريوكا مدحا وغزلا وثناء ...ثم لماذا لا يرى الاعلام الجزائري  في مصر والمصريين غير الراقصات على افتراض ان تعدادهن بلغ المليون ؟ ... الم تسمعوا مثلا بزويل او بالدكتور مصطفى الذي اخترع مؤخرا علاجا للسرطان بماء الذهب وكرمه البيت الابيض على اختراعه .... والاثنان مصريان درسا في جامعات مصرية قبل ان يكملا تعليمهما في الخارج ؟ ...  في مصر الاف العلماء والمفكرين والادباء والاطباء فلماذا توقفت بوصلة الاعلام الجزائري عند ( المليون راقصة )  وما علاقة ( المليون راقصة ) اصلا بفوز المنتخب المصري او بخسارته

ثم اين العيب في وجود راقصات في اي بلد اصلا ... يا سيدي تعال الى هيوستون ستجد فيها مائة الف راقصة ومنهن راقصات يعملن على بعد امتار من وكالة ناسا التي تعمل فيها عالمات امريكيات وطبيبات وخبيرات ذرة

هذه هي طبيعة المجتمعات الحية ... وهذا هو علم الاجتماع الذي تحدث به وعنه ابن خلدون ( وهو ليس مصريا ) وانما من ابناء عمومتكم

معرفتنا - نحن المشارقة - بالمغاربة يعود الفضل فيها للمصريين  ... وكنت حتى المرحلة الابتدائية اعتقد ان الجزائريين يتحدثون اللهجة المصرية لان اول تواصل لي مع شعب الجزائر وثورته كان عبر فيلم جميلة بوحريد الذي عرض علينا في جميع المدارس الاردنية ... وجاءت مقالات الصحف الجزائرية وشتائمها وفبركاتها لتوجه ضربة موجعة ليس للشعب المصري وانما لصورة الشعب الجزائري في مخيلة المواطن المشرقي ... هذه الدهشة تلمسها حتى في اعين  بسطاء المصريين الذين يتسائلون بدهشة : هوه ده شعب الجزاير؟

ثم ما هذه النبرة الوسخة في الاعلام الجزائري التي تعير الشعب المصري بفقره ... متجاوزة حقيقة نعرفها كلنا وهي ان التنمية الاقتصادية في مصر منذ عهد عبد الناصر اوقفت لدعم الشعوب والثورات العربية ومنها ثورة الجزائر ولو انعزلت مصر على نفسها  لما لحق احد بمصر واثرياء مصر من باشوات كانت ثرواتهم مضرب الامثال حتى في الاعلام الاوروبي ... وقصور ملوك مصر في القاهرة والاسكندرية لا تجد مثيلا لها في قصور اوروبية وشوارع القاهرة التي كانت تغسل في الثلاثينات يوميا بالماء والصابون كانت توازيها شوارع من الرمل والتراب والطين في معظم العواصم العربية

ما علينا ....  ولنعد الى الحكاية من اولها

باص المنتخب الجزائري في القاهرة اصيب بحجر كسر زجاجه واصاب ثلاثة من لاعبيه بجروح ... الفيفا تدخلت واخذت تعهدا من المصريين بحماية الفريق وعدم السماح بتكرار هذه الحادثة وموظف عبيط خرج بحكاية صلصة الطماطم .. حادثة تقع حتى بين الفرق المصرية المتنافسة في الدوري المصري ... في الاردن - مثلا - اقيمت مباراة بين فريقي الفيصلي والوحدات دون جمهور لانها كادت تتسبب بحرب اهلية  بين المشجعين ...  وهذا هو حال الكرة ومشجعيها ليس فقط في مصر والجزائر وانما في جميع انحاء العالم ... ولولا تدخل الفيفا مؤخرا لوقعت حرب بين فرنسا وايرلندا مشابهة لما وقع بين السلفادور وهندوراس

فاز المنتخب المصري بهدفين لا غبار عليهما بدليل ان الفيفا لم تعترض عليهما وتقرر اقامة مباراة ( الثار ) في الخرطوم ... وبدأ الشحن بلمسات جزائرية .... بدأته الصحف بنشر صور قتلى في القاهرة واخبار عن جثامين تنقل يوميا الى الجزائر ...  ثم تبين ان كل هذه الصور والاخبار مفبركة ... وبدا الاعلام الجزائري يناشد الجزائريين التوجه الى المطارات العسكرية للانتقال الى الخرطوم  والجهاد فيها  في طائرات صنعت اصلا لنقل الكوماندوز ... في حين توجه ثمانية الاف مشجع مصري الى الخرطوم اكثرهم من الفنانيين ورجال الاعمال والسياسيين وابناء الذوات وبدوا - حتى في ملابسهم - وكانهم بصدد حضور حفل ساهر في الاوبرا ... وحصل ما حصل

ماذا لو اقدم المصريون على الفعل نفسه وفتحوا مطاراتهم العسكرية للراغبين في الانتقال الى الخرطوم لتشجيع الفريق ؟ عندها كان الشاب الجزائري الذي اعترض سيارة الفنانة فردوس عبد الحميد ملوحا بسيفه وخالعا ملابسه ( ملط ) لن يجد في السيارة فردوس عبد الحميد لترويعها ... سيجد شابا صعيديا يلوح هو الاخر بمطوى و ( شومة )  ..... وهات حلها

 يا اخ محمد

ما حدث في الخرطوم مرفوض جملة وتفصيلا ... وما اعقبه من هجوم اعلامي قبيح وقذر ضد الشعب المصري مرفوض ... ومع ذلك اقول للفريق الجزائري الف مبروك وانا على ثقة ان الشعب المصري نفسه  سيقف مع الفريق الجزائري خلال منافسات المونديال مشجعا لان المثل الشعبي الذي يقول : الدم ما بصيرش مية هو في الاصل مثل شعبي مصري


هل هُزمت القومية العربية في مباراة مصر والجزائر؟
بقلم/ حسن نافعة كاتب مصري ـ الحياة اللندنية

كيف تحولت مباراة في كرة القدم بين فريقي دولتين عربيتين كبيرتين تدّعيان انتماءهما إلى أمة واحدة إلى كرة نار مشتعلة تتقاذفها الحكومات والشعوب حتى باتت تهدد بحرق الأخضر واليابس فيهما، مثلما حدث في المباراة الأخيرة بين فريقي مصر والجزائر؟ لا أظن أن أحداً يملك إجابة سهلة عن هذا السؤال، وإن كنت أعتقد أن أي محاولة جادة للإجابة عنه تتطلب بالضرورة التمييز بين سياقين مختلفين للحوادث، أحدهما ظاهر فوق السطح، ومن ثم تسهل لملمة مكوناته وإعادة تركيب أجزائه المبعثرة وترتيبها في سياق قابل للفهم، والآخر غاطس تحت السطح لا يُرى منه سوى الجزء الصغير العائم من جبل الثلج، ومن ثم يحتاج إلى جهد أكبر لسبر أغواره والتعرف الى حقيقة مدلولاته.

وفي ما يتعلق بالمشهد الظاهر فوق السطح، أعتقد أنه يمكن استعادة مكوناته وإعادة تركيب أجزائه المبعثرة وترتيبها في سياق ترسمه مجموعة الصور الآتية:

صورة أولى: رسمتها أجواء نفسية سادت في البلدين عشية وصول الفريق الجزائري إلى القاهرة. فجمهور كرة القدم، العريض في البلدين، كان يدرك أهمية او حساسية هذه المباراة بالنسبة الى الفريقين والبلدين على السواء. فالجمهور الجزائري، والذي كان يعتقد أن فريقه بات قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى حلم الذهاب إلى كأس العالم ويكفيه التعادل أو حتى الهزيمة بهدف واحد، عاش لحظة توتر حاد قبيل المباراة خشية أن تؤدي عملية الحشد التعبوي لجمهور مصري في مباراة تقام على استاد القاهرة الى سرقة نصر رآه مستحقاً له. أما الجمهور المصري، والذي كان يعتقد أن الظروف قد أحيت لفريقه الذي يراه الأفضل فنياً فرصة كان يظنها ضاعت وانتهت، بدا مصمماً على ألا يتركها تفلت من بين يديه هذه المرة وأن يقف وراء فريقه بكل ما أوتي من قوة لتحويل أمل بعيد إلى حقيقة واقعة.

صورة ثانية: رسمتها ردود فعل رسمية وشعبية في البلدين تجاه حادث قذف الحافلة التي أقلت الفريق الجزائري بالطوب والحجارة من جانب متعصبين في ظل أجواء إعلامية مشحونة بالتوتر. فبينما استهان الإعلام المصري بالحادث وحاول إنكاره في البداية ثم راح بعد ذلك يصوره وكأنه مفتعل من جانب الجزائريين أنفسهم لتخريب المباراة ونقلها الى خارج القاهرة، بالغت أجهزة الإعلام الجزائرية في رد فعلها على الحدث ونقلت عنه صورة غير أمينة وكأنه جزء من مخطط رسمي وشعبي لإرهاب الفريق الجزائري وسرقة النصر منه بكل الوسائل المتاحة، المشروعة منها وغير المشروعة!

صورة ثالثة: رسمتها أجواء المباراة التي أُجريت في ستاد القاهرة وسط ثمانين ألف متفرج، معظمهم من المصريين بالطبع، حيث ظلت أعصاب الجميع مشدودة منذ الدقيقة الأولى، والتي سجل فيها الفريق المصري هدفاً فتح له باب الأمل على مصراعيه، وحتى الدقيقة الأخيرة من الوقت بدل الضائع، والذي أضاف فيه الفريق المصري هدفاً ثانياً فرض به على الفريق الجزائري لعب مباراة حسم إضافية في السودان بدت فرصه فيها محدودة. وبينما راح الإعلام المصري يصور أجواء الفرحة التي عمت القاهرة في تلك اللحظة وكأن وصول الفريق المصري الى نهائيات كأس العالم بات مضموناً، راح الإعلام الجزائري يصور ما جرى وكأنه نتاج عملية إرهاب مادي ومعنوي تعرض لها فريقه. وهكذا راحت مباراة الحسم في الخرطوم تبدو بالنسبة الى الطرفين وكأنها ساحة قتال بين جيشين نظاميين أحدهما يسعى الى كسب الحرب في النهاية بعدما حقق النصر في معركة ظافرة، والآخر يسعى للثأر لكرامته الجريحة بأي ثمن، وليست مباراة كرة قدم بين فريقين رياضيين ينتميان الى بلدين شقيقين.

صورة رابعة: رسمها سلوك أجهزة مسؤولة على الصعيدين الرسمي والشعبي. فها هم سياسيون وإعلاميون ورؤساء شركات طيران بل وبعض القيادات العسكرية في البلدين يتحدثون، بحماسة فاقت كل تصور كأنهم على وشك الدخول في مواجهة مع إسرائيل، عن «جسر جوي» وعن «تسهيلات مالية وإدارية» لنقل المتفرجين والمشجعين وعن «مكافآت مالية ضخمة» للاعبين... الخ.

أما في ما يتعلق بالمشهد الخفي والذي يجسده الجزء الغاطس تحت السطح، فأعتقد أنه تمكن استعادة مكوناته وإعادة تركيب أجزائه المبعثرة وترتيبها في سياق ترسمه مجموعة الصور الآتية:

صورة أولى: ترسمها حاجة ملحّة للنظامين في مصر والجزائر لاستعادة شعبيتهما بركوب موجة التفاف جماهيري استثنائي حول فريقيهما الكرويين في مباراة يدرك الجميع شدة حساسيتها، بحثاً عن نصر لم يعد متاحاً في أي ميدان آخر، على أمل أن ينسب كل نظام النصر لنفسه ويستثمره لمصلحة مشاريع ومناورات سياسية لا علاقة لها بمصالح الجماهير الحقيقية.

يزيد من اهمية هذا الاستثمار بالنسبة الى كل من النظامين ما اشارت اليه تقارير دولية وضعتهما معاً في المستوى نفسه ضمن أكثر دول العالم فساداً. صورة ثانية: رسمها سلوك أجهزة رسمية في البلدين لم تعد منشغلة بقضية وطنية أو قومية كبرى وتدير معاركها السياسية في فترات الأزمة تحت شعارات شوفينية ممجوجة لا معنى لها، من قبيل «مصر أولاً» أو «الجزائر أولاً»، ولم تعد تتذكر شيئاً من تاريخها القومي لا من زمن مصر عبدالناصر ولا من زمن جزائر بن بيلا. لذا لم تجد هذه الأجهزة حرجاً في محاولة ركوب موجة غضب جماهيري عارم ساهمت هي في صنعها من قبل، لتبدو وكأنها المدافع الأول عن الوطنية المصرية أو الوطنية الجزائرية. لذا لم تجد هذه الأجهزة غضاضة في أن تنعت شعب البلد الآخر بأبشع الأوصاف. فالجزائريون، الذين صنعوا احدى أهم حركات التحرر الوطني في العالم وثورة المليون شهيد، تحولوا عند المصريين في أجهزة إعلام الأزمة إلى «برابرة وهمج». والمصريون، الذين صنعوا احدى أرقى وأهم الحضارات في التاريخ وألهموا عبدالناصر، تحولوا عند الجزائريين في أجهزة إعلام الأزمة إلى قتلة للفلسطينيين وعملاء للأميركيين والإسرائيليين.

صورة ثالثة: رسمتها حالة «استئساد» ظهرت فجأة، سواء عند الرسميين أو عند عامة الجمهور في كلا البلدين. فها هم الرسميون يستدعون السفراء ويفرضون ضرائب في شكل إتاوات على الشركات، وها هم العامة والدهماء يخرجون بالآلاف مطالبين بإغلاق السفارات أو طرد «الإخوة الأعداء» من البلاد، بل ذهب بعضهم إلى حد الاعتداء على آمنين بالطوب والحجارة، أو بالمطاوي والسنج والسكاكين، أو ترويع السكان ومحاصرتهم في بيوتهم، بينما خرج آخرون يطالبون بالثأر لكرامتهم الجريحة!

هذه الصور الكريهة، سواء ما بدا منها ظاهراً فوق السطح أو غاطساً تحت الماء، قد تبدو للبعض وكأنها تضع نهاية ليس فقط للفكرة القومية الجامعة وكذلك للحركة القومية التي جسدتها يوماً كل من ثورة 23 تموز (يوليو) في مصر، خصوصاً في عهد الرئيس عبدالناصر ، وحركة التحرر الوطني في الجزائر، خصوصاً في عهد الرئيس بن بيلا. غير أن هذه الصورة من التفكك «القومي» لا تعكس في الواقع سوى وجه واحد يقابله وجه آخر تمثله حالة تفكك وانهيار «وطني» في الكثير من الأقطار العربية. ففي العراق دمر بلد من أكبر وأهم البلدان العربية وبمساعدة قوى وشخصيات عربية بحجة وجود نظام طاغية متهم بامتلاك أسلحة دمار شامل لم تثبت قط. وفي لبنان كاد يدمر بلد من أجمل بلدان العالم وأكثره حيوية وقدرة على الإبداع، وذلك تحت تأثير عوامل كثيرة ربما كان أهمها المحاصصة الطائفية من ناحية وتدخل القوى الإقليمية من ناحية أخرى. وها هو السودان يوشك أن يتفكك ويتحول إلى مجموعة من الدويلات تحت تأثير صراعات قومية ومذهبية وعرقية شديدة التعقيد. بل لنتأمل قليلاً ما يجري الآن في اليمن والذي تفجرت فيه صراعات داخلية لأسباب سياسية واجتماعية، وربما مذهبية أيضاً، سرعان ما تحولت إلى حرب أهلية مفتوحة، وها هي توشك أن تتحول إلى حرب إقليمية خطرة.

والسؤال: هل يمكن فصل ما جرى بين مصر والجزائر خلال الأسبوع الماضي، بمناسبة مباراة كروية، عما يجري في بقية العالم العربي ويعكسه مشهد عربي أعم يبدو مثيراً للقلق والأسى معاً؟ لا أعتقد ذلك. لكن ليس معنى هذا أنني أصبحت من أنصار نظرية المؤامرة أو المروجين لها أو المؤمنين بصحتها، لأنني أميل بطبعي الى التعامل بحذر شديد مع أي قوالب فكرية ونظرية جاهزة أو سابقة التجهيز. ومع ذلك، فإنني على يقين بأن إسرائيل تبدو بالنسبة اليّ على الأقل، حاضرة ومؤثرة في كل هذه الأحداث حتى ولم تكن هي صانعها أو مفجرها.

ربما تؤدي الدعوات التي يطلقها الآن كثيرون الى مطالبة الرئيسين حسني مبارك وعبدالعزيز بوتفليقة بالتوقف عن التصعيد ومحاولة احتواء الأزمة الراهنة، وهي دعوات لا أتردد في تأييدها، من اجل التوصل إلى نوع من التهدئة. غير أنني لا أعتقد أن ذلك يكفي. فالمسكنات لم تعد وحدها قادرة على معالجة مرض عضال بات ينهش الجسد العربي ولا حل له في تقديري إلا بعملية جراحية لاستئصاله. ولن تتم عملية الاستئصال هذه، في تقديري، إلا من خلال تحرك جدي على مستويين أحدهما رسمي والآخر شعبي.

فعلى المستوى الرسمي: أظن أنه آن أوان الانتباه إلى أن القضية الفلسطينية دخلت طور التصفية الفعلية، وأن نجاح إسرائيل والولايات المتحدة في تحقيق هذا الهدف، بفرض تسوية سلمية بشروطهما على الأقطار العربية، لن يفضي إلى أي نوع من الاستقرار، وسيمنح الولايات المتحدة وإسرائيل مزيداً من الفرص للتفرغ لتعميق تناقضات سياسية واجتماعية وإثنية ومذهبية قائمة في العالم العربي وتحويلها إلى صراعات مفتوحة تستهدف تفتيت الدول القائمة في المنطقة. وأظن أن أحداً لن ينجو أو يفلت من هذا المخطط لأن إسرائيل ترى فيه وسيلتها وغايتها النهائية لتحقيق أمنها المطلق. بمعنى آخر، فإنني أرى أن عودة العالم العربي للاهتمام بالقضية الفلسطينية، باعتبارها قضية العرب المركزية، هي نوع من العودة للإمساك بزمام المبادرة في عملية تستهدف، ضمن أشياء أخرى، حماية التماسك الداخلي للأوطان.

وعلى المستوى الشعبي: أظن أنه آن الأوان كي تدرك ألوان الطيف السياسي كافة في الأقطار العربية أن الاستبداد السياسي بات هو العدو الأول للشعوب والأقطار العربية، وأنه لن يكون في مقدور أي قوة سياسية بمفردها، خصوصاً القوى التي تنتمي إلى التيار الإسلامي، أن تصنع التغيير بمفردها. ومن هنا ضرورة تعاون كل القوى السياسية معاً، أياً كانت الاختلافات الأيديولوجية بينها، لكسر حلقة الاستبداد الصلبة المعيبة. فالاستبداد بات في واقع الأمر هو الخطر الذي يهدد وحدة الأوطان وليس فقط وحدة الأمة العربية أو تماسكها القومي.

لم تُهزم القومية العربية في مباراة مصر والجزائر، لكن ما جرى في هذه المباراة كان كاشفاً عن خطورة أزمات وربما حروب من نوع جديد تلوح في أفق المنطقة!

 

مصري عقلاني يكتب بموضوعية :
عكس التيار: الأسئلة العشرة في المسألة المصرية ـ الجزائرية
بقلم/ صبري السيد

تابعنا جميعاً الأحداث المتلاحقة وردود الفعل الواسعة حول ما جرى على أرض السودان بين الجماهير المصرية والجزائرية عقب اللقاء الفاصل الذي جمع بين منتخبي البلدين " الشقيقين" وانتهى بفوز الخضر بهدف وتأهلهم لمونديال جنوب أفريقيا العام المقبل.
لاحظت خلال اليومين السابقين بعد انتهاء المباراة نغمة تصعيد كبيرة في القنوات المصرية على خلفية اعتداأت جزائرية على المشجعين المصريين في السودان، بل وطالب البعض بقطع العلاقات مع الجزائر وطرد السفير الجزائري من القاهرة وسحب سفير مصر من الجزائر بسبب تلك الأحداث.
مطالب مفزعة بسبب مباراة في كرة القدم، تهدد بقطع العلاقات بين دولتين عربيتين، ولم أشأ أن أكتب معلقاً على أحداث اللقاء في اليومين السابقين خصوصاً وأنني كمواطن مصري كنت أشعر بمراراة الخروج من سباق المونديال بهذا السيناريو الدراماتيكي الغريب، وكنت متأكداً أن العاطفة ربما ستنعكس قليلاً على رؤيتي لتلك الأحداث وفضلت الانتظار قليلاً لكي تكون الرؤية مبنية على العقل وليس العاطفة وبدأت في سرد بعض التساؤلات التي خطرت على ذهني في هذه الأحداث لعلني أجد إجابة توضح أسباب هذا الانفلات والاحتقان والتوتر غير المسبوق بين مصر والجزائر.
1ـ    في البداية نحن لا ننكر أن هناك تجاوزات من قبل الجماهير الجزائرية ضد المصريين في السودان بعد اللقاء ولكن هل نطمع في بيان رسمي من وزارة الخارجية المصرية أو السفارة المصرية في السودان أو أي جهة رسمية عن عدد المصابين أو القتلى المصريين في هذه الأحداث تحديداً..بعيداً عن الإثارة والتهويل واستفزاز مشاعر المصريين من عينة "ضربونا..اعتدوا علينا..رفعوا السكاكين والمطاوي"،، نريد رقماً محدداً لعدد المصابين المصريين من جهة رسمية؟

2ـ    تحدث الكثير من المسئولين واللاعبين المصريين عن أنه " لو فاز" منتخب مصر في هذه المباراة ..لحدثت مجزرة في الملعب ..ونحن نصدقكم ..فحاشا لله أن تقولوا كذباً..ولكن المنطق يفرض نفسه لماذا لم يسأل أي مسئول نفسه ..ولماذا "لم يفز" منتخب مصر على الجزائر في المباراة؟

3ـ    سمعت حديثاً للاعب المصري عمرو زكي في إحدى القنوات الفضائية وهو يؤكد أن أتوبيس اللاعبين المصريين قد تم الاعتداء عليه من الجزائريين ولكنهم لم يرغبوا في الحديث عن هذا الأمر حفاظاً على العلاقات مع الجزائر، وتحدث أيضاً عن تلفيات في مطار القاهرة رفضوا الإبلاغ عنها حفاظاً على العلاقات..بالله عليكم..هل هناك تفسيراً منطقياً لهذا الحديث سوى " عدم احترام العقول" التي تسمع ما يُقال...!!
ولكي لا نتجنى على اللاعب ..بفرض ما يقوله صحيحاً..أليس هذا تواطئاً.. وخيبة ما بعدها خيبة للمسئولين المصريين..!!

4ـ    أريد إجابة واضحة من أي مسئول في الجهاز الفني المصري أو أي مسئول مصري..ما هي المباراة التي أداها منتخب مصر في هذه التصفيات بكفاءة واستحق عليها الفوز..أريد مباراة واحدة فقط وراجعوا أداء المنتخب في كل مباريات التصفيات لتعلموا أن الفشل في التأهل كان نتيجة منطقية لأداء هابط خلال كل اللقاأت ولم نكن نحقق الفوز سوى بقوة الدفع "الجماهيري أحياناً" والمعنوي أحياناً أخرى ولكم في مباراتي رواندا وزامبيا خير مثال.

5ـ     في المقابل نريد توضيحاً من الجانب الجزائري عن عدد القتلى الذين يدعون سقوطهم في القاهرة ..وكما طلبنا رقماً رسمياً من مصر نطالب الجزائريين أيضاً برقم محدد ومن جهة رسمية عما أسموه بالقتلى أو الشهداء في القاهرة وعدد المصابين أيضاً حتى لا نطلق العنان لهواة إثارة الفتن والقلاقل ليبثوا سمومهم في الجانبين.

6ـ     من يحاسب اللاعبين في صفوف الفريقين عن التصريحات المثيرة والساخنة التي ساهمت في توتر الأجواء واحتقان المشاعر في هذه المواجهه..وكما نحمل الصحافة والإعلام في البلدين مسئولية ما جرى فإن المسئول الأول هم اللاعبون الذين تركوا لأنفسهم العنان في إطلاق تصريحات مستفزة ومثيرة ساهمت في تضخيم الأمور منهم "رفيق صايفي..عنتر يحيي..أحمد حسام ميدو..أحمد حسن"،، وغيرهم من الأسماء التي تستحق العقاب بسبب تصريحاتهم المستفزة؟

7ـ     من يحاسب وسائل الإعلام في البلدين..من يحاسب من ينشر أخباراً كاذبة..ويروج للفتن والقلاقل والمشاحنات..من يحاسب هؤلاء الإعلاميين في مصر والجزائر؟

8ـ     بصفتي مصرياً حتى النخاع وأفتخر بمصريتي أتوجه بسؤال شخصي للسيد هاني أبوريدة عضو اللجنة التنفيذية في الفيفا..لماذا لم نسمع لك صوتاً حتى الآن فيما جرى..لعل المانع خير؟!

ولماذا يلوم المصريون على رئيس الاتحاد الجزائري "روراوة" دفاعه عن بلده واستماتته في الدفاع عنها في حين أن المسئولين المصريين عاجزون عن فعل أي شئ..ولكي لا أظلم أبوريدة فإني أدعو القارئ لملاحظة العلاقة بين سمير زاهر رئيس الاتحاد المصري ونائبه أبوريدة لنتعرف سريعاً عن إجابة السؤال الأول ..لماذا لم يتحدث هاني أبوريدة وكيف تدار الأمور في الاتحاد المصري لكرة القدم؟

9ـ      لا أعرف لماذا تذكرت هذه الأيام .. فوز الأهلي على شباب بلوزداد في البطولة الأفريقية 2001 وفوز إنبي على وفاق سطيف في الكونفيدرالية 2009، والمباراتان كانتا في الجزائر .. ولم يحدث مثل هذا الاحتقان أو التوتر ..ولم أجد إجابة مقنعة.!!

10ـ    سمعت – والعهدة على الروايء أن هناك معاهد في الدول الأوروبية المتقدمة على تدريب المسئولين على "الاستقالة" في حالة الفشل أو الإخفاق أو التقصير أو الخيبة القوية..ويمر الدارس في هذه المعاهد على بعض الاختبارات النفسية والاجتماعية تفيد بقدرته على اتخاذ القرار في الوقت المناسب ويمنح شهادة دولية بأنه لا يتمتع بالبجاحة أو التلامة أو إنه " معندوش دم" ..فهل نطمع في بيان من وزاراتي الصحة في البلدين عن عدد المسئولين الرياضيين في مصر والجزائر الذين درسوا في هذه المعاهد؟

الإجابة..صفر مصر – صفر الجزائر



مهزلة جزائرية مصرية 
عبد الباري عطوان ـ القدس العربي
تحتل اربع دول عربية المراتب الاولى على قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم، اضافة الى افغانستان، حسب منظمة الشفافية الدولية، ولكن لم يخطر في بالنا مطلقا، ان تستخدم انظمتنا الرياضة من اجل تحويل الانظار عن فسادها ودكتاتوريتها القمعية، وبذر بذور الكراهية بين ابناء الأمة الواحدة، مثلما شاهدنا في الايام العشرة السوداء الاخيرة، التي بدأت وانتهت بمباراتي فريقي مصر والجزائر، في تصفيات نهائي كأس العالم الصيف المقبل في جنوب افريقيا.
هذا المخزون الكبير من الكراهية الذي انعكس في تصرفات النخب السياسية والاعلامية في البلدين جاء مفاجئا بالنسبة الينا، وربما لمعظم العرب الآخرين، بحيث يدفعنا لاعادة النظر في الكثير من المقولات حول الاخوة والروابط المشتركة، والانتماء الواحد للعرق والعقيدة.
نحن امام حرب حقيقية، وعمليات تجييش اعلامي ودبلوماسي لم يسبق لها مثيل، وكل هذا من اجل الفوز في مباراة كرة قدم بين فريقي دولتين وشعبين شقيقين، من المفترض ان الفائز من بينهما سيمثل العرب جميعا في هذه المسابقة الكروية الدولية.
عندما قرأت انباء عقد الرئيس حسني مبارك اجتماعا طارئا لاركان دولته، ابتداء من مجلس الوزراء ومرورا بقائد جهاز المخابرات، وانتهاء برئيس هيئة اركان الجيش المصري، تبادر الى ذهني ان مصر على ابواب مواجهة مصيرية مع اعداء الأمة والعقيدة، ولم اصدق ان هذا الاجتماع غير المسبوق منذ الاعداد لحرب العاشر من رمضان اكتوبر المجيدة عام 1973، هو لبحث كيفية الرد على العدوان الجزائري المزعوم في الخرطوم، الذي اسفر عن اصابة عشرين مشجعا مصريا.
هذه ليست مصر الكبيرة العظيمة، حاضنة الامة ورافعتها، وفخر العرب جميعا بتضحياتها وابداعاتها في الميادين كافة. هذه مصر اخرى لا نعرفها، وفوجئنا بها، وبعض سلوكيات اهل الحكم فيها، وحوارييهم خاصة، في وسائل الاعلام المقروءة والمرئية.
' ' '
الحكومة المصرية لم تسحب سفيرها في تل ابيب عندما اعتدت اسرائيل على لبنان مرتين، الاولى عام 1982، والثانية في عام 2006، ولم تطرد السفير الاسرائيلي وتغلق سفارته في القاهرة، عندما اجتاحت قواتها قطاع غزة، واستخدمت الفوسفور الابيض لحرق اجساد الاطفال والنساء، رغم ان هذا القطاع يخضع حتى هذه اللحظة للادارة المصرية قانونيا، وثلاثة ارباع ابنائه يرتبطون بروابط الدم او النسب مع اشقائهم في مصر.
ان يعتدي جزائريون على اشقائهم المصريين العاملين في عاصمة بلادهم، فهذا امر مستهجن ومدان وغير اخلاقي، وان يقذف مشجعون مصريون حافلة الفريق الجزائري وهو في طريقه من مطار القاهرة الى مقر اقامته، فهو امر معيب ايضا، ولكن لا هؤلاء، ولا اولئك يمثلون الغالبية الساحقة من ابناء الشعبين المصري والجزائري، وانما قلة منحرفة موتورة حاقدة.
الشغب الكروي امر عادي يتكرر اسبوعيا في مختلف انحاء العالم، بما في ذلك اوروبا 'المتحضرة'، وهناك امثلة لا حصر لها عن اشتباكات بين مشجعين انكليز وفرنسيين او المان وروس، بل وبين مشجعي فريقين من المدينة الواحدة، يسقط فيها عشرات القتلى والجرحى، ولكن لا تتدخل الحكومات ولا تسحب سفراءها، وتترك الامور في نطاقها الكروي.
في اليوم نفسه الذي كانت تدور فيه احداث الحرب الكروية المصرية الجزائرية على ارض ام درمان السودانية، تقابل منتخبا فرنسا وايرلندا، وفاز الاول بهدف من جراء لمسة يد من احد مهاجميه (تيري هنري) اظهرتها عدسات التلفزة بكل وضوح، واعيدت اللقطة مئات المرات على شاشات التلفزة العالمية، بل واعترف اللاعب نفسه انه مارس الغش ولمس الكرة متعمدا، ولكن لم نر التلفزيونات الايرلندية تستضيف الكتاب والشعراء والفنانين والرياضيين الايرلنديين لتوجيه اقذع انواع السباب الى الشعب الفرنسي او حكومته، او حتى للاتحاد الدولي لكرة القدم الذي رفض طلبا باعادة المباراة تقدم به رئيس وزراء ايرلندا.
' ' '
الحكومتان الجزائرية والمصرية تعمدتا صب الزيت على نار الاحقاد، وانخرطتا في عمليات تعبئة وتجييش لمشجعي شعبيهما ضد بعضهما البعض، لاسباب سياسية مريضة وغير اخلاقية.
الحكومة المصرية كانت تريد فوزا يشغل الشعب المصري عن الظروف المعيشية المزرية التي يعيشها، جراء الفساد والبطالة، وبما يسهل عملية التوريث التي واجهت حملات شرسة عرقلت مسيرتها بعد دخول مدفعيات ثقيلة في المعركة ضدها، مثل السادة محمد حسنين هيكل، والدكتور محمد البرادعي، والسيد عمرو موسى.
الحكومة الجزائرية ارادت تحويل انظار الشعب الجزائري عن النهب المنظم لثرواته، وتفاقم معاناته، وركوب ابنائه قوارب الموت بحثا عن لقمة عيش على الساحل الاوروبي من البحر المتوسط، بسبب استفحال البطالة في بلد يعتبر الاغنى في محيطه، لثرواته الهائلة من النفط والغاز والزراعة والصناعة.
كان القاسم المشترك بين النظامين المصري والجزائري واضحا في استاد المريخ في ام درمان، حيث تصدر ابنا الرئيس مبارك جمال وعلاء منصة الشرف، جنبا الى جنب مع شقيقي الرئيس الجزائري اللذين مثلاه في المباراة. اليس هذا دليلا اضافيا على المحسوبية، والتوجه نحو التوريث، والضرب عرض الحائط بالدساتير، وتقاليد الانظمة الجمهورية المتبعة في العالم بأسره؟
وما نستغربه اكثر هو حال الغضب المصري الرسمي، وربما الشعبي ايضا، تجاه السودان الشقيق، الذي ليس له في هذه الحرب ناقة او جمل، ولم يستشر فيها، وانما جرى فرضها عليه من قبل اشقائه الشماليين ايمانا منهم بوحدة وادي النيل، الذين اختاروا الخرطوم كأرض اهلها اقرب اليهم لاستضافة المعركة الحاسمة.
' ' '
الحكومة السودانية يجب ان تتلقى كل الشكر، لا اللوم، من قبل نظيرتها المصرية، لانها نجحت، رغم امكانياتها القليلة، في توفير اجواء امنية طيبة، وسيطرت على حوالى اربعين الف مشجع من البلدين وانصارهما، ولم تحدث اي خروقات امنية داخل الملعب او خارجه، باستثناء اشتباكات محدودة ادت الى اصابة بعض المشجعين بجروح طفيفة، عولجت في حينها، ولم يمكث اي من المصابين ساعة واحدة في المستشفى. وحتى لو اصيب عشرون مشجعا مصريا نتيجة اعتداءات مشجعين جزائريين، وسكاكينهم، فإن هذا الرقم لا يذكر بالمقارنة مع مشاعر الكراهية المتأججة في اوساط الجانبين.
كان من المفترض ان تقدر الحكومتان المصرية والجزائرية الادارة المتميزة لنظيرتهما السودانية للأزمة، ونجاحها في منع مذابح حقيقية على ارضها، لا ان تقدم الحكومة المصرية على استدعاء السفير السوداني لابلاغه احتجاجا على تقصير حكومته في حماية المشجعين المصريين بالشكل الكافي.
ختاما نقول إننا شعرنا بالخجل، بل والعار، كأعلاميين ونحن نتابع الإسفاف الذي انحدرت اليه وسائل اعلام في البلدين، لم نتصور مطلقا ان يهبط مستوى بعض الزملاء الى هذه المستويات الدنيا، من الردح والتحريض ضد الطرف الآخر وحكومته وشعبه.
انها سابقة خطيرة، يندى لها الجبين، نعترف فيها بان نظامي البلدين صدّرا ازماتهما مع شعوبهما من نافذة مباراة كرة قدم، بايقاع اقرب شعبين الى بعضهما البعض في مصيدة الكراهية والاحقاد. لقد نجح النظامان بامتياز في مكرهما هذا، بينما يدفع الشعبان الطيبان، والامة العربية ثمنه غاليا.


مصر والجزائر.. ما هذا؟
طارق الحميد ـ الشرق الأوسط اللندنية
كل من يتابع تداعيات مباراة كرة القدم التأهيلية لكأس العالم بين مصر والجزائر والتي أقيمت في السودان، لا يملك إلا أن يصاب بالذهول الشديد، بل الحمد لله أن ليس بين مصر والجزائر حدود برية، وإلا لربما حدث ما لا يحمد عقباه، لأن ما يحدث اليوم يوحي بأن الأمور كانت ستسير إلى منحى مأساوي آخر.

صحيح أن البعض منا ذكر، وتذكر، بأن هناك حروباً قد نشبت بين دول بسبب كرة القدم، لكننا نتناسى أن هناك ما يسمى بدبلوماسية كرة القدم، بل وهناك دبلوماسية المصارعة الحرة، والتي استخدمت كنوع من التقارب السياسي بين دول عاشت في خصومة وقطيعة طويلة.

فكيف تتحول مباراة كرة قدم إلى هذا المستوى من الانحدار الأخلاقي، وهذا الشحن المفزع؟ البعض في العالم العربي يقول إننا نسينا فلسطين، ونسينا مآسينا وانشغلنا في مباراة كرة قدم، وهذا تسطيح أيضاً؛ فكرة القدم هي للإثارة والتشويق، مثل ما أن لها أهدافاً أخرى، وتستحق المتابعة والاهتمام دون شك، لكن يجب ألا تصل الأمور إلى هذا الحد من الحدة والغليان، والاعتداءات، وإثارة الشغب، واستدعاء السفراء، وكل هذا التشنج؛ فكم كان لافتاً أيضاً حجم رجال القوات المسلحة السودانية في ملعب المباراة وكأنهم على جبهة قتال وليس في ملعب كرة قدم.

ففي الوقت الذي أصيب فيه العالم العربي بالذهول، وانشغل الإعلام بما أصاب العرب بسبب مباراة كرة قدم، كانت هناك مباراة أخرى أقيمت بين فرنسا وآيرلندا، وتأهل بها الفرنسيون بهدف غير صحيح، حيث قام اللاعب باستخدام يده في تهيئة الكرة التي صنعت الهدف الذي أهل منتخب بلاده لكأس العالم. وهو أمر لم تثبته الكاميرات وحسب، بل إن اللاعب الفرنسي تييري هنري اعترف بأنه استخدم يده، فما الذي حدث؟ لا شيء مما يحدث اليوم بعد مباراة مصر والجزائر، وحتى الفيفا قرر أنه لن يعيد المباراة.

إذاً المسألة أعقد، وأبعد من كرة قدم بكل تأكيد، فما نراه من احتقان وأعمال عنف اليوم أسبابه متعددة، ومنها إعلام تحريضي، مرئي ومكتوب، لا يتسم بأي مسؤولية أو مهنية، من كلا البلدين، وبعض المسؤولين الرياضيين، من كلا البلدين أيضاً، أبعد ما يكونون عن الأخلاق الرياضية، ومفهوم أن الفوز والخسارة هما أساس كرة القدم.

وهناك أمر آخر مهم، وهو أن البعض في عالمنا العربي يريد اختزال كل مشاكله اليومية، الصغير منها والكبير، الأساسي والهامشي، في الفوز بنقاط مباراة كرة قدم، فمن يفوز يعتقد أن الفوز في مباراة واحدة، أو بطولة، قد حل كل مشاكله، ومن يخسر يجد أن أبواب الجحيم قد فتحت أمامه من كل أطياف المجتمع، لأنها لحظة تصفية الحساب، والتصيد السياسي، وهذا أمر مؤسف، ومزعج.

في مباراة مصر والجزائر لم ينتهِ الأمر عند حد البلدين فقط، بل بلغ الأمر أن اجتمع مجلس الوزراء السوداني برئاسة الرئيس السوداني ليشيد بخطة تنظيم المباراة.. وسامحونا إن قسونا بعض الشيء، ولكن ماذا عن خطة تجنب تقسيم السودان؟

ولذا نقول انظروا إلى أين وصلت بنا الأمور
tariq@asharqalawsat.com

دعوهم يغضبوا
عبد الرحمن الراشد ـ الشرق الأوسط اللندنية

لابد أن أعترف أنني كنت منحازا إلى مصر، وكنت أتمنى أن تتأهل إلى كأس العالم، ليس كرها في فوز الجزائر، أو حتى اهتماما بالبطولة، بل فقط لأن المصريين عندهم القدرة على الجذب الجماهيري، وهذا سر من أسرار الإعلام الناجح اللعب على عواطف الجماهير. طبعا أفسد أبطال الجزائر أمنيتنا، ودارت معركة تاريخية كانت لسوء حظ السودانيين أنها على أرضهم.

ولو نظرنا إلى المشكلة الجماهيرية، بملاحقها السياسية والإعلامية والشخصية، لفهمنا أنها لم تكن مجرد عقول فارغة بل مبررة وتتجاوز الكرة والقدم. جماهيريا ظن المصريون بحساب جغرافي بسيط أن لهم الغلبة فالجزائر بعيدة عن السودان بما يكفي لمنعها من التواجد، فحج ثلاثة آلاف مصري إلى الخرطوم، في حين هيأت الجزائر جسرا جويا ونقلت عشرة آلاف مشجع من مواطنيها المتحمسين إلى هناك. فغصت العاصمة السودانية في ليلة واحدة بآلاف المتعصبين من الجانبين، لكن الميزان كان لصالح الجزائر، ثلاثة لواحد. وبعد الهزيمة المرة للمنتخب المصري من الطبيعي أن يلجأ المهزومون إلى لوم الحكم والدولة المضيفة والجماهير العدوة، فهذه من تقاليد الكرة العربية في كل مكان بلوم الآخرين على الهزيمة. ومع أنني لست ناقدا رياضيا أظن أن المنتخب المصري كان ضحية الضغوط الهائلة التي مورست عليه من قبل الجميع في مصر نفسها، حيث حمل مسؤولية ثقيلة تفوق ما يتحمله أي مسؤول آخر في البلاد. ومن الطبيعي تحت هذا الكم الهائل من الشحن والضغوط والمطالبة بالانتصار أن ينهار الفريق. ومن المؤكد أن من سيخسر المباراة سواء المنتخب المصري أو الجزائري ستدور معركة بشرية بعدها، ومن الطبيعي بعد التوقعات العالية أن ينفجر الشارعان المصري والجزائري، وكان ذلك في الخرطوم أولا.

الحقيقة أن في كل طرف من لعب دور المحرض وإشعال النار ونقل المسؤولية. المسؤول الأول عن الهزيمة يفترض أن يكون المنتخب، والمسؤول الثاني هي إدارة فريق المنتخب المسؤولة عن وضع استراتيجية اللعب، والمسؤول الثالث الإعلام الذي وعد الناس بفوز لم يحدث وهكذا، حتى السياسيون مسؤولون عن ما حدث لأنهم كانوا يريدون الركوب على أكتاف اللاعبين لو فازوا ويحملون معهم كأس النصر. بعد الهزيمة، اللاعبون والمدرب والإدارة والإعلام والسياسيون نقلوا المسؤولية إلى الجماهير.

والحقيقة أن الجزائر ليست بريئة من الاستغلال السياسي فهي صمتت سلبا، ولدى السياسيين الجزائريين أيضا رغبة في التكسب من وراء الانتصار الكروي، وجعلوا اللاعبين يشيدون بالقيادة السياسية في كل تصريحاتهم مع أنني أشك أن أحدا من القادة في الجزائر يفهم شيئا في كرة القدم، لكنهم بطبع السياسيين ثعالب ماكرة لا تفوت فرصة ادعاء الانتصار في وقت تتهرب من مسؤولية الهزيمة.

أما الإعلاميون فقد وجدوا أنفسهم في سوق المشاهدة والقراءة واللعب على عواطف المهزومين والمنتصرين. ولابد أن ليلة الهزيمة في مصر وليلة النصر في الجزائر كانت من أعلى ليالي المشاهدة في حساب التلفزيون مقارنة حتى بليالي رمضان. مع هذا لا داعي للقلق لأن شيئا لن يحدث بعد، مجرد فقاعة رياضية، فكم من مرة هزمت منتخبات وثار الشارع وأحرقت السيارات وضرب الجماهير بعضهم البعض، ونسيت بعد أسبوع.

أخوة الملاعب و... الجبهات
حازم صاغيّة ـ الحيــاة اللندنية
في 1969 تنافس فريقا كرة قدم، واحد سلفادوريّ وآخر من هندوراس، كانا يحاولان التأهّل لدورة العام التالي في بطولة أميركا اللاتينيّة. لكنّ الشغب الذي أسفر عنه لعبهما، والسلوك العنيف لحضور المباراة، قادا إلى حرب دامت أربعة أيّام.

لم تكن كرة القدم غير ذريعة لنزاع أساسه الهجرة السلفادوريّة المتدفّقة على هندوراس. فعنف الرياضة رمزيّ كما يُفترض، وبديلٌ، كما يُفتَرض أيضاً، عن العنف الفعليّ.

لكنّ ما حصل كان كافياً لوقف التذكير بسيمون بوليفار وبدعوته إلى وحدة أميركا اللاتينيّة. ذاك أن توطّد الدول والوطنيّات يُستحسَن أن يكون إيجابيّاً، متنُه الإنجازات، لا سلبيّاً قوامه الكراهية لدولة ووطنيّة أخريين. والتذكير ببوليفار لا يفعل، فيما الدول تترسّخ، غير استحضار الخوف عند أصغرها من أكبرها، ورفع نسبة السلبيّ في تشكّلها الوطنيّ.

وفعلاً خفتت الرطانة الوحدويّة، حتّى اضمحلت، لتعود وتنبعث على شكل كاريكاتوريّ مع الرئيس الفنزويليّ شافيز، المعادل الأميركيّ اللاتينيّ للعقيد الليبيّ معمّر القذّافي.

وهذا درس فجعتنا به الحرب «الرياضيّة» الأخيرة بين مصر والجزائر حيث لم يبق مقدّس عند أحد الطرفين إلاّ هتكه الآخر، ولم يبق استعداد باطن للكره والعنصريّة إلاّ أُحضر إلى الساحة. هكذا برهن أحد الطرفين أن تاريخ الآخر كذبة، فيما برهن الطرفان أنّ كلّ عالمنا وأفعالنا مجرّد صفر.

ولم يكن مستشرق لئيم من فبرك الشرق فرسمنا على هذا النحو تبعاً لأهواء عنده نحن منها براء. ذاك أنّنا نحن من فعل هذا، وهذا ما نفعله. وإذا كان الإعلام قد مارس الإسفاف والبذاءة العنصريّة، وهو قد فعل حقّاً، فهذا لا يغيّر في صورة المواجهة، بل يجعلها أشدّ عضويّة، دافعاً الإعلامين إلى صبّ جهودهما في «المعركة» إلى جانب «الجهود الوطنيّة» الأخرى. أمّا دعوات الداعين إلى التركيز على «الأعداء الحقيقيّين» فبدت مضحكة بقدر ما دعت إلى الشفقة، إذ ملايين المصريّين والجزائريّين كانوا، بملء إرادتهم، يختارون، في تلك اللحظة، «عدوّهم الحقيقيّ».

وهذا كلّه لا يحتاج إلى حدود مشتركة كي يتفجّر. وهو، كذلك، أكثر من «حقد» الجزائرييّن الأمازيغ على المدرّسين المصريّين، أو «حقد» الجزائريّين كلّهم على «دور مصر المركزيّ». وهو، بالمعنى ذاته، يتجاوز «حسد» المصريّين من «ثورة المليون شهيد». ما حصل في الملاعب والشوارع، في الأوطان والمهاجر، امتداد، ملهويّ ومأسويّ، للوعي السلبيّ لدينا، والذي يريد للمعاني والولاأت أن تتشكّل «ضدّ» طرف ما: ضدّ المستشرقين وضدّ الإعلام وضدّ أميركا وإسرائيل. وهي محطّة تقاطُع عريض بين الأنظمة وبين معارضاتها من على جانبيها «القوميّ» أو الإسلاميّ. فالهروب المتواصل مما ينبغي إنجازه يجعلنا غاضبين باحثين عن أعداء لا نلتقي بهم وجهاً لوجه إلاّ حين نلتقي بـ «الأخوة»، في ملعب أو في مواجهة على حدود مشتركة. يسمح هذا بالافتراض أن مواجهة بين جارين أقرب إلى بعضهما مما يفصل الجزائر عن مصر، كانت لتكون أشرس بكثير: فلنفكّر في فريقين سوريّ ولبنانيّ، أو ليبيّ ومصريّ، أو جزائريّ ومغربيّ!.

إنّ كميّة الغضب المكبوت والمزوّر (حتّى حدود تصديق الكذب) هي التي استعرضت نفسها في كرة القدم. وكلّما زاد الاقتراب، في ظلّ هذا الوعي السلبيّ، زاد العداء. ولماذا يُستغرَب هذا؟. فـ «قضيّة العرب المشتركة» لم تعد مشتركة كثيراً، على ما يدلّ قدر لا حصر له من البراهين. ذاك أن العالم الإسلاميّ غدا، في هذا الصدد، مشطوراً بين طرف يوظّف هذه القضيّة لصالحه، وطرف يُجَرّ إليها غصباً عنه، بالابتزاز والحروب الأهليّة، فضلاً عن التخوين والتكفير. والطرف الأوّل لا يقتصر على «جماهير» تماماً كما أن الطرف الثاني لا يقتصر على «حكّام». وما يصحّ في العالم الإسلاميّ الواسع يصحّ في الفلسطينييّن أنفسهم، وهم أيضاً فقدوا اشتراكهم في القضيّة المشتركة.

ما الذي يبقى؟ تبقى الحروب الحدوديّة والحروب الأهليّة ضمن مساحة البلد الواحد، الرمزيّ منها (وهو لم يعد رمزيّاً) تشهده الملاعب، والفعليّ تسجّله الجبهات الساخنة.

لقد آن، ربّما، أوان مصارحة الذات الجمعيّة (إذا وجدت)، والانتباه إلى ضرورة التقدّم من أنفسنا ومن الكون العريض بشيء واحد إيجابيّ ومنتج. فالترجمة العمليّة الوحيدة لـ «المستشرق» و «اليهوديّ» و «الأميركيّ» هي الجزائريّ عند المصريّ والمصريّ عند الجزائريّ والشيعيّ عند السنّيّ والسنّي عند الشيعيّ... إلى أن يفني «الأخوة» واحدهم الآخر وهم غاضبون على أميركا وإسرائيل!.


عندما يبتذل الدين في معارك الكرة 
ياسر الزعاترة ـ الدستـور الأردنية
لم يبق غير الدين ليبتذلوه في معارك الكرة ، وما تنطوي عليه من إثارة للعصبيات التي تفوح منها رائحة النتن (دعوها فإنها منتنة كما قال المصطفى عليه السلام). وفي حين كان لبعض العلماء دورهم الإيجابي في لجم المشاعر البائسة والممارسات التي لا تقل بؤسا من تلك التي تابعناها خلال الأسبوعين الماضيين ، فإن كثيرا من المواقف الأخرى كانت مثيرة إلى درجة تسيء للإسلام والمسلمين والعلماء والدعاة.كان لفريق من علماء السودان ، وكذلك للعلامة الشيخ يوسف القرضاوي وآخرين من هنا وهناك مواقف يشكرون عليها في سياق تذكير أبناء الأمة بوحدتهم وبسخف انقسامهم على خلفية مباراة كروية كان لا بد من فوز طرف فيها وهزيمة آخر ، لكن الفريق الآخر من العلماء والدعاة ، ومعظمه للأسف من مصر ، لم يكن موفقا في خطابه وسلوكه.لا ينفي ذلك أن ثمة أصوات كبيرة وعاقلة خرجت من مصر ، من مفكرين وعلماء تسخر من تلك الهبة الجماهيرية والرسمية ، وتحيلها إلى محاولات رسمية لحرف بوصلة الناس عن قضاياهم الأساسية ، لكن الأصوات الأخرى التي استخدمت الدين كانت من السخف بحيث لا تدع للمرء مجالا غير انتقادها والتذكير ببؤس خطابها.من تلك الأصوات ذلك الداعية الشهير (خالد الجندي) الذي قال إن فوز "الفراعنة بهدفين نظيفين (لاحظ تعبير الفراعنة) على الخضر جاء استجابة لدعوات 89 مليون مصري". وأضاف (والحديث عن المباراة الأولى بالطبع) أنه "خطب الجمعة للمنتخب الوطني واجتمع بهم مع الكابتن حسن شحاته ، المدير الفني للمنتخب ، وأنهم تابوا جميعا إلى الله توبة نصوحا".وأوضح أن من"أجمل الألقاب التي أطلقت على الفريق القومي المصري أنه فريق الساجدين نظرا لأنهم ملتزمون أخلاقيا ودينيا" ، مضيفا أنه اتفق مع المنتخب المصري على ترديد كلمة السر فى المباراة وهي "يا حي يا قيوم".بالله عليكم ، هل لهذا الذي قرأنا صلة بروح ديننا العظيم؟ وماذا قال الداعية الكبير بعد هزيمة المنتخب في المباراة الثانية؟ هل عزا هزيمتهم إلى الكفّ عن السجود وقول "يا حي يا قيوم"؟ وهل كفّ الـ 89 مليون مصري (طبعا يشمل الرقم الذي يبدو أكثر من الرقم الحقيقي من ولدوا يوم المباراة وقبلها بأيام وأسابيع وشهور ، وحتى سنوات ، ممن لم ينطقوا بعد ولم يعرفوا ماهية الدعاء ولا معارك الكرة)؟ هل كفّوا عن الدعاء في المباراة التالية ، وماذا لو دعا الجزائريون على "عدوهم" أيضا ، ومعهم عرب آخرون شجعوا ذات المنتخب لهذا الاعتبار أو ذاك؟،لماذا يُحشر رب العالمين ويُبتذل دينه في قضية من هذا النوع ، في وقت تخاض المعركة ضد فريق مسلم من بلد مسلم ، مع أننا نؤمن أنه لو كانت المباراة ضد البرازيل لما نفعت دعوات صاحبنا أيضا ، ولكانت الهزيمة أكبر على الأرجح؟،في الغرب يُهزم الفريق القومي ، فيقال المدرب أو يستقيل ، كما يُلام اللاعبون ، وليس هذا لأنهم ملحدون ، بل لأن ذلك هو المنطق الصحيح الذي يؤيده دين الإسلام الذي يأمر باتخاذ أسباب القوة الحقيقية ومحاسبة المخطئين والمقصرين.نقول ذلك رغم أن ما يعنينا في هذه القضية هو هذه القطرية النتنة التي فاحت روائحها من جنبات المعركة ، والتي تورط فيها كتاب ومفكرون وعلماء ومشايخ ، وليس فقط أناس عاديون ربما كانوا يبحثون عن انتصار ما لبلدهم بالمعنى الذي يفهمونه.إنها تجربة مريرة من دون شك عشناها خلال الأسبوعين الماضيين ، وينبغي أن تلفت انتباه العلماء والقوى الحية في الأمة إلى خطورة القطرية التي صنعها الاستعمار وعززتها معظم الأنظمة خدمة لمصالحها الخاصة ، وبالطبع كي يبذلوا الجهود الرامية إلى الاعتبار لمفهوم الوحدة: وحدة الأمة ، إلى جانب حث الجماهير على الالتفات إلى القضايا الكبرى التي تعنيها ، من مواجهة للفساد والإفساد في الداخل إلى مواجهة العدو الخارجي الذي لا يسره شيء قدر أن يرى أمّة مقسمة متناحرة يُمسك بعضها برقاب بعض.ستكون معركة الكرة التي تابعناها مناسبة خيّرة إذا ساهمت في الدفع في الاتجاه الذي ذكرنا ، أما إذا واصلت المعركة جنونها بهذا الشكل أو ذاك ، فستكون الخسارة أكبر من دون شك.

حروب الكرة·· وحروب الكرامة!
بقلم : سعـد بوعقبة
الكرة تدحرجت للسياسة، لأن السياسة ضعيفة الأداء في البلدين الجزائر ومصر·· والسياسة تدحرجت نحو الكرة لأن أداء الكرة في البلدين ضعيف بالنظر إلى حجم البلدين في محيطهما الإقليمي والقاري!
صحافيو السياسة في البلدين معذورون حين تركوا الحديث عن السياسة وذهبوا للحديث عن الكرة·· لأن الحديث عن السياسة بالسياسة معرة وقلة أدب ومساس بالمصالح العليا لهذا البلد أو ذاك·· أو لنقل هو صيد في المياه العكرة للسلطة·· ينبغي أن يقمع بما هو مطلوب من العقاب!
وصحافيو الرياضة لم يجدوا الرياضة للحديث فيها فراحوا يتحدثون عن السياسة المكورة بلغة الحرب في بلدين ينتميان إلى أمة تُشن عليها الحروب في أكثر من مكان، وهي تدعو للسلام والاستسلام غير المشرف ولا تتحرج·· أمة عاجزة عن شن الحروب ضد الحروب الحقيقية فتقوم بشن الحروب الكروية للتنفيس عن الكبت الشعبي الذي تعيشه الأمة جراء التجرع المرّ للحروب وهي تدعو للاستسلام باسم السلام!
نعم عندما نعجز عن محاربة أعدائنا في الحروب الحقيقية نلجأ إلى محاربة أنفسنا بالحروب الكروية!
بالأمس فقط التقيت مع مجموعة من الصحافيين المصريين جاءوا لتقصي الحقائق حول الأخوة المصرية الجزائرية التي خدشتها حروب الكرة في المدة الأخيرة! وقرأت في عيونهم أشياء لم يفصحوا عنها، أو أن الحروب الكروية البائسة لم تسمح لهم بقول أي شيء عن هذه الأمور!
وأنا بدوري قمعت نفسي ولم أستطع أن أتحدث للأشقاء الصحافيين المصريين بقلب مفتوح!
كنت أتمنى أن أقول لهم بكل أخوة: لماذا لا نستبدل الحروب الكروية بين مصر والجزائر بالحروب ضد الفساد في البلدين، فيتحدث المصريون بشجاعة عن الفساد في الجزائر، ونتحدث نحن أيضا بشجاعة عن الفساد في مصر؟! ونكسر بذلك قاعدة السكوت المتبادل بين المفسدين في البلدين!
كم كنت أتمنى لو زرارنا الصحافيون المصريون الأشقاء في إطار آخر غير إطار الحروب الكروية الزائفة!
ألا تستحق الجزائر، الورشة في البناء، وقفة بعين فاحصة غير عين الصحافة الجزائرية في مسائل السياسة والتسيير للشأن العام؟! ماذا لو سلّط الصحافيون المصريون تجربتهم في مكافحة الفساد على تجربة البناء في الجزائر·· وسلط الجزائريون تجربتهم على تجربة البناء في مصر؟! أليس هذا أفضل للبلدين من حر وب الجلد المنفوخ؟!
هزيمة الجزائر من طرف مصر في الكرة لا تجعل الصحراء الجزائرية تنضب من الغاز والبترول! وهزيمة مصر من طرف الجزائر في الكرة لا تجعل نهر النيل يجف، بينما أخطار الفساد في تسيير الشأن العام في البلدين يمكن أن تلحق الأضرار بالبلدين بما هو أكبر من هذا!
هل معنى هذا أن الصحافة والصحافيين قد حادوا عن الأداء الجيد لرسالتهم النبيلة؟! بالتأكيد هذا هو الحاصل بالنظر إلى هذا الإنحراف الحاصل في موضوع من المفروض أن يكون متعة وليس مأساة·· كما هو حاصل الآن!
كم تمنيت أن أقول للأشقاء المصريين الذين جاءوا لتهدئة الأجواء في الجزائر: رسالتكم النبيلة هي تهدئة الأجواء في مصر الشقيقة وليس في الجزائر·· لأن الهيجان الذي قد يحدث في الجزائر أثناء المقابلة أو قبلها لن يؤثر على سير المقابلة، بينما الهيجان في مصر أثناء المقابلة هو الذي يؤثر على هذه المقابلة ويفرغها من طابعها الممتع ويحولها لا قدّر الله إلى مأساة! و منع ذلك هو رسالتكم أنتم نحو شعبكم مثلما هي رسالتنا أيضا! وعندما نعرف بأن مصر لعبت مع دول إفريقية أخرى ولم تكن لها أي مشكلة، بينما تحدث مثل هذه المشاكل عندما يتقابل البلدان·· فهذا يعني بالتأكيد أن هناك خللا في الأداء الإعلامي لإعلاميي البلدين! ويجب أن تكون للبلدين الشجاعة الكاملة لتشخيص  الأسباب الحقيقية وليست المفتعلة التي أدت إلى هذا التشنج· وعلينا أن نجيب بشجاعة عن السؤال: أين هو الخلل في علاقة البلدين؟! هل الخلل يكمن في العلاقات السياسية والدبلوماسية ووسائل ممارستها؟! أم يكمن في العلاقات الإعلامية وأساليب ممارستها؟! أم يكمن هذا الخلل في التركيبة النفسية لكل شعب من شعبي البلدين نحو الشعب الآخر؟!
ينبغي أن نعترف بشجاعة أن هناك مشكلة في علاقة البلدين ببعهضما، وليست الكرة وخلافاتها ومشاحناتها إلا السبب المباشر في هذه المشكلة! وينبغي أن نجعل من حادثة أزمة الكرة بين البلدين أرضية حقيقية لمراجعة كل بلد لنفسه في علاقاته مع البلد الآخر··
وأعتقد أن تغطية ما حصل وما يحصل بسبب مباراة لكرة القدم بالمراهم الناعمة التي يكتبها الإعلاميون ويصرح بها  السياسيون في البلدين، يمكن أن تخفي المشكلة إلى حين ولكنها لا تعالج أبدا هذا الوضع الشاذ من جذوره·· والحل هو معالجة أسبابه وليس نتائجه!



الفريق الرياضي "غير الوطني"!
بقلم :د/عبد العالي رزاقي

هل يستطيع الفريق الوطني الجزائري أو الفريق الوطني المصري أن يحافظ على صفة "الفريق الوطني" إذا لم يتأهل للمونديال في مباراة 14 نوفمبر الجاري بالقاهرة؟

وماذا سيكون رد فعل جمهور هذا الفريق أو ذاك في حال عدم الفوز بالتأشيرة للمشاركة في كأس العالم؟ وما هي تداعيات الموقف الرسمي من "الهزيمة"؟ وهل يمكن لـ 90 دقيقة أن تغيّر مجرى تاريخ شعبين وحدتهما ثورة أول نوفمبر 1994 وانتصار 10 أكتوبر 1973 والهزائم العربية المشتركة؟

 أسئلة كثيرة قد تتبادر إلى ذهن كل من يتابع وسائل الإعلام في البلدين؟


دون كيشوت "حرام عليكم حلال علينا"!
وزير في حكومة أحمد أويحيى يقول بأن "أطراف خفية في كل من الجزائر ومصر تريد جرّ البلدين إلى توتر سياسي" وكأنه يريد الإقرار بواقع لا وجود له، خاصة وأن الإعلان عن ميلاد "يتيمات جديدة" يؤكد بأن السلطة في الجزائر بعيدة عن انشغالات الشارع الجزائري، عكس السلطة المصرية التي وفرت الجوّ لـ "القنابل الفضائية"، لكن كلا السلطتين لا تضعان حسابا لتداعيات ما بعد المقابلة.

الوفد الإعلامي الدبلوماسي المصري قام بدور مهم في تفعيل العلاقة بين الصحافة الجزائرية والمصرية، بعد أن قامت "الشروق" بمبادرات سابقة، فالاهتمام المشترك بين رجال الإعلام في البلدين، خارج مظلة السلطة، ربما تكون له نتائج إيجابية أكثر من الخطاب الرسمي في البلدين.

 لقد استطاعت "القنوات الفضائية العربية" في مصر والخليج أن تدغدغ عواطف وأحاسيس الجمهور الرياضي ءوغير الرياضيء في البلدين، لتحيي فيه نعرة "الجاهلية" وأعادت إلى الأذهان الحروب المارطونية العربية مثل "داحس والغبراء" عند "عبدة الأدب الجاهلي" وحرب "طراودة" عند "عبدة فيكتور ريغو" أو الأدب الفرنسي.

ولو كان يدرك الجغرافي الفرنسي أونيسم ريكلو مبتكر الفكر الفرنكوفوني عام 1889م بأن "الفرنكوفونية التي أرادها أداة لتنحية اللغة العربية والديانة الإسلامية معا" قد عجزت عن تعبئة المصريين والجزائريين لحروب كلامية، بهدف تقليص البعد العربي الإسلامي في البلدين، لما اختار لفكرته الفرنسية لغة لاستئصال الآخر، وترك الأمر مفتوحا لأية لغة أخرى.
ولو كان كمال أتاتورك يدرك بأن "تشكراته" واستئصال التراث العربي لا يحقق له ما تحققه الرياضة لجمهورها لحوّلها إلى "دين" أو "معتقد"، عوض "اللائكية" لأنها ربما تلحق تركيا بأوروبا في كؤوس العالم الرياضية.

ما نشاهده، حتى الآن، في وسائل الإعلام من "تضليل إعلامي" يكشف عن حروب ردة جديدة، فبعد فشل مدافع نابليون في حماية "كليبر" من خناجر المقاومة المصرية، فشلت "قنابل الفضائيات العربية" في زعزعة إيمان المصريين والجزائريين بأن "الحرب" بين الأقدام لن ترقى إلى مستوى الحرب بين رجال الفكر والثقافة، فأسماء "المعلقين" في القنوات الفضائية لا تختلف كثيرا عن أسماء الكثير من أعضاء اتحاد الكتاب الذين دخلوا أكثر من مرة لمصر وخرجوا منها ولا أحد من المصريين يتذكرهم، لأنهم أسماء نكرة في الجزائر فكانوا نكرة في مصر، مثلما هو الحال بالنسبة للأقلام والأصوات التي دخلت إلى الجزائر عبر القنوات العربية أو عبر "المنتديات الإلكترونية" لم تغير منا قيد أنملة، بل نجهلها مثلما يجهلها المصريون.

صحيح أن "المعركة غير متكافئة" ءكما يرى البعضء ولكن السلاح المستخدم فيها واحد وهو "البذاءة" و"قلة الأدب"، فهل يستطيع دون كيشوت "الهزائم العربية أن يضرب العروبة والإسلام في البلدين بالميكرفون؟ وهل تستطيع "الدكادين الرياضية الإعلامية" أن تبيع الماء في حارة السقائين؟

حرام عليكم أن تفتعلوا حربا وهمية بعد أن انهزمنا سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعسكريا، وتذكروا "الوعد الحق" للشيخ نصر الله، فالضحية لن يكون "الأمل" وإنما من يقفون ضده، أوليس من حق الجمهور الرياضي أن يحلم بانتصار حقيقي قد يكون جزائريا أو مصريا، ولكنه سيأتي يوم يكون فيه الفريق من رياضيين من جميع أقطارنا العربية أو على الأقل، في خطوة أولى بين قلب المغرب العربي وقلب المشرق العربي.

تسعون دقيقة كافية لانهيار القصور المبنية على الرمال، وكافية لذوبان كتلة "الثلج الأسود" التي جمعتها "أقلام وألسنة" السوء في الوطن العربي.

خذوا العبرة من الصّحاف!
يبدو لي أن الـ 60 سنة من الهزائم والانتكاسات العربية لم تغير من لهجة "المذيع العربي" بدأ من المذيع العراقي يونسي البحري، مرورا بالمذيع المصري أحمد سعيد، إلى الوزير عمر سعيد الصحاف، فصفة "الزعيم الأوحد" أطلقها يونسي البحري على هتلر عبر الإذاعة الألمانية، وارتبط اسم يونس بإذاعته البيان رقم (1) لانقلاب عسكري في العراق عام 1936، ومع ذلك فقد كانت له الفرصة لأن يتزوج بأكثر من 70 امرأة لأنه "المذيع الرحالة" الوحيدة في الوطن العربي.

ومثلما لمع اسم يونس البحري في الإذاعات العربية والأجنبية، سطح اسم أحمد سعيد الذي أدار "إذاعة صوت العرب"، وحوّل بعض الهزائم إلى انتصارات صوتية.. وهكذا ظهرت "الهزائم والانتصارات"، وتحول العرب إلى "ظاهرة صوتية" كما يقول أحد السفراء العرب في لندن، ومع ذلك فيونس البحري وأحمد سعيد كانت لهما "قضية ومعركة" خاضها كل واحد بطريقته، وانتصر فيها بأنه سجل اسمه في تاريخ "الأدب الإذاعي"، أما من امتطوا المقابلات بين مصر والجزائر فإنهم خاضوا حربا لم تتجاوز الـ 90 دقيقة المنهزم فيها منتصر عند الآخر، والمنتصر منهزم عند الآخر.. لأن الفريق الرياضي الذي يمثلنا في كأس العالم سنشجعه ونتحمس لأنه، لأنه سيحمل مشاعر المهزومين إلى عالم "الانتصارات".

 يرى صاحبا كتاب (الصحاف: الشبح ء الأسطورة) بأن "أحمد سعيد أضر بالوحدة العربية والتضامن العربي" وهو رأي يجانب الصواب، لأنه لولا أحمد سعيد لما كانت لنا إذاعات ولا مذيون.

 يونس البحري وأحمد سعيد قدوتنا في توحيد الشعوب، لأننا تعلمنا منهما "الحرب الألمانية" و"الدعاية" و"التضليل الإعلامي"، ولم نتعلمه من أعدائنا.

 أما من يوظفون هذا "التضليل" في التقليل من شأن محمد سعيد الصحاف، لأنه قاد حربا إعلامية كان "مستمعها الأول" الرئيس بوش، فهؤلاء هم الذين جاؤونا فوق "الدبابات الأمريكية"، ويقودون حروبا ضد "العقل العربي" بتحويل الاحتلال إلى تحرير، وتحويل "الرياضة" إلى "ساحة وغى"..
 
ألا يكفينا أن الموظفين السامين يقومون بحروب وهمية لتضليل الرأي العام الداخلي، ليتفرغ من يقف خلفهم للفساد.. وزير التربية، في حكومتنا، يتهم المدير العام للوظيف العمومي بأنه يعرقل "تشغيل الشباب" والمدير العام يتهم الوزير بتورط إطارات قطاعه في "تزوير كبير" ولا يحرك أحد ساكنا.

والإعلام الجزائري منشغل بـ (الحرب الكلامية) دفاعا عن فريقه في الوقت الذي يتحرك فيه وزراء لدعم تزوير الفكر والثقافة والأدب في الجزائر، بإضفاء شرعية على اتحاد دخل في "الفساد المالي والأخلاقي" مثل بقية المؤسسات.

مستقبل الآخر
إذا، لا قدر الله، لم يأخذ الفريق الوطني الجزائري تأشيرة التأهل لكأس العالم، سيقول عنه المتعصبون الإعلاميون بأنه "من جنسيات أخرى" وربما تلصق به كل التهم، بحيث يجرّد من وطنيته بالرغم من أن الوطنية، حسب المفكر الصيني ماو تسي تونغ هي "آخر ملجأ للصوص والخونة وأعداء الثورة".

 وإذا، لا قدر الله، لم يأخذ الفريق المصري تأشيرة التأهل، سيقول عنه المتعصبون في مصر، إنهم "شاخوا" وهذه نتائج "الشيخوخة"، وربما يتهمون بأنهم ليسوا وطنيين، وإنما هم من جيل "الإنجليز".

والكل يدرك أن للصدفة دورا مهما في الرياضة، لأنه في بلداننا لم توظف سياسيا، كما وظفت في عهد الثنائية القطبية لتغليب الفكر الاشتراكي على الفكر الليبرالي ممثلا في الصراع بين "الألمانيتين" اللتين وحدهما سقوط جدار برلين وليست الرياضة، أو توظف حضاريا مثلما فعلت الصين في الألمبياد الأخير.

أعتقد جازما بأن مباراة الجزائر ومصر بالقاهرة إذا لم تتحول إلى عرس سيدفع ثمنها النظامان السياسيان، لأنهما يريدانها خدمة لأغراض سياسية ضيقة.

وإذا تحولت إلى عرس فمن الطبيعي ألا يخلو الفرح من الشغب، فليكن فرحنا بـ "الروح الرياضية" حتى نلقن درسا للآخرين، بأن مصر والجزائر تمثلان ثقلا عربيا لا بد منه..  وللحديث بقية.



عندما يتحرك عظماء السكوت الأعظم ؟!
بقلم : سعد بوعقبة
 أعجبني تحرك التاريخيين في ثورة الجزائر لاسترجاع جبهة التحرير من الإنتهازيين والإمعيين وصيادي الفرص·· ! ثم وضعها في المتحف كما يقولون··!
ولسنا ندري من هم هؤلاء التاريخيون الذين تحركوا بعد خراب الجزائر بواسطة الجبهة المخطوفة منذ 50 سنة؟! وهل يعقل أن يسترجع هؤلاء جبهة أصبحت صالحة لأن ترمى في نفايات أولاد فايت أوالسمار، وليس وضعها في متحف رياض الفتح أو حتى متحف الباردو؟!
ولو قال هؤلاء إنهم يريدون استرجاع فرنسا للجزائر لتفهّمناهم.. مادام الشباب اليوم في ظل حكم الجبهة المصادرة يرمي نفسه في البحر من أجل أن يصل إلى فرنسا·· جنة الجزائريين المفقودة··!
ثم ماذا سيسترجع هؤلاء من الجبهة؟! هل سيسترجعون نظامها السياسي البالي الذي أصحبت تعشش فيه ''طباث' الفساد والرشوة والجهوية وسوء التدبير؟! أم سيسترجعون جهازها القوي في تزوير الجهاد والمجاهدين وتزوير الإنتخابات وتزوير النضال·· ووصل الأمر إلى حد تزوير الدين والتاريخ وتزوير الأخلاق؟!
أم سيسترجع هؤلاء بعض عرائس الفرافوز السياسي الذين أصبحوا من ثوابت الهزال السياسي في البلد··! وأصبحوا مضحكة وطنية كلما جاءت مناسبة انتخابية··! أو لنقل مناسبة لتزوير انتخابات··!
يا أيها التاريخيون إذا أردتم أن تسترجعوا الأفلان·· فلا بد أن نحاسبكم أولا عن بيعها أوالتنازل عنها للمفسدين والإنتهازيين والمزورين··!
الأفلان في ذهن ووجدان الشعب الجزائري هي المقابر المشيدة في المدن والقرى للشهداء الذين عرفوا والذين لم يعرفوا·· وهي المنح المقدمة لأرامل وأبناء الشهداء والمجاهدين··! وليست قسمات الفساد وبلديات النهب وولايات الرشوة وحكومات سوء التسيير، ومكتب سياسي ولجنة مركزية للرداءة السياسية وغير السياسية؟!
اعلموا أيها التاريخيون العظماء الذين انتبهوا بعد 50 سنة من السبات أن الإستقلال الذي سيرته الجبهة المخطوفة من الشعب أوسير باسمها أصبح عنوانا لنكبة وطنية لدى العديد من قطاعات واسعة في الشباب··! وأن الجبهة التي تريدون استرجاعها أصبحت بعد50 سنة رمزا أسوأ من نظام الكولون··!
الجبهة يا عظماء التاريخ كانت تجذع أنف من يخالف أوامرها وبأخذ رفعة ''شمة'' في أنفه·· وأصبحت اليوم تشارك بالحكم وبالسكوت وبالتواطؤ مع الذين سرقوا كعبد المؤمن خليفة وعاشور عبد الرحمن·· وتبارك أمثالهم في دواليب الدولة··! وتقاسمهم غنائم الفساد جهارا نهارا!
الجبهة المخطوفة يا عظماء التاريخ خطفت منكم عندما كان المجاهد الواحد المناضل في صفوفها يصرف بألف حركي وخائن، وهي اليوم بعد 50 سنة من الحكم بها أو الحكم معها أو الحكم لها··! أصبح ألف مجاهد من مناضليها يصرفون بحركي واحد في أجهزة الحكم أو في فرنسا··! وإذا أردتم أن تعرفوا الحقيقة فأنزلوا قياديا من جبهة التحرير المصادرة إلى قرية من قرى الجزائر العميقة واتركوا حركيا من فرنسا ينزل معه وستعرفون قيمة ما تريدون استرجاعه عند الشعب؟!
الشعب الآن أصبح على قناعة تامة بمسح كل النظام الذي شيد باسم الجبهة المخطوفة بمظالمه وفساده ورداءته··! فهل يسمح لكم سنكم أن تنجزوا هذه المهمة يا رجال التاريخ؟! أم أنكم تبحثون فقط عن عنوان تختبئون تحته حتى يقضي الله أمره فيكم وفي الناس؟!
إذا أردتم أن تخلّصوا الجزائر مما هي فيه·· فخلصوها من الأخطبوط الفسادي في كل شيء، والذي شيد على حساب الجبهة أو بالتواطؤ معها أو بمباركتها، وأصبح الوطن في ظل هذا الوضع أشبه بالمحتل بلا احتلال··!
لقد أصبح الشباب في جزائر الجبهة التي تريدون استرجاعها، أشبه بشباب الخمسينيات والأربعينيات في علاقته بالكولون، لقد أصبحت المؤسسات التي يقال إنها دستورية تشبه مؤسسات جماعة بني وي وي·· مع فارق بسيط وهو أن جماعة بني وي وي لا تشبه جماعة بني ''هَم هَم'' الآن··!
لقد أصبح الشباب اليوم يتحدث عن جماعة (22) جديدة وعن جماعة (9) وعن جماعة الـ (6)··! بعد أن أصبحت كل الطرق مقطوعة تماما مثلما كان الوضع عام 1953 !
لقد أصبح الفساد يرقص في الشارع جهارا نهارا وأصبحت الرشوة تزّمر له·· وأصبحت الجهوية تضرب له البندير··!
وفي مثل هذا الجو من  يتحدث عن استرجاع من ؟! يا سادة يا عظماء السكوت الأعظم؟!



الصحة في الكوما··!
بقلم : سعد بوعقبة

يقال: ''إن من أحبه الله لا يجعله يمرض في الجزائز'! لأن المرض في الجزائر معناه الموت المحقق بسبب سوء حالة المؤسسات الصحية!
فالفرنسيون يطلقون على أحسن مستشفى في الجزائر، وهو مستشفى عين النعجة، تسمية المركز الصحي لعين النعجة المخصص للعلاج الأولي لجماعة (VىP) في السلطة الجزائرية قبل تحويلهم إلى المستشفيات الفرنسية للعلاج الحقيقي! فيما يسمى بالعلاج المجاني في الخارج!
وإذا كان أحسن مستشفى في الجزائر يوصف بأنه مركز صحي للعلاج الأولي·· فكيف يكون حال المستشفيات الأخرى التي يقوم البق فيها بغلق بعض فروعها، كما حدث في مستشفى مصطفى باشا مؤخرا بمصلحة طب العيون ونقلت ذلك بعض الصحف!
في البلدان الأخرى تقوم مستشفيات القطاع العام بالتدخل عندما تعجز مؤسسات القطاع الخاص عن التكفل بالمريض، لكن عندنا يحدث العكس·· عندما تعجز المؤسسات الصحية العامة عن التكفل بالمريض (وهي عاجزة دائما) يحال المريض إلى القطاع الخاص لكتم أنفاسه!
وزير الصحة، بعدما أحدث أزمة في قطاع الفلاحة وأوصل سعر البطاطا إلى سعر التفاح وسعر التفاح إلى سعر اللحم وأوصل سعر اللحم إلى سعر الكافيار بواسطة سياسته الرشيدة، بعدما حدث ذلك تم تحويله إلى الصحة·. فاشترى 65 مليون لقاح لأنفلونزا الخنازير، والجزائر لا تحتاج إلا لربع هذا الرقم في أهم كارثة يمكن أن تلم بها· وفعل ذلك الوزير لأنه لا يعرف غير الشراء! ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون! في حين لم يقل لنا لماذا الجزائر كلها ليس بها سوى مركز واحد لتحاليل كشف المرض!
بعض المعلومات تقول: إن ربع عدد الأطفال الذين يولدون في الجزائر بواسطة العمليات القيصرية يولدون بعاهات تتسبب فيها العمليات القيصرية التي تجرى خارج القواعد الصحية!·
والحمد لله بعد أن تمت عمليات سوء التغذية للجزائريين، ها هي إنجازات سوء التكفل الصحي بالمواطنين تتطوربسرعة


كتاب القاعة البيضاوية ..؟
بقلم : محمد لعقاب

حسب جريدة الخبر الصادرة أمس فإن المعرض الدولي للكتاب لهذه السنة سوف يقام بالقاعة البيضاوية بالحي الأولمبي محمد بوضياف ، وقد خلّف هذا القرار مجموعة من التساؤلات عن جدوى تخلي وزارة الثقافة عن إقامة المعرض الدولي للكتاب بقصر المعارض ونقله لقاعة اشتهرت بتنظيم الحفلات ؟

وبعيدا عن حرب داحس والغبراء بين المعارضين والمؤيدين للقرار، فإن السؤال فعلا جديـر بالطرح ما جدوى تحويـل مكان إقامة المعرض الدولي للكتاب إلى قاعة " الحفلات " ؟

إن قصر المعارض مجهز خصيصا لإقامة المعارض المختلفة، تلك هي وظيفته، وقد تعود الناس جميعا عليه ، وبه أمكنة واسعة وكافية فضلا عن مرافق أخرى كأمكنة توقف السيارات وخدمات أخرى، فهل أصبح قصر المعارض عاجزا عن احتضان المعارض المختلفة ؟ أم أن قيمة الكتاب نزلت – بالتوازي مع نزول درجة المقروءية ء إلى درجة لا يستطيع قصر المعارض استيعابها ؟ ولم يعد يليق بها سوى القاعة البيضاوية ؟ وهل إذا استمرت المقروءية في التراجع سيتم تنظيم المعرض القادم للكتاب في قاعة حفلات في أحد الأحياء الشعبية ؟

كيف يتم توفير الخدمات الأساسية لزوار المعرض القادم ؟ هل سيتم استقدام " شاحنات " بيع الساندويتش مثملا يحدث خلال مباريات " الداربي " في كرة القدم ؟ أم سيتم توفير بائعي " المحاجب " مثلما يحدث في الشواطئ والأسواق ؟

من جهة أخرى هل العرض في قصر المعارض مكلف أكثر من العرض في القاعة البيضاوية ؟ والملاحظ أن المعرض الدولي للكتاب أصبح " محل فتنة " بين الناشرين والوزارة. فهم يتساءلون عن سر تكليف رئيس نقابة الناشرين مشرفا على المعرض بعد الإطاحة به من نقابة الناشرين ؟ هل انتصارا له ضد نظرائه أم أنه هناك حسابات أخرى بين المعيّن بكسر الياء والمعيّن بفتحها ؟

وهناك أسئلة عديدة تطرح بشأن هذا القرار، وهي شرعية لأهل الثقافة والاختصاص. أنا لا يعنيني شيئ منها ، لكنني أتمنى فقط أن لا يتم إلغاء المعرض الدولي للكتاب أصلا، بعد العديد من الشوائب التي شهدها على مر السنين وجعلت العديد من النشارين خاصة العرب يتراجعون، وحدث لدولة عربية أن تركت " كل كتبها " في الجزائر بعد انتهاء المعرض قبل أن تسترجعها السفارة وتقوم بتوزيعها على بعض المكتبات والجمعيات.




عن أي تاريخ يتحدثون؟!
بقلم : سعد بوعقبة
نحن في حاجة إلى عيد للنصر في19 مارس·! وفي حاجة إلى عيد للاستقلال في 5 جويلية أو3 جويلية أو حتى في14 جويلية أو 8 ماي،.1945 لا يهم··! ولا يهم··! ونحن في حاجة إلى عيد للجمهورية سواء كان ذلك في19 سبتمبر أو في اليوم الذي استسلم فيه الداي أو في اليوم الذي وافق فيه الشعب الجزائري على أول دستور للجمهورية··! أوفي اليوم الذي وافق فيه النواب على آخر تعديل للدستور أو في19 جوان 65 أو في  28 دسيمبر،.78 أو في 5 أكتوبر .1988 أو في11 جانفي  ،.1992! أو في26 ديسمبر.1991
كل هذا غير مهم··! المهم هو أن الجمهورية والنصر والاستقلال أسماء ما تزال أمنيات لدى الجزائري العادي والجزائري غير العادي··!
الإستقلال عمن؟! والشباب الجزائري يلقي بنفسه في البحر من أجل أن يلحق بالذين رمى بهم أجداده في البحر من أجل الاستقلال··!
والنصر عمن؟! والشباب الجزائري يتظاهر ويحرق العجلات ويحطم كل مما يرمز لمن يعتبرهم أسوأ من الذين طردهم أجداده إلى ما وراء البحر···!
وجمورية ماذا؟ جمهورية '' طاف على من طاڤ' وجمهورية الفساد·· وجمهورية التوازن الجهوي في السرقة؟! أم جمهورية تزوير الإنتخابات وتزوير المسؤولين!
يتحدث المتحدثون عن التاريخ المزور ويريدون تصحيحه ولا يتحدثون أبدا عن الحكم المزور منذ 50 سنة، وأدى إلى هذا التزوير الواسع لكل شيء··!
نعم، التاريخ قد يحتاج إلى تصحيح·· ولكن الذي يحتاج إلى تصحيح قبل هذا هو حال الجمهورية الغائبة·· وحال النصر المعلق·· وحال الإستقلال المُصادر؟! هذا هو الموضوع··!



ليلة القدر والبطانة الصالحة؟!
بقلم : سعـد بوعقبة
عندما قال الداعية في حفل ليلة القدر الذي حضره الرئيس ''اللهم أرزق ولي أمرنا البطانة الصالحة'' نقلت لنا كاميرا التلفزة صورة الرئيس وهو يهز رأسه! وفي نفس الوقت نقلت لنا صورة جزء من البطانة التي رافقته إلى هذا الحفل وهي تطأطئ رؤوسها!
الملاحظ أن البطانة الفاعلة عند الرئيس لم تحضر هذا الحفل! وحضرت فقط البطانة التي يهمها أن ترى الرئيس في هذه المناسبة لأنه بالنسبة إليهم هو ليلة القدر نفسها! من رآه يكون قد رأى ليلة القدر! خاصة وأن الحديث يجري حول تغييرات عاصفة تكون قد بدأت تتبلور في الأفق!
الرئيس بدا في هذا الحفل يرتدي ''جلابة'' سوداء! وظهر وكأنه الكعبة المشرفة وما حوله غرابيب بيض يطوفون حوله!
المشاهد لاحظ بجلاء من خلال الكاميرا أن الرئيس غير راض عن ترتيبات هذا الحفل! ولكن ''الكرفي'' البروتوكولي جعله يلتزم واجب التحفظ· حتى تنتهي وقائع الحفل إلى منتهاها! ثم قد يكون له بعد ذلك مع المنظمين حديث آخر قد لا تحمله لنا الكاميرا! كما أظهرت لنا البطانة!
فلا يعقل مثلا أن يكون عدد المكرمين من الطلاب والمتسابقين نصف عدد المكرمين من أعضاء لجان التحكيم! وهل يعقل أن يتحول الحفل من تكريم لحفظة القرآن إلى تكريم للجان التي أشرفت على العملية! فقد كرم الرئيس أربعة متسابقين في حين كرم ثمانية من أعضاء من اللجان التي أشرفت على العملية! وقد ظهر عدم رضا الرئيس على العملية واضحا من خلال ما عكسته لنا الكاميرا! وما خفي كان أعظم!
لكن البطانة الطالحة وليس الصالحة لم تلاحظ ما لاحظه الرئيس في هذا الأمر! حتى أن الذي قرأ أسماء المكرمين أعطى لنفسه أيضا جائزة؟!
لكن القطرة التي أفاضت الكأس هي الإتيان باثنين من الفائزين لتكريم الرئيس! وقد لاحظ الجميع عبر الكاميرا انزعاج الرئيس وكأنه يقول للجهة التي اشترت الجائزة وسلمتها لهما ليقدماها إلى الرئيس: ''جائزتي يا بطانة هي أن تنجزوا مسابقة جيدة النتائج وليس مسابقة تكرم الفائزين !

لذلك فإن الدعاء " اللهم ارزق الرئيس البطانة الصالحة كان في محله !



هكذا كنا·· وهكذا أصبحنا؟
بقلم : سعـد بوعقبة

يقال إن الطاحونة الهوائية إذا لم تجد ما تطحنه تقوم بطحن نفسها··! قد ينطبق هذا المثل على أجهزة الدولة في الجزائر التي باتت تتآمر على بعضها البعض، حسب تصريحات تونسي؟!
في السابق كانت أجهزة الأمن المختلفة تختلف مع الإدارة·· وكانت الإدارة تختلف مع الحزب·· وكانت العدالة تختلف مع الإدارة ومع الأمن أحيانا ومع الحزب أحيانا أخرى··! وكنا نرى في خلافات الأجهزة هذه مسألة طبيعية تعوض الديمقراطية الغائبة في الحياة السياسية للبلاد··!
لكن اليوم عندما نسمع أن جهاز أمن تعرض إلى مؤامرة داخلية وأحبطها بكفاءة كما قال مديره العام·· عندما نسمع ذلك نمسك البطون من الخوف على ما آل إليه الوضع في البلاد··!
منذ ربع قرن تقريبا دخلتُ مكتب المرحوم محمد شريف مساعدية، وكان يشغل منصب مسؤول الأمانة الدائمة للحزب، وهو المنصب رقم 2 في الدولة الجزائرية آنذاك·· وعندما كنت في مصلحة تشريفات هذا المسؤول لاحظت خروج أحد المحافظين المهمين في الحزب بولاية مهمة وهو يكاد ينفجر غيظا··! وعندما دخلت مكتب مساعدية وجدته هو الآخر يدخن غيظا مثل قطار الفحم السوق أهراسي في الأربعينيات··! ودفعني الفضول الصحفي أن أحشر أنفي في أسرار الدولة العليا وأسأل مساعدية عن سبب غضب المحافظ ··! رغم أنه استدعاني ليلومني بخصوص مقال كتبته حول نواب البرلمان المنتخب حديثا آنذاك، قلت فيه : هؤلاء سفراء الأمة إلى مركز التسمين السياسي في نزل السفير··! فاغتنم المرحوم مساعدية فرصة حشر أنفي في ما لا يعنيني من الأمور العليا للدولة وقال لي: أنت والجدارمية واش عندكم ضد الحزب والبرلمان؟! ورمى إلي بصورة سلمها له المحافظ الخارج من عنده غاضبا·· كانت الصورة فيها صورة دركي برتبة مساعد يجلس إلى جانب أحد أعيان الولاية التي يشتغل فيها المحافظ الغاضب محافظا للحزب، وكان الدركي ينهش بيديه الإثنتين ظهر خروف مشوي··! وضع فوق صينية كبيرة أمامه··! وقال مساعدية هذا الدركي كتب تقريرا أسودا في حق سي فلان(يقصد المحافظ الغاضب) بناء على معلومات كاذبة زوده بها صاحب هذا الخروف المشوي··! ثم أردف يقول: وعندما تقيم القيادة السياسية للبلاد بواسطة سراجن المشوي كما ترى فلا لوم على الصحافيين أمثالك من أن يكتبوا ما كتبت ضد المؤسسة التشريعية؟!
وأحسست حينها بالخطأ الذي ارتكبته حين حاولت استغلال علاقتي الخاصة بمساعدية وحشرت أنفي فيما لا يعنيني·· فأردت أن ألطف الجو فقلت له: هذا يعني أن النظام السياسي عندنا يضع القيادة تحت رقابة شديدة للقاعدة··! فالسرجان في الدرك يمكنه أن يقيم عضو القيادة السياسية العليا للبلاد وهي اللجنة المركزية··! فقال لي رحمه الله : والله لو أعرف أن ما تقوله هو قناعة عندك لحولت هذه الرسالة لوزارة الإعلام، ورمى لي بالرسالة لأقرأها· كانت الرسالة عبارة عن التماس مجموعة من النواب بالبرلمان من الحزب بأن يسمح لهم بمراسلة وزارة الإعلام لأجل الترخيص لهم بمتابعتي قضائيا بخصوص محتوى المقال المذكور أعلاه··لأن قانون الإعلام كانت فيه مادة لا تسمح بمتابعة الصحفي قضائيا إلا بموافقة وزارة الإعلام··! وبطبيعة الحال لم يوافق مساعدية على الرسالة وحفظ الموضوع·
تذكرت هذه الحادثة حيث قرأت ما قاله تونسي من أن إطارات في مصلحته أحيلت على العدالة (ظلما) كما يقول وعوقبت ثم أعيد لها الإعتبار·· وقيدت القضية المؤامرة هذه ضد مجهول·· وللقارئ أن يقارن كيف كانت تعمل أجهزة الدولة وكيف أصبحت تعمل اليوم؟!
في سنة 6891 قرر وزير الإعلام بشير رويس، أطال الله عمره، إصدار بطاقة وطنية للصحافي·· وصدر المرسوم الذي يحدد الجهة التي تصدر تلك البطاقة·· وكانت وزارة الإعلام والداخلية· ويذكر المرسوم أن بطاقة الصحفي تسلم له بعد إجراء تحقيق أمني تماما مثلما يجري التحقيق للإطارات التي تعين بمرسوم··!
وحدث أن كنت بين قائمة الصحافيين الذين تخضع أسماؤهم للتحقيق الأمني! وذهب ''لاسورطية'' إلى المرحومة أمي في جبال زردازة ليسألوها عن مثالبي وما أكون قد فعلته وخفي عن الدولة··!
وفي عرفنا الشعبي ومن خلال علاقتنا بالسلطة، فإن من تبحث عنه الشرطة وخاصة ''لاسورطية'' أمره ميؤوس منه··!
وباتت الوالدة ليلة بيضاء تفكر فيما قد أكون فعلته من جرائم أدت إلى أن تبحث عني الشرطة··! واتصلوا بي هاتفيا وهالني الأمر··! ورحت بدوري أبحث عن السبب·· وعرفت أن الأمر يتعلق بتحقيق حول البطاقة الوطنية للصحفي··!
وعندما سلمت لنا بطاقة الصحفي في حفل رسمي أقيم بقصر الأمم آنذاك، وترأسه المرحوم مساعدية صحبة وزير الإعلام رويس ووزير الداخلية الهادي خذيري·· قلت لسي الهادي أطال الله عمره: لماذا ترسل '' لاسورطية'' إلى أمي في زردازة وأنا خرجت من هناك وعمري 71 سنة، فالتحقيق كان من الواجب أن يجرى هنا في العاصمة·· لأن المصائب التي قد أكون ارتكبتها تمت في العاصمة وليس في زردازة··؟!
ضحك سي الهادي وقال لي: حكاية الخوف من ''لاسورطية'' موجودة في وجدان كل الشعب الجزائري·· وأنا شخصيا عندما أذهب إلى تبسة أتجنب السير في الشارع الذي فيه محافظة الشرطة بسبب الرهبة رغم أنني مدير للأمن أوحتى وأنا وزير للداخلية··!
وعندما سمع الوزير رويس بما حدث، قال لي: أنت من المفروض أن لا تعطى لك بطاقة الصحفي·· لأن ما تكتبه يتطلب سحب بطاقة التعريف منك وليس إعطاءك بطاقة الصحفي··! فقلت له: أنا كصحفي أطمح لأن أُعرف بالإضافة إلى القلم الذي أحمله·· ولا أُعرف بالإضافة إلى البطاقة التي تمنحها لي الوزارة··!
هكذا كنا نناقش الوزراء فيما يقولونه·
واليوم أصبحنا نخاف حتى من طلب توضيحات عن الغموض الذي يلف تصريحات تونسي؟!



عائلة الحاج لحمر؟!
بقلم : سعد بوعقبة

 صيغة التداول على السلطة بين الآفة والأرندي لا تشبهها سوى صيغة تداول ''عائلة الجمعي'' والحاج لخضر على القنوات التلفزية الواحدة في الواقع والمتعددة نظريا! ''جمعي'' تشتريه القناة الأرضية في الجزء الأول من رمضان وتشتريه ''كنال آلجيري'' في الجزء الثاني من رمضان! ونفس الصورة تتكرر مع الحاج لخضر الذي تشتريه كنال آلجيري في الجزء الأول من رمضان وتشتريه التلفزة الجزائرية في الجزء الثاني!
تداول المسلسلات الهابطة على التلفزة المتعددة يشبه تداول الأحزاب المذكورة أعلاه على خزينة الدولة··!
بيونة على تعاستها الثقافية، وجهت أهم نقد لمسلسل الحاج لخضر حين قالت: إن أسواق الجزائر كما يطرحها الحاج لخضر تشبه بالفعل أسواق الجزائر قبل ربع قرن!
أسواق الجزائر اليوم تختلف بمشاكلها النوعية عن مشاكل سوق الحاج لخضر··حتى في''الفندورة والشاش''··!
وماذا لو أن الحاج كولومبو أنجز لنا مسلسلا تحت عنوان سوق تلفزة الحاج كولومبو·· وسلط لنا الضوء على ما يحدث في خزينة التلفزة المتعددة القنوات والموحدة في التعامل مع أشباه المنتجين؟!
ماذا لو عرفنا بكم تشترى الحلقة الواحدة من مسلسلات الرداءة التي تتداول على القنوات العديدة ذات المحتوى الواحد؟!
وماذا لو عرفنا بكم تنجز الحلقة الواحدة من هذه المسلسلات التي يشارك فيها حتى البوابون لأجل خفض التكاليف؟! من غرائب الأمور أن قنوات المؤسسة الواحدة التلفزية تتنافس على اقتناء المسلسل الواحد وبثه عدة مرات والهدف ليس إمتاع المشاهد·· بل الهدف رفع تعدد فاتورات شراء المسلسل الواحد! وهي حالة لا تحدث إلا في تلفزة الجزائر··!
تعددية قنوات التلفزة في الجزائر هدفها صرف المال العام بواسطة تعدد تداول الرداءة على الشاشات·· تماما مثلما يتعدد نواب الآفة والأرندي في البرلمان والحكومة وهما وجهان لعملة انتخابية واحدة··!
التلفزة ذات القنوات الأربعة تبرر صرفها لأموال طائلة بأنها تضمن التعدد··! وهي بالفعل تضمن التعدد في الوصول إلى خزينة الدولة لأكثر من مرة، ولكن بمنتوج واحد؟! هذا هو التطبيق التعيس للتعددية في السمعي البصري عندنا؟!
نعم إن ما يصرف على التلفزة الجزائرية بقنواتها المتعددة، اصطناعيا وليس واقعيا، يمكن أن ينجز بالفعل العديد من القنوات بمواصفات عالمية لو أسندت المهمة إلى مهنيين بالفعل، ولو راعى القائمون على التلفزة المعايير المطلوبة في ممارسة مهنة السمعي البصري··!
ويتساءل الجزائريون: ماذا شاهد الجزائريون في شهر رمضان هذا العام؟! والجواب هو إعادة إنتاج تهريج سينمائي بطريقة تبكي أكثر مما تضحك، مثلما هو واضح في مسلسل ''الجمعي فاميلي'' وإعادة إنتاج البله الإجتماعي الذي رأيناه في مسلسل الحاج لخضر!
لقد تساءل أحد الصحفيين في الصحافة الوطنية·· لماذا لا تسوق مسلسلات الجزائر إلى الخارج؟! كما هو الحال بالنسبة لمنتجات تونس والمغرب··؟! وقالوا: إن ذلك يعود إلى اللهجة·· لكن الحقيقة خلاف ذلك فلهجة الجزائريين ليست أسوأ من لجهة المغاربة أو التوانسة! فالأمر إذا يتعلق بالمحتوى·· فالحاج لخضر الذي لم يضع رجله في معهد يؤلف ويمثل ويخرج لوحده كل شيء·· وينافس نفسه في سوق التلفزة المغلق لصالحه وحده أو ما شابهه··! هذا هو السبب··!
البؤس الذي وزع على الجزائريين ثلاث مرات هذا العام هو الذي يجعلنا نفهم لماذا يدافع المدافعون على بقاء الحقل السمعي البصري مغلقا هكذا إلى ما لا نهاية؟!
من حقنا على مجلس المحاسبة أن نعرف بكم اشترت التلفزة الجزائرية بقنواتها (العديدة) هذا المنتوج الهابط؟! ولعلنا قد نفاجأ بأن كنال آلجيري تكون قد اشترت هذه المسلسلات الهابطة بسعر أكثر أو أقل من التلفزة الجزائرية؟!
وللعارفين بالسمعي البصري أقول: يرحمكم الله قولوا لنا ما الفرق بين ''تلفزيون الجزائز' وكنال آلجيري··؟!
وإذا كان هؤلاء القوم لا يستطيعون الإبداع حتى على مستوى تسمية القناة فكيف يبدعون على مستوى الإنتاج؟!
كل هذا حصل بعد تفكيك ما كان يتواجد من مؤسسات تقييم ورقابة على تعاستها مثل المجلس الأعلى للسمعي البصري·· والمجلس الأعلى للثقافة·· والمجلس الأعلى للإعلام! وأصبحت تبعا لذلك تسير الأمور من طرف الإداريين والبوابين·· وأصبح  الأمر يتعلق بتسيير سوق حقيقية  للرشوة والترابندو في الحقل الثقافي·· فيها كل شيء إلا الثقافة والفن! هذا هو الإشكال··!



فلاح جزائري يقصف القاسم و الجزيرة
لسنا زيطة وزنبليطة

كارت أصفر لقناة 'الجزيرة'
إسماعيل القاسمي الحسني
القدس العربي

نعم، أقولها بكل صراحة ووضوح، في وجه الدكتور فيصل القاسم: فلاح عربي من عمق ريف الجزائر يشهر البطاقة الصفراء، ما هكذا أورد القوم من قبلك الإبل.
هي حصة 'الاتجاه المعاكش، يوم 01/09، استضاف خلالها الدكتور واحدا من أعلام المشايخ، والثاني من منظمة التحرير الفلسطينية، عنوانها الموضوع الأخطر بالنسبة للأمة الإسلامية، مدينة 'القدس الشريڤ.
سؤالي: ما قيمة قناة 'الجزيرة' بغير المشاهدين؟ من المؤكد لا شيء، إذن لا يكفي في تقييم هذه القناة أداؤها، مهنيتها، كفاءة طاقمها وموادها الإعلامية، الشاهد والحكم على كل هذا هو المشاهد نفسه.
في آخر الحصة وردا على الشيخ الذي حاول إثبات تفاعل الشعوب العربية والإسلامية مع قضية 'القدس الشريڤ وفلسطين عموما، يصف الدكتور هذه الشعوب وردة فعلها 'بالزيطة والزنبليطة' على حد تعبيره، وأنها لا تفعل أكثر من خروجها إلى الشوارع يوما أو يومين، ثم تعود إلى حياتها الروتينية . أقر أنني لست مؤهلا للوقوف في وجه علم إعلامي مثلك، ومع تقديري العالي لمكانتك العلمية والمهنية، أؤكد لك أني لست أراك أكثر من بشر مثلي له هنات، وهذه واحدة منها، فكلنا راد ومردود عليه إلا صاحب القبر الشريف. وقبل أن أعود إليك، أقف بين يدي فضيلة الشيخ.

لعله جانبك التوفيق
صب الشيخ جام غضبه على الحكام، الذين قطعوا في وجهه ووجه الأمة سبيل الجهاد، وأوصدوا جميع أبوابه، لتحرير 'القدس الشريڤ، رد عليه محاوره بالتساؤل عمن منعه من ذلك، فاستدل بأعمال السلطة الفلسطينية في الضفة، التي تلقي القبض على كل من سولت له نفسه محاربة الاحتلال، تنفيذا منها لاتفاقياتها مع العدو، والتي تستند في مجملها لخطة دايتون، مؤكدا أنه لن يذهب إلى هناك لتزج به عناصر السلطة في السجن؛ وهنا لي وقفة.
لقد رفعت صوتي من خلال هذا المنبر الشاهق، أيام العدوان على غزة، في وجه علماء الأمة وخاصة منهم رجال الأزهر، وهم على مرمى حجر من بلاد هاشم، يدعون للجهاد من غرف نومهم، لولا أجمعتم أمركم، ولم تلتفتوا لا للشعوب ولا للحكام، وقمتم أنتم أنفسكم بما تدعون إليه خالصا لوجه الله، لو ذهبتم في واحد أو ألف، ماذا عساه يفعل الحاكم بكم؟ يقتلكم؟ إذن تلكم الشهادة التي تزعمون مرامها، لم يرهن الخالق الشهادة بجنسية القاتل في حدود علمي بقدر ما رهنها بنية القتيل؛ أم يسجنكم؟ فذلكم الجهاد المعظم، ما يضركم أحد إذا اهتديتم، ويفعل الله بعدها ما يريد، ما جعلكم الله كفلا على الأمة ولا وكلاء، ذلك ما ورد في محكم تنزيله، وعينه ما فعل رسوله، وعلى هذا سار العلماء العاملون، من قتل عليا والحسن والحسين وعبد الله بن الزبير غير إخوة لهم مسلمين، أتسقط عنهم الشهادة، أم لم تكن الأمة بحاجة لبقائهم!. ومن سجن وعذب الإمام مالك والشافعي وأبا حنيفة وابن تيمية أليس حاكما مسلما! أكان ذلك في الحق أم الباطل! أعتقد أن الله لن يرفع نداء عالم بالجهاد ما لم يكن من أرض المعركة، ولن يلقيه في قلوب الناس، ولن يجد أذنا صاغية. وليست حجة فرضية السجن من قـــبل حاكم مسلم تمنع من الذهاب إلى أرض الجهاد؛ ومثلي على ذلك العـز بن عبد السلام، ما طلب من سكان القاهرة مغــــادرتها، ولكــــنه حـــمل متاعه وخرج، فاتبعه الناس لما صدق الله. لو كنتم العز لكنا لكم مثلما كانوا له.
و أما عن نداء الشيخ في ختام الحصة، والذي وجهه لخادم الحرمين يدعوه لضم الحرم القدسي لخدمته؛ فرحمة وشفقة بهذه الجريدة لن أعبر عن كل ما يختلج في صدري وأكتفي بالقول: رجاء اسحب دعوتك هذه فورا وعلنا، يكفينا أيها الشيخ أن الحرمين الشريفين على مرأى بصر قواعد عسكرية أمريكو صهيونية، ولن أزيد...

البطاقة الصفراء
عذرا معالي الدكتور، أنا فعلا فلاح عربي من أعماق ريف الجزائر، لست أكثر من ذلك، أرجو منك أن تسحب توصيفك لسلوكنا نحن الشعوب العربية (بالزيطة والزنبليطة)، فليس للقناة التي ترفع من منبرها صوتك غيرنا من قرين، وعن المرء لا تسل وسل عن قرينه، وتذكر إن كنتم يدا ترفع صوت الحق، فلا بد لها من يد أخرى للذي يسمع، ونحن اليد الأخرى (الشعوب العربية) فلو أعدمتها أعدمت وجودك، فكما يقول المثل العامي من طبقتنا: يد واحدة لا تصفق.
أقر هنا مرة أخرى، أنني أصاب بالذهول أمام اللوثة العقلية التي تداهم في بعض الأحيان، نخبة المفكرين المدافعين عن حياض الأمة، بأي منطق يحملون الشعوب ما لم يحملها الخالق سبحانه؟ لست واسع الاطلاع ولا الثقافة، مع هذا أتحدى في جرأة وجسارة كل هؤلاء أن يأتوني بمثل واحد مذ تكونت المجتمعات البشرية، قام فيها شعب بدون قيادات (تحت أي وصف كانت دينية فكرية أو عسكرية) من تلقاء نفسه بالثورة على أوضاعه، أو لاسترجاع حقوقه، مثلا واحدا فقط على امتداد التاريخ البشري، أجزم بأنه غير موجود.
إذن لماذا تطالب الشعوب العربية بأن تكون استثناء، لسنة قضى الله أنه لا مبدل لها ولا مغير! وإلا يكال لها السباب، وتتهم علنا بأن ردود فعلها لن تزيد عن (الزيطـــــة). كلا بل الواقع الذي يفر منه القوم، أن النخب تتبرأ من مسؤوليتها القيادية بما آتاها الله وفضلها، لتلقيها على ظهر الشعوب .
مرجعيتنا عنــد الاختـــلاف في الرأي، بحـــكم انتـــمائنــا لهــــذه الأمة وهذا الدين، والموضــــوع هو 'القــــدس الشــريڤ، هــــي القرآن الكريم، اعطوني حالة واحدة ذكر فيها أن الله أرسل قوما أو شعبا لهداية قيادة أو فرد، لا يوجد هذا بين دفتيه، وعكس الحال هو المتكرر، يرسل الله فردا ليكون قيادة لينهض بشعب وأمة، هذا ما أعرفه ليقطع الشك باليقين.
هنا أضم صوتي لصوت الشيخ، إن شرف تحرير 'القدس الشريڤ لن يحظى به إلا 'الرجال الرجال'، هكذا قضى الله، لن يشرف من أخلد إلى الأرض، ولن يرفع من رضي بالهوان، وأول من يسأل يوم القيامة العلماء ثم الأمراء ثم أمثالكم وليست الشعوب.
أليست قناة 'الجزيرة' هي التي تصنع في وعي مشاهديها ومتابعيها، انتصار حزب الله، وأهل غزة؟ من يكون رجال حزب الله غيرنا (الشعوب العربية) هيأ لهم الله قيادة صادقة مخلصة، تتقدم بنفسها وفلذات أكبادها صفوف القتال!؟ عجبا، من رجال المقاومة غيرنا! منهم الخبازون والبناءون والفلاحون وحتى مرقعي الأحذية، سل غسان بن جدو عنهم يجبك. لم أر قط نخبة مثقفة تجلد شعوبها مجانا وظلما كما الحال عندنا، وهنا لست أقصد الدكتور بذاته، بل لقد سمعت كثيرا أصوات هذه السياط تهوى بعنف على ظهورنا، تحملها أيادي بعض الأكاديميين، في هالة هستيرية لا تعني إلا معاناة أصحابها من داء عضال يسميه أهل الاختصاص 'الصادية' ، تتفجر من أخاديد وجوههم علامات الرضى عن النفس كلما أمعنوا في سلق شعوبهم بألسنة حداد.
ما يصفه معاليك 'زيطة وزمبليطة'، أراه من زاويتنا نحن الطبقات الدنيا 'حجة الله البالغة' على الحكام والعلماء والمفكرين، إذا ما أرادوا الدفع بين يديه أنهم جاؤوا على رأس جسد ميت، فلم يقدروا على فعل شيء، هذا الطرح مردود على وجوههم يوم القيامة لقد خرجنا لأيام، من تلقاء أنفسنا ليس استجابة لمخلوق، ولا بتأطير بشر، نحمل على أكفنا أرواحنا، أولادنا وأموالنا ليشهد العالم كله، ونشهد الله بأننا أمة جسد حي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، من يجبرنا على 'الزيطة والزنبليطة!؟' أقولها عالية مدوية: نحن أمة حية ولكن الحاكم والعالم والمفكر فينا هم الأموات.
ختاما معالي الدكتور، لو أنك تصدق بأن كاتب هذا المقال، ليس فعلا وصدقا أكثر من فلاح يقطن على بعد آلاف الأميال من فلسطين، لا يحمل في جعبته علما غزيرا ولا يتزين بشهادات عليا، يسعى جهده وما استطاع لغرس قضية القدس وفلسطين في قلوب بنيه، يجمعهم أمام قناتكم وقنوات أخرى، ليشربهم قضايا الأمة، ويريهم عدوها الأصيل، ومن أمثالي وأحسن مني الملايين، لو صدقت هذا لأيقنت بأن الشعوب العربية تعد لأمر أعظم مما تتصور، ولاعتذرت علنا قبل أن يشهر الفلاح في وجهك الكارت الأصفر.. تقبل الله صيامكم.

إسماعيل القاسمي الحسني
فلاح جزائري



الحكّام العرب: الجيــل الثاني
بقلم : أسعد أبو خليل ـ

الرئيس الأميركي يتكلّم والرئيس المصري يستمع (أرشيف ــ رويترز)يحتفل سكان العالم بإقصاء حكامهم وطغاتهم، وخصوصاً في العقود الماضية. مشهد إعدام تشاوشسكو (صديق أنور السادات الحميم والشيوعي المفضّل لدى الغرب) وزوجته لا يزال ماثلاً للعيان وراسخاً في الذاكرة. لكن حكام العرب يحتفلون بالتربّع على العروش الملكيّة والجمهوريّة المتلبّسة بالشعارات المختلفة

يزداد ثقل الحكام العرب على صدور شعوبهم، ويتربّع على عروش الطغيان ليس فقط الطغاة، بل الأولاد وأولاد العم والخال. وفي عصر البزنس، تصبح العائلة شركة مساهمة حصريّة لا مكان فيها إلا لروابط الدم والعشيرة إذا والت. وقد ينقلب الابن على الأب والأخ على الأخ والأب على الابن من أجل السلطة. إنها قصة الحكم في العالم العربي المنكوب.

وعند الحديث عن الجيل الثاني من الحكام العرب، يخال المرء أن هناك حنيناً إلى الجيل الأول، وليس هذا هو المبتغى إطلاقاً. لكن هناك فوارق تذكر بين الجيل الأول والجيل الثاني من الحكام العرب. طبعاً، لم يأتِ الجيل الأول من فراغ أو من تكريس إرادة شعبيّة عارمة لا تُقاوم. الاستعمار الغربي والحرب العربيّة الباردة هما اللذان كانا مسؤولين عن صعود الجيل الأول. والجيل الأول كان منقسماً في الخمسينيات عندما اندلعت الحرب بين معسكر جمال عبد الناصر ومعسكر حلف بغداد (المُعلن والمُستَتِر). لكن الجيل الأول كان محكوماً بحياة اجتماعيّة ـــــ اقتصاديّة مختلفة عن حياة الأبناء. عاش بعض أبناء الجيل الأول في الفقر: لم يكن ثراء آل سعود فاحشاً في الثلاثينيات والأربعينيات عندما كان الملك عبد العزيز المؤسّس يعرض بيع فلسطين مقابل جنيهات استرلينيّة، وكانت ثروة أبو ظبي محفوظة في مخدع الشيخ شخبوط بن سلطان، على ما يُروى. وكان الأمراء منهم والشيوخ يعيشون حياة البداوة في بعض جوانبها ومنهم من اقتات على التمور، وكانت العامة تختلط إلى حدّ لم يعد مألوفاً مع حكّامها. أما الجيل الأول من الحكام الجمهوريّين، فكان معظمهم من خلفيّات طبقيّة متوسّطة إلى فقيرة: لم تكن عائلة عبد الناصر معدومة ولكنها لم تكن ميسورة، كما أن زعماء البعث جاؤوا، كما قال حنا بطاطو، من خلفيّات متوسّطة ريفيّة. وقادة العسكر الذين أتوا إلى السلطة بدبّاباتهم لا ببرامجهم كانوا من خلفيّات فقيرة نسبيّاً (مثل القذافي). وهذا الفقر النسبي جعلهم أكثر معرفة بحياة الطبقات الشعبيّة، وقد يكون أثّر على سياسات الإصلاح الزراعي والتأميمات في الأنظمة الاشتراكيّة ـــــ على علاّتها.
شعار «حب الحياة» ستار شفّاف لممارسة الحب مع الصهيونيّة
وهناك العامل العاطفي عند الجيل الأول. كان هؤلاء من المرتبطين والمرتهنين للغرب (مثل الملوك والسلاطين والشيوخ) لكنهم عاصروا النكبة ورأوا بأم العين مشاهد التهجير الفلسطيني وسمعوا عن الهزيمة العربيّة الشنيعة (وإن كانوا مسؤولين عنها) والتي كستهم بالعار والخزي أمام شعوبهم وأمام المرآة. الشيخ زايد، مثلاً: كان صنيعة للاستعمار ونفّذ الأوامر وأطاع، لكنه كان عاطفيّاً يتأثّر لمشاهد أو روايات معاناة شعب فلسطين. الشيخ زايد طلب أن يلتقي يوماً في أوائل السبعينيات بليلى خالد، وأعطى تبرّعاً يوماً للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين (وقد انشقّ فريق عن الجبهة وأصدر كرّاس «الفضيحة» بسبب قبول الجبهة التي كانت تدعو لقلب الأنظمة الرجعيّة اللقاء مع زايد هذا). وليس هذا الحديث عن الرابط العاطفي من أجل الذهاب بعيداً في تحليل العوامل النفسيّة في صنع القرار السياسي عند هؤلاء الحكام. فالعاطفة شيء والقرار السياسي شيء آخر: كان زايد يعطي تبرّعاً للجبهة الشعبيّة بيد ويساهم بمليارات في حملات مناهضة الشيوعيّة حول العالم لدعم موقف أميركا في الحرب الباردة. وكان الموقف العاطفي الخالي من الموقف السياسي المبدئي مثل رونالد ريغان الذي كان يتأثّر لحكاية واحدة عن فقير معدم، ولا يتردّد في التوقيع على قرارات سياسة عامّة تؤدّي إلى إفقار الملايين من السكّان دون أن يرفّ له جفن. لكن الحديث عن العامل العاطفي هو للمقارنة مع الجيل الثاني فقط.
ويبرز الفارق بين الجيلين الأول والثاني في المقارنة بين رفيق الحريري (على علاّته وهي لا تُحصى) والحريري الصغير. الأول نشأ على القوميّة العربيّة وعلى شعارات الاشتراكيّة، والآخر نشأ على الـ«بلاي ستيشن» (والـ«إكس بوكس» في ما بعد). الأول كان منحازاً لعبد الناصر في الحرب العربيّة الباردة والآخر ينحاز إلى الأمير عزّوز في أي خلاف. طبعاً، فإن الأول والثاني في المُحصِّلة هما جزء من المشروع الأميركي نفسه ويلعبان الدور المرسوم بحذافيره، لكن الفارق هو في الأسلوب وفي نمط التعبير وفي القدرة على فهم عاطفة الناس، من أجل تغييرها خدمةً لخادم الحرميْن. قد يكون الجيل الثاني أفضل لنا لأنه أقلّ قدرة على خداع الناس بشعاراته من الجيل الأول. كان الملك فيصل يعدُ العرب بالصلاة في القدس وكان البعض يعتقد أنه يريد تحرير القدس، فيما كان يقصدُ الصلاة خانعاً في الجامع الأقصى على طريقة أنور السادات. والحريري الأب كان يماشي بوش في حروبه وغزواته فيما كان يبيع الناس شعارات عروبيّة وبعثيّة (هل يظن فريق «الأمير مقرن أولاً» أنه محا من الذاكرة ومن السجلاّت خطب الحريري في مديح النظام السوري وغازي كنعان ورستم غزالة وفي رفض فتح سفارات بين البلديْن؟). على من تزوِّر المزامير، يا هاني؟
العامل الآخر أن رادعاً قويّاً تحكّم في قدرة الحكّام الأوائل أو رغبتهم في المضي بالمشروع الغربي المُناصر لإسرائيل. فقد كان هؤلاء يعيشون في عصر كان فيه الرأي العام (يجب الإقلاع عن عبارة «الشارع العربي» الدارجة في الاستعمال الغربي وذلك إمعاناً في نسبة غرائز متوحّشة إلى العرب، وكأن الرأي العام الغربي لا يعبّر عن نفسه في الشوارع ويكتفي بالتصريح في الصالونات، كما أن مصطلح الجماهير فيه من الإطلاق القامِع ما جعل منه مُحبَّذاً في الأدبيّات البعثيّة والأنظمة الشيوعيّة) صارماً في الإيمان بثوابت في التعاطي مع القضيّة الفلسطينيّة. أنا أذكر حين كنت في السابعة كيف خرجت الناس في بيروت بأثواب النوم عشيّة استقالة عبد الناصر عام 1967 مُطالبةً بتحرير فلسطين، فيما يؤيّد بعض هؤلاء الناس اليوم وأبناؤهم نزع أي سلاح يهدِّد إسرائيل حفاظاً على حبّ الحياة وحب إسرائيل (وشعار حبّ الحياة هو ستار شفاف لممارسة الحب مع الصهيونيّة). كان الحكام الأوائل أقلّ قدرة على الحركة من أبنائهم، لأنهم كانوا يخشون غضبة الناس والانقلابات، وهذان العاملان لا يضغطان اليوم على مسلك الحكومات. الناس باتت مشغولة بـ300 محطة فضائيّة تنضح مسلسلات، ومشغولة أيضاً بالفتنة السنيّة ـــــ الشيعيّة وبملاحقة التحقيقات في مقتل الفنانة سوزان تميم.

وكان الغرب المهموم بشروط الحرب الباردة ومتطلباتها لا يطالب الأنظمة المرتبطة به بالكثير، وذلك حفاظاً على صحّتها وسلامتها وأمنها. وكان الجيل الأول قبل السبعينيات ذا قدرات ماليّة متواضعة نسبيّاً. المؤامرات كانت مكلفة ولم تكن في حجم المؤامرات في ما بعد حيث تستسهل السعوديّة، مثلاً، إنفاق المليارات في لبنان للتأثير على نتائج الانتخابات النيابيّة ولتأجيج الفتنة خدمةً لإسرائيل ومصالحها. كانت المؤامرات في حجم الملايين لا أكثر.
جمال مبارك نموذج من الجيل الثاني. والجيل الثاني يتصنّع الخفر في الحديث عن الخلافة. يريد الإعلام الرسمي في مصر (الذي بات يضم بعض الإعلام الخاص مثل «المصري اليوم» التي بدأت مستقلّة وتحوّلت إلى جهاز دعائي لـ«سي جمال») أن يقنعنا بأن صعود جمال مبارك لا علاقة له بصلته العائليّة بل يعود لمواهبه الفذّة. وجمال مبارك أتى من عالم البزنس ويبدأ التحوّل نحو الخلافة في تولّي شؤون حكوميّة قبل فراغ سدّة الرئاسة.
النائب سعد الحريري (أرشيف)تحدّث الملك عبد الله الأردني (حامل العدد الهائل من النياشين والميداليّات العسكريّة على صدره وقد يكون كسبها بعرق بزّته العسكريّة في صولاته وجولاته في معارك ضد العدو الإسرائيلي) عن جيل أولاد الحكام العرب في مقابلة مع الـ«نيويورك تايمز» (لا يتحدّث هذا الملك اليوم عن تلك الصداقة الحميمة التي جمعته بعديّ صدّام حسين). قال إنهم يفهمون بعضهم بعضاً لأنهم يتحدّثون اللغة نفسها ويرتادون الفنادق والمطاعم نفسها في الغرب. كم كان كلامه صائباً ويصلح لتحليل طبقي عن حكام العرب. وحياة الأثرياء (عرباً وغرباً) مشتركة لأن كل الأثرياء يرتادون الأماكن المفضّلة للأثرياء، ويتزلّجون في غستاد أو في أسبن، الخ. لكن الأبناء يختلفون عن الآباء.

تربّى أبناء الحكام في عزلة طبقيّة صارمة. هؤلاء لا يعرفون عن طبقة الفقراء شيئاً لأنهم لا يحتكّون بهم. وخدمُ هؤلاء وجارياتهم من طبقة لا صلة لها بالفقراء. كما أن العامل العاطفي منعدم عندهم.
شبّ هؤلاء في زمن كان فيه النزاع بين المعسكر الناصري والمعكسر الرجعي على أشدّه. لهذا تجد عندهم نزعة للسخرية الفاقعة من كل شعارات تلك المرحلة: من تحرير فلسطين إلى قتال إسرائيل إلى مواجهة الإمبرياليّة إلى الوحدة العربيّة. هؤلاء من نتاج التربية
البيتيّة الخاضعة للمستشارين المستوردين والمعاهد والجامعات الغربيّة. سألتُ واحدة من اللواتي درّسن ابن حاكم عربي في بريطانيا. وجَدَتْه بارداً في كل القضايا الساخنة. درس هؤلاء على أيدي صهاينة وإسرائيليّين في الغرب ونما لديهم حسّ تقليد الرجل الأبيض والسير على خطاه. كان يحيط بالآباء مثلاً في أنظمة الخليج مستشارون من بلاد الشام، فيما يحيط بالأبناء مستشارون من الغرب ومن معاهد ومصارف مرتبطة بالمصالح الإسرائيليّة. كان الآباء قد تلقّوا دروساً دينيّة ولغويّة على أيدي شيوخ ومدرّسين يعنون بقضايا الشعب العربي.

وتقليد الرجل الأبيض (الأميركي خصوصاً) يشغل بال الجيل الثاني. هؤلاء لا يتقنون اللغة العربيّة، على عكس بعض الآباء: كان الملك الحسن الثاني والملك حسين وأنور السادات يتقنون العربيّة، وكان الشيخ زايد يكتب الشعر. أما أبناء الحكام فهم يتكلّمون العربيّة بصعوبة ويزهون بلكنتهم في التحدّث بالإنكليزيّة (تلقّى الملك عبد الله الأردني دروساً في العربيّة الفصحى بعد تولّيه العرش، كما تلقّى سعد الحريري دروساً في الفصحى وفي اللهجة البيروتيّة بعد وراثته زعامة «أهل السنّة» في لبنان). طبعاً، هناك من الآباء (مثل الملك عبد الله السعودي أو الملك سعود) مَن كان أمّيّاً. الأمير بندر كان لشدّة محاكاته الرجل الأبيض في أميركا يواظب على حضور المباريات الرياضيّة الأميركيّة ويتصنّع الحماسة لهذا الفريق أو ذاك، بناءً على أهواء الرئيس المقيم في البيت الأبيض. ويتمتّع الأبناء بثروات هائلة تسمح لهم بالإعداد لتولّيهم الحكم عبر التنسيق المُبكّر مع الإمبراطوريّة الأميركية من أجل تبييض الصفحة وإظهار الولاء المبكّر. تسمع عن مؤسّسة القذافي مثلاً: وهي تنعم بالمليارات وتقوم بأعمال سريّة وعلنيّة، وما من قدرة على محاسبة التصرّف بأموال الشعب الليبي الذي لا تظهر عليه مظاهر النعمة النفطيّة. وفضيحة الرشى التي التصقت ببندر بن سلطان لُفلِفت على عجل بأمر من الحكومة، لكنها أدّت إلى نشر أرقام شبه خياليّة عن مبالغ بمئات الملايين من الدولارات. لهذا، فإن لكل أمير من آل سعود اليوم حكومة خاصّة به وجهازاً استخباراتياً خاصاً به وسياسة خارجيّة خاصّة به. ويتنافسون فقط في المدى الذي يريدون به إسعاد «الراعي الأميركي». الأمير بندر حظي برعاية أميركيّة (استمرّت حتى تفجيرات 11 أيلول) لأنه أشرف (بأمر من فهد) على وضع الثروات السعوديّة في خدمة الأعمال القذرة للحكومة الأميركيّة في عهد ريغان. ولكل أمير وابن رئيس مؤسّسة أو جيش (كما في حالة أحمد علي عبد الله صالح في اليمن أو الملك الأردني قبل الجلوس على العرش أو الملك السعودي قبل الجلوس على العرش أو باسل الأسد قبل وفاته) وضع مشابه.

وحريّة الحركة أمام أبناء الحكام في الحكم وفي خارجه أكبر من هامش الحركة عند الآباء. لا يكترث الأبناء للرأي العام لأنهم لا يحملونه على محمل الجدّ: ولّى الزمن الذي كان فيه الناس في العالم العربي يخرجون إلى الشارع طوعاً وعفوياً من أجل فلسطين وضد التسوية السلمية مع إسرائيل. يخرج أحياناً الناس ربما لاستقبال ريتشارد نيكسون في شوارع القاهرة في عهد السادات أو لاستقبال شيراك في الجزائر أو لاستنكار الرسوم الكرتونيّة في الدنمارك. أما في لبنان، فتخرج الناس لاصطناع التفجّع على رفيق الحريري طمعاً بحصّة طائفيّة أكبر، أو للهتاف بحياة زعيم الطائفة الأوحد. إن هذا التجاهل (المُحق بسبب عقود من الاستكانة والخنوع والانطواء القطري المحلّي بالإضافة إلى العزلة السياسيّة التي لا مجال لتحليلها في عجالة هنا) يعطي القادة الجدد مجالاً أوسع للتحرّك، وخصوصاً في التودّد لإسرائيل.
كانت الناس تثور لمجرّد سماع أخبار عن لقاءات سريّة بين عرب وصهاينة، وكان مشروع روجرز يحرّك تظاهرات ضخمة حتى بعد قبول عبد الناصر به. أمّا اليوم، فحالة من البرود السياسي، أو قُل إنه اليأس المطلق والإحباط المزروع، تتيح الإسراع في التطبيع مع إسرائيل. يسارع الملك السعودي للقاء شمعون بيريز تحت باب «حوار الأديان»، فيما تدعو حكومة قطر وزيرة خارجيّة العدو الإسرائيلي لتلقي عظاتها عن الديموقراطيّة، وبات رؤساء العرب وملوكهم يعتبرون عدم إلقاء التحيّة على إسرائيليّين في الغرب تصرفاً غير لائق. يتحرّك أبناء الحكّام بحريّة مطلقة. لا يأخذون في الحسبان رد فعل الناس. يقومون بتحرّكاتهم على أساس النوم المستمرّ للعامّة مهما شطّت الأنظمة في تحالفها مع المصالح الإسرائيليّة.

وهناك أمر آخر: كانت الحكومات العربيّة في الماضي تتنافس في معسكريْن: الرجعي، وذلك الذي يدّعي التقدميّة. وكانت الصراعات محتدمة داخل كلّ من المعسكريْن: الصراع السعودي ــ العماني أو السعودي ــ الإماراتي، بالإضافة إلى الحروب بين البعث وعبد الناصر. أما اليوم، فقد انضوت كل الأنظمة العربيّة وبدرجات متفاوتة، بما فيها تلك الأنظمة التي تدّعي الممانعة بهدف تحسين شروط الانصياع، في المعسكر الموالي للغرب. هذا العالم جعل من التنافس تنافساً في درجة الولاء للإرادة الأميركيّة. هذا يفسّر، مثلاً، نشاط أولاد زايد في الإمارات للقيام بدور حيوي في دعم الحكومة الدحلانيّة وفي القيام بدور استخباراتي مهم لمصلحة الإمبراطوريّة الأميركيّة. وليس التطبيع مع إسرائيل ـــــ في المغرب وفي الخليج ـــــ إلا لأجل التقرّب من واشنطن. فالأنظمة العربيّة المُنصاعة للمشيئة الأميركيّة اليوم تتسارع لدعم ميليشيا عصابات محمد دحلان لأنها تعلم أن الأمر عزيز على قلب الإدارة الأميركيّة وإسرائيل. فالتنافس هذا يزيد من حجم التعاون والتواطؤ مع المشروع الإسرائيلي في المنطقة، وخصوصاً أن تهيئة الابن النجيب ـــــ في نظر والديه ـــــ تتطلّب موافقة أميركيّة. الحاكم العربي اليوم يصطحب ابنه إلى أميركا ليعرّف الناظر الأميركي على خليفته.
تهيئة الأبناء للخلافة سبب مباشر للتقارب بين الأنظمة العربية وإسرائيل
يمكن النظر إلى عمليّة تهيئة الأبناء للخلافة كسبب مباشر للتقارب بين الأنظمة العربيّة وإسرائيل. فحسني مبارك كان يعلن انتقادات لفظيّة ضد عدوان إسرائيل، لكن شيئاً ما حصل في السلوك المصري وفي حجم التعاون مع العدوان الإسرائيلي ضد شعب فلسطين في الأعوام الأخيرة. قل إنها من ضرورات التحضير للخلافة. والنظام القطري سارع إلى التقرّب من إسرائيل لإرضاء واشنطن. والنظام البحريني يحاول أن يحظى بمكانة جديدة في قائمة وكلاء المشروع الأميركي ـــــ الإسرائيلي عبر التميّز في صفاقة الدعوة إلى المصالحة مع إسرائيل مقابل لا شيء. ويسعى أحياناً الأولاد غير الحكام للشروع في خدمة المشروع الأميركي من أجل تحسين وضعهم في معركة الخلافة داخل العائلة (وهذا ينطبق على الأمير بندر والأمير سلمان الذي يكاد أن يفقد صبره في انتظار المُلك، ولعلّ ذلك يفسّر رقصه الحميم مع بوش في آخر زيارة للأخير إلى السعوديّة).
ومن اللافت أن عدداً من الجيل الثاني من الحكّام يأتي من خلفيّة عسكريّة أو استخباراتيّة. فحاكم دبي ورئيس الإمارات والملكان السعودي والأردني يأتون من خلفيّات عسكريّة أو دفاعيّة. وبشار الأسد، وهو طبيب عيون، احتاج للمرور في تدريب الجيش السوري من أجل التهيئة للخلافة، ومعتصم القذافي (مسؤول الاستخبارات الليبيّة) هو المرجّح لخلافة والده وفق مجلة «إكونومست». وكليّة ساند هرست العسكريّة البريطانيّة خرّجت عدداً من الحكام العرب (مثل سلطان عمان والملك حسين) ومن أبنائهم، لكن ما لا يعرفه العرب هو أن حكام العرب وأبناءهم لا يخضعون لدراسة تقليديّة وفق البرنامج المعمول به في الكليّة. فالحكومة البريطانيّة تعدّ لهم برنامجاً خاصّاً تُختصر فيه المدّة الزمنيّة للدراسة وتتقلّص المتطلّبات الدراسيّة. المهم هو إبراز شهادات ـــــ حقيقيّة أو مزوّرة أو نصف حقيقيّة (أولاد الحكّام يُقبلون في الجامعات النخبويّة الخاصّة في الغرب طمعاً بتبرّعات لا بناء على علامات، وليس تبرّع سعد الحريري بمبلغ 20 مليون دولار لجامعة جورجتاون إلا مثالاً، فيما تئنّ الجامعة اللبنانيّة تحت وطأة موازنة السنيورة).

بين الجيلين الأول والثاني، ضاعت فلسطين وتنتشر الصهيونيّة بين ربوعنا ويزداد اعتناقها بين العرب. الجيل الأول مسؤول عن زرع إسرائيل بيننا، أما الجيل الثاني فيعمل على توطيد الزرع ونشر النفوذ الصهيوني. والجيل الثاني لم ينجح في كسب التأييد الشعبي لشعاراته وبرامجه المصنّعة في الخارج على مقاس المصالح الأميركيّة والإسرائيليّة، لكنه نجح في النفاذ عبر بث الخيبة والإحباط والانهزاميّة. الجيل الأول كان يتآمر في الخفاء، أما الجيل الثاني فيتقاطر إلى لقاء المحبوبة رايس أو من ينتدبه بوش أو أوباما من أجل إثبات حسن السلوك وشدّة الطاعة. قد يتسنّى للعالم العربي انتظار ما يخبئ له الجيل الثالث، وقد يتفتّح العالم العربي ويزدهر لو كان مصير الجيل الثالث مثل مصير غودو ـــــ وإن كانت محطة القطار مقفرة.
-----------------------------------------------------
- الأخبار اللبنانية
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)



الفتنة نائمة لعن الله من يوقضها
قضية المجاهدين المزيفين من المستفيد و من الخاسر؟
تداولت بعض الصحف قضية جد حساسة و شائكة أبطالها أناس لايمتون بأي صلة لجزائرالعزة والكرامة ، حيث ساهم كل واحد في نشر غسيل الآخر منذرين بحرب لا يوجد مغزى منها سوى تشويه سمعة الأشخاص و التشكيك في النوايا ، و في هذا الصدد عبر لنا العديد من المتتبعين للساحة السياسية بالبلاد عن امتعاضهم لمثل هذه التصرفات التي أقل ما يقال عنها انها صبيانية بالدرجة الاولى و الهدف منها زرع البلبلة لا غير، و أضافوا أن هؤلاء تناسوا ان الجزائر مرت بفترات جد عصيبة وساهم الوضع في سقوط العديد من الضحايا ناهيك عن الخسائر المادية ، فالبداية بدأت بالكلام ، فالشتم ثم التهم و بعدها هلم جرا ، فمن المستفيد و من الخاسر ؟ لقد مللتا هكذا وضع ـ يضيف ـ محدثونا و نريد التغيير نحو ما هو إيجابي نافع للبلاد و العباد ، ومثل هذه القضايا لاتخدم سوى مرضى متعطشون للفضائح و لا يهدى لهم بال سوى حين يرون غيرهم مذلولين و منكسرين هذا بغض النظر عن صحة التهم أوخطئها ، نحن نسعى من أجل الوصول لما آلت إليه الدول المتقدمة في شتى المجالات من العلوم و التكنلوجيا و النهضة رغم ظروف التي مرت بها سيما الحروب و الفتن ، لكن مرت السنين و حددت المهام و بالتالي سطرت الأهداف فلم يعد هناك مجال لأي شيئ سوى مصلحة هذه البلدان بعيدا عن الخزعبلات التي بقينا نحن نتعايش معها و أصبحت تجري فينا مجرى الدم كالشيطان الذي لايهدأ له بال حتى ينشر العداوة و الكراهية بين الناس ، فإلى متى تستمر هذه الوضعية التي تهدم أكثر مما تبني ؟ و متى يستفيق دعاة الفتن من سباتهم و يبنوا عوض ان يهدموا ؟ و الجدير بالذكر ان مثل هذه القضايا يجب الفصل فيها في أقرب الآجال من لدن الجهات الوصية حتى لا تمتد إلى الأجيال الأخرى و تستمر معها الضغائن و الكراهية .
محمد ب



شرع السلطة، لا سلطة الشرع
الإسلام والسياسة والمسلخ الفلسطيني وحماس
لندن- من علي الصراف
هل حاولت حركة "حماس" أن تظهر لأحد ما، في الغرب، او في إسرائيل، أو حتى بين الفلسطينيين أنفسهم، أنها أكثر إعتدالا مما يشاع عنها، وانها جديرة بأن تكون محاورا مقبولا، عندما اندفعت الى القضاء جماعة "جند أنصار الله" الاسلامية "المتطرفة" في غزة؟

الحقيقة، هي ان الأمر لو كان متعلقا بإرضاء أحد ما، أو إثبات شيء ما، لظل هينا. فالمشكلة التي تواجهها حماس لا علاقة لها، بالأحرى، بأي أحد خارجي، وانما مع مشروعها بالذات.

فالمشروع الذي انطلقت منه حماس، وضع الإسلام، فقها وتشريعا، في مقدمة السياسة. وهذا ما يفعله عادة كل الذين يتبنون الدين، أي دين، إطارا للسياسة. وليس من العجب، بعد ذلك، أن يكون الدين هو السياسة، أو كل السياسة. فبما انه دين، فانه يرقى على كل ما عداه ويفرض شروطه عليه، فإن لم يمتثل صار كافرا.

هذه "العلاقة" بين الدين والسياسة لم يتم فصلها في الغرب لمحض أسباب تتعلق بالكنسية او بالدور الذي كان يلعبه رجال الدين، بل بالدرجة الأولى لأن الدين ينطوي على قوة تصعيد لا حدود لها إلا السماء، بينما السياسة تتطلب "تنزيلا" يتعلق بأتفه الشؤون الواقعية، بما فيها رفع القمامة، وتنظيم عمل الرذيلة.

وأول التعقيد في استخدام الدين كإطار للسياسة، هو أن أي تصعيد ليس كافيا. فكلما صعّدت، جاء من يُصعّد فوقك أكثر. وكلما زدت تطرفا، جاء من يُزايد عليك بالتطرف.

لماذا؟ لأن إبتغاء مرضاة الله لا حدود لها. في حين ان السياسة، قد تبتغي او لا تبتغي مرضاة الله، إلا انها تبتغي ان تضع كل شيء في مرضاة الناخبين أولا، بمعالجة مشكلات واقعية يعانون منها.

على هذا الأساس جاءت حماس الى السلطة. فهي لم تُنتخب لأنها كانت تدعو للصلاة عشر مرات في اليوم، ولكنها انتخبت بسبب الفساد الذي ظل ينخر سلطة حركة فتح. وهي انتخبت بسب فشل خيار المفاوضات، كما انها انتخبت من اجل تقديم خدمات للمحرومين. وهي أمور يستطيع من يشاء أن يربطها او لا يربطها بالإسلام، إلا أنها قضايا واقعية تتطلب معالجات من جنسها، أي واقعية أيضا.

لم يكن ممكنا لحماس، وهي في مطلع قيادتها للسلطة، أن تواصل التصعيد ضد الفساد. بل كان عليها أن تعالجه. أما الفقه والتشريع، فقد كان من الضروري يأتي ثانيا، وان ينسحب الى الوراء من اجل معالجة هذه المشكلة أو تلك من قضايا الناخبين.

وسواء صلى الفلسطينيون عشر مرات في اليوم، وفي كل يوم 500 ركعة، فان الفقر والحرمان لا يُعالج بالصلاة وانما بعمل واقعي ما، يقوم على علاقة ما، ويتطلب التوصل الى تسوية ما، مع أحد ما.

حماس، مثلها مثل غيرها من الأحزاب والحركات الإسلامية، تعرف انه إذا كانت السياسية تتطلب ترتيبات وتسويات ومناورات مع هذا وذاك، فان العلاقة مع الله لا يمكن ان تنطوي على ترتيبات ولا تسويات ولا مناورات.

وحرصت حماس، حتى وهي شريك مع "الجهاد الإسلامي"، أن تكبح جماح هذا المنظمة التي تقف فوقها، في التصعيد الديني للسياسة. ولكن الأقدار ظلت تخبئ لها تصعيدا آخر... أعلى، فظهرت منظمة "جند أنصار الله" بقيادة الشيخ عبداللطيف موسى الذي اعلن عن إقامة "إمارة إسلامية" في غزة.

موسى قال، بمعنى واضح، ان حماس ليست إسلامية بما فيه الكفاية، وهو حرم على أتباعه يقاتلوا الى جانب حماس حتى ولو ضد إسرائيل. أما حماس، فقد حاربته، ليس باللجوء الى تحكيم الشرع، وانما بتحكيم الرشاشات.

حيال هذه المنظمة "الطالبانية"، انتهت حماس الى انها لا تستطيع التصعيد على التصعيد، فوجدت ان واقعية السياسة في التعامل مع التصعيد هي الحل.

وهذا هو ما يحصل عادة، في كل حزب او جماعة تتخذ من الدين إطارا للسياسة.

الجماعات الإسلامية في الجزائر لم تكن تحارب النظام "اللائكي" وحده، بكل كانت تحارب بعضها بعضا، وذلك بين تصعيدٍ وآخر أعلى منه، حتى انتهى البلد بالتحول الى مسلخ يتم فيه بقر بطون الحوامل، وقتل الأطفال. والسبب هو ان الجبهة الإسلامية للإنقاذ قالت (للناخبين) إن "الإسلام هو الحل". فصوت لها الناخبون عام 1991 بأغلبية ساحقة ظنا منهم إن الإسلام، بما انه خير دين، فلا بد وان يكون خير حل، لجميع المشاكل، ابتداء من التفاوض على تسديد ديون خارجية (كانت تصل الى 25 مليار دولار)، الى رفع القمامة.

ولو اتيح لهذه الجبهة ان تتولى السلطة، لصارت الجزائر إقطاعيات كل منها أشبه بغزة، وكل منها يذهب في التصعيد الى مستوى أعلى من الذي في جواره. وبدلا من رفع القمامة أو تسديد الديون، فقد كان الخيار البديهي بين تيارات تكفر بعضها سعيا "لمرضاة الله"، هو جز الرؤوس.

وعمليا، فقد ظل إسلاميو الجزائر يجزون رؤوس بعضهم بعضا، بمقدار ما كان يفعلون ويُفعل بهم، حتى سقط ما يزيد على 250 ألف قتيل، جلهم من الأبرياء وخسائر تقدر بـ 60 مليار دولار!

في غزتها الخاصة، جزت حماس رؤوس "جند أنصار الله" ليس لمرضاة الله وإنما لمرضاة سلطتها. وهي امتنعت حتى الآن عن جز رؤوس مقاتلي "الجهاد الإسلامي" فقط لأن هؤلاء لم يطرحوا أنفسهم كبديل لسلطة حماس في غزة، وعندما حاولوا، في بعض المرات، أدبتهم، وجرّت أذنهم.

ولكن لو كانت حماس هي التي تُصعّد فوق "جند أنصار الله" او "الجهاد الإسلامي" لكان هذين الطرفين هما اللذين يجزان رؤوس قادة حماس لمرضاة مكانتهما الواقعية في السلطة.

لقد قتل في المواجهة بين حماس وجند أنصار الله العشرات من المسلمين الأتقياء، الذين كان قتلهم، في ظروف أخرى، حراما وجريمة وفقا لكل معايير الشريعة الإسلامية. ولكن حماس وجدت انه يجوز في السياسة ما لا يجوز في الشرع!

هذا الاستنتاج، الشديد الواقعية، الذي توصلت اليه حماس برشاشاتها، كان من الأولى بها أن تقبل القول به من جانب الآخرين. فحركة فتح، بقبولها الخيار التفاوضي، انما قالت لحماس: يجوز في السياسة ما لا يجوز في الشرع!

بقي انه، لو كانت حماس عارضت الخيار التفاوضي لفشله، لتقترح مسارا واقعيا آخر، فان سلطة حماس كان يمكن أن تكون أحسن حالا مما هي الآن. فالسياسة الخاطئة لا تُقاوم بالإسلام، وإنما بسياسة أفضل منها، تقبل الواقعي وتتعامل معه بوسائل وخيارات وبدائل واقعية، بما فيها خيار المقاومة المسلحة نفسها.

ولكن حماس جعلت من الإسلام إطار للسياسية، فخسرنا السياسة، ولم نكسب من الإسلام إلا "جند أنصار الله".

السياسة انتهت الى السعي لتصفية حماس، أما حماس، فقد انتهت الى قتل "جند أنصار الله".

السؤال الذي يحسن بالفلسطينيين أن يسألوه هو: ما هذا المسلخ؟



علامات الفشل في مؤتمر فتح
بقلم ـ بلال الحسن - باريس

أكتب هذا المقال وقد أصبح مؤتمر حركة فتح في الضفة الغربية، في لحظاته الأخيرة. ومن غرائب الأمور أنه يمكن الكتابة عن مؤتمر فتح هذا قبل أن ينتهي، ذلك أن المسائل الأساسية في المؤتمر توضحت منذ اليوم الثاني لانعقاده. وما جرى بعد ذلك هو النقاش والجدل والاختلاف حول الأمور التي توضحت، ومن دون أن يكون النقاش أو الجدل أو الاختلاف قادرا على تغيير النتائج النهائية. وبما أن القضايا التي كانت مطروحة للنقاش. وبما أن القضايا التي لم تطرح للنقاش، كانت معروفة من خلال إعلانها، أومن خلال إخفائها، فإن استخلاص ملاحظات أساسية حول المؤتمر يصبح ممكنا. وسنحاول أن نقوم هنا برصد أبرز هذه الملاحظات، وكلها ملاحظات غريبة عن أصول المؤتمرات، ومستهجنة في عالم النقاش السياسي العادي، وتصبح مستهجنة أكثر في عالم النقاش حول مصير شعب وقضية.

ملاحظتنا الأولى حول عضوية المؤتمر: فهي كانت عضوية مجهولة، وكانت خاضعة للإضافة والحذف حتى لحظات المؤتمر الأخيرة. فكل كتلة، أو كل طامح لعضوية قيادة الحركة في الضفة الغربية كان يتقدم بلائحة أسماء يطلب إضافتها، من أجل أن يزيد في عدد المؤيدين له. وبديهي أن عضوية مفتوحة لأي مؤتمر حركي تنظيمي هي عضوية مشكوك فيها، عضوية يتم ترتيبها سلفا من أجل الوصول إلى نتائج محددة سلفا. وللأسف فإن من بدأ هذا النهج هو رئيس حركة فتح محمود عباس، حين ألغى اللجنة التحضيرية للمؤتمر، التي كانت تعقد جلساتها في عمان، واستبدلها بلقاء تمت الدعوة إليه في رام الله برئاسته، وجرى فيه فتح باب تغيير العضوية، ومن دون تحديد، والاكتفاء بصيغة من 1200 ـ 1600 عضو، بينما وصل أعضاء المؤتمر المجتمعون إلى 2250 عضوا. كما أن الأعضاء الذين لم تسمح لهم إسرائيل بالحضور، لأسباب أمنية أو لأسباب متعمدة تتعلق بالعقبات الإدارية المدروسة، مثل التأخر المتعمد في تقديم طلباتهم، قد تم استبدالهم فورا بأعضاء من الداخل يشايعون هذه الكتلة أو تلك. وكانت النتيجة أن الشك بعضوية المؤتمر، وبشرعية هذه العضوية بالتالي، أصبح مفتوحا أمام كل من يهمه الأمر.

الملاحظة الثانية تتعلق بوثائق المؤتمر: فأي مؤتمر يعقد، سواء كان مؤتمرا لاتحاد الطلاب، أو لنقابة عمالية، أو لاتحاد مهني، تكون مهمته الأساسية أن يقدم لأعضائه تقريرا (أو مجموعة تقارير). التقرير الأساسي يسمونه التقرير الأدبي، أو التقرير السياسي. ثم يليه التقرير المالي، ثم يليه التقرير الإداري. وتكون مهمة المؤتمر محاسبة المسؤولين بناء على تلك التقارير، ويجري تثبيت القيادة القديمة، أو انتخاب قيادة جديدة بناء على تلك المناقشة، وبناء على ما يرد في المناقشة من حساب. وقد كانت حركة فتح نشيطة في هذا المجال، حتى إنه تم إعداد خمسة أو ستة تقارير سياسية، كان يفترض أن يكون واحد منها هو التقرير السياسي الأساسي، الذي يعرض على أعضاء المؤتمر للمناقشة. ولكن الأمور جرت عكس ذلك تماما، فقد تمت تنحية كل هذه التقارير، وانعقد المؤتمر دون تجهيز أي تقرير جديد، وألقى رئيس حركة فتح محمود عباس، خطابا حدد فيه مواقف أساسية ومواقف أخرى عامة، ثم تم الإعلان في اليوم التالي، وسط ضجة كبيرة بين الأعضاء بسبب عدم حصولهم على أي تقرير للمناقشة، أن خطاب الرئيس عباس هو التقرير السياسي الأساسي أمام المؤتمر. ولم يفعل هذا الإعلان إلا أن زاد من غضب أعضاء المؤتمر، وجرى نقاش حاد وصل حد الملاسنة بين بعض الأعضاء وبين الرئيس. ولكن، ومهما كان نوع الآراء والانتقادات التي قيلت، فإن مؤتمر فتح انعقد من دون تقرير سياسي. وتحول المؤتمر بذلك إلى نوع من اللقاء الجماهيري، يقول فيه كل عضو ما يعن له وما يريد أن يقوله.

الملاحظة الثالثة تتعلق بدور رجال الأمن في المؤتمر: في سياق الجدل المحتدم بين الأعضاء والرئيس، بادر رجال الأمن إلى الاعتداء بالضرب على أعضاء بارزين في المؤتمر (بإشارة من أحد أو حسب اجتهادهم)، وبعضهم من المؤيدين سياسيا للرئيس عباس. وهكذا تم الاعتداء بالضرب على اللواء توفيق الطيراوي، إلى حد نقله إلى المستشفى، حيث خرج وذراعه مربوطة إلى رقبته. كما تم الاعتداء بالضرب على العميد أبو أحمد الشيوخي، وهو في الخامسة والسبعين من العمر، والعميد ماجد حيمور القادم من الأردن، ونقل هو أيضا إلى المستشفى.

لقد تم حادث الضرب هذا، بينما يمتلئ الشارع في كل مدن الضفة الغربية، بالحديث عن أساليب العنف والضرب، التي يستعملها رجال الأمن الفلسطيني ضد المواطنين، وضد المعتقلين، حتى إن البعض بدأ يتحدث عن نظام بوليسي يتم بناؤه من خلال السلطة الفلسطينية. وحين تصل الأمور بهذا النوع من رجال الأمن إلى الاعتداء على أعضاء مؤتمر سيقرر مصير القضية الفلسطينية، فإن الحادث يصبح خطير الدلالة، ليس بسبب الضرب فقط، بل لما يعنيه الحادث لكل عضو، فمن يفكر بالاعتراض أو الاحتجاج فعليه أن يتطلع بعينيه أولا إلى رجال الأمن المحيطين به، ثم يقرر ماذا سيتكلم. نشير هنا أيضا إلى أن هذه هي المرة الأولى في تاريخ حركة فتح، والمرة الأولى في تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية، التي يقع فيها حادث من هذا النوع، وهو أمر قد تكون له دلالته في المستقبل.

الملاحظة الرابعة حول مشاركة أعضاء غزة: لقد ثار جدل عنيف ومتواصل، ولم يحسم حتى اليوم الأخير من المؤتمر، حول كيفية مشاركة تنظيم غزة في انتخابات الهيئات القيادية. ولا يهمنا هنا أن نقف أمام تفاصيل المناقشات، ولا أن نقف أمام الحجج قويها أو ضعيفها، ولا أن نعرف أسباب الدعوة لمشاركة أعضاء غزة بالانتخابات أو تأجيل مشاركتهم. المهم أنه في النقاش الذي دار، جرى حديث عن عدد محدد من الأعضاء، سيكون لقطاع غزة في اللجنة المركزية العليا (20 ـ 23 عضوا)، وعدد آخر محدد من الأعضاء، سيكون لقطاع غزة في المجلس الثوري (130 ـ 150 عضوا). لقد أفرز هذا النقاش مبدأ (الكوتا) في الهيئات القيادية. مبدأ الكوتا هو أفضل وصفة لتقسيم تنظيم متحد. ومبدأ الكوتا هو أفضل وصفة لتقسيم شعب واحد متحد. وغريب على من ينتقد حركة حماس بحجة أنها قسمت الوطن، أن يلجأ إلى منطق الكوتا، الذي يصل إلى الهدف نفسه. إن فكرة الكوتا دخيلة على حركة فتح. وبسبب ذلك فإن كل من تحدث عنها في المؤتمر، أقر بالصيغة ولكنه رفض استخدام كلمة (كوتا)، ونسي هؤلاء أن المشكلة ليست في الكلمة، إنما هي في الصيغة حين توضع موضع التنفيذ.

الملاحظة الخامسة حول القيادة الجديدة: لقد أنجزت قيادة فتح المؤسسة عملا تاريخيا يسجل لها كما يسجل لشعب فلسطين. وكان من جملة إنجازات قيادة فتح، أنها أنتجت جيلا قياديا شابا مناضلا، خاصة في المناطق التي احتلت عام 1967. وهذا الجيل القيادي الشاب كان له إسهامه الكبير في تفجير الانتفاضتين الأولى والثانية. ولكن ما حدث بعد أوسلو كان أمرا عجبا، فبدلا من أن تفتخر حركة فتح بجيلها القيادي الشاب، سدت عليه طرق الوصول إلى المناصب القيادية الأولى، كما استثنته (عملا بتقاليد مرحلة الثورة المسلحة) من المشاركة في صنع القرار السياسي. وكان طبيعيا أن يولد هذا الوضع معركة خفية ثم علنية بين الطرفين. وكان هذا خطأ أساسيا من الأخطاء التي ارتكبتها حركة فتح بحق نفسها. ولكن خطأ كبيرا ومماثلا حدث في الجانب الآخر الشاب. فبدلا من أن يطالب هؤلاء الشباب مثلا بتغيير النظام الداخلي للحركة، مما يتيح لهم فرصة الارتقاء التنظيمي، بدأوا يرفعون شعارات خاطئة ومخربة. أحيانا يتحدثون عن «أهل تونس»، وأحيانا يرفعون شعار «حرب الأجيال»، وأحيانا يرفعون شعار «الداخل والخارج»، وأحيانا يتحدثون عن «قيادة الزهايمر». وأدى هذا إلى أن تدور المعركة التنظيمية حسب قواعد ليست صحيحة أبدا. ومن جهة أخرى، فإن هذه القيادات الشابة لم تدعم تحركها انطلاقا من موقف سياسي تعبر عنه. فهي لم تنتقد الموقف السياسي داعية لموقف جديد، وهي لم تطور الموقف السياسي داعية للأخذ بهذا التطوير، وأدى هذا كله إلى إضعاف معركة الشباب. الإنسان لا يحارب قائدا لأنه أصبح كبيرا في السن، يحاربه إذا كان موقفه خاطئا. والإنسان لا ينتخب شابا في القيادة لأن مؤهلاته هي فقط صغر السن، فهناك أيضا فاسدون وهم صغار في السن.

وحين يجري الحديث الآن عن انتخاب قيادة جديدة لحركة فتح، نصفها على الأقل، إن لم نقل الثلثين (حسب تعابير الشباب في المقابلات التلفزيونية)، من الجيل الجديد، فإنهم مطالبون بالتفكير بهذه القضايا، لأن الأعضاء والجمهور سيحاسبهم على الإنجازات، ولن يتوقف كثيرا عند كبر السن أو صغره.



الجريمة والعقاب اا
بقلم : علي رحالية
- صحفي بجريدة الخبر الأسبوعي

منذ أربع سنوات تقريبا، كتبت شيئا يشبه المقال عنوانه ""الجريمة والعقاب"" في يومية الشروق، أيام كانت إدارة التحرير تحت إشراف أخينا نصر الدين قاسم.. لم يكن اختيار العنوان لسهولته أو نوعا من الكسل الثقافي والمعرفي، بل لأنني لم أجد أفضل من عنوان ""الجريمة والعقاب"" (وهو عنوان رواية للكاتب الروسي الكبير ديستويفسكي) ليلخص ويعكس الموضوع الذي كتبت.. وهو عبارة عن مقارنة منطقية بسيطة بين قرار محكمتين جزائريتين، الأولى في الشرق والثانية في الوسط.. القرار الأول يتعلق بشاب من أحد الدواوير الضائعة والمضيعة بولاية الطارف.. وقصة ومصيبة ومحنة هذا الشاب غير المحظوظ على الإطلاق كغيره من مئات الآف من شباب هذا البلد و لأسباب يطول شرحها.. تتلخص في ما يلي.. لاحظ شابنا ""المزلوط"" وجود بقرة ناصعة البياض عند أحد سكان الدوار.. هذا البياض غير العادي حرك بداخل رأسه الصغير فكرة شيطانية صغيرة.. وبعد التفكير، مر إلى التخطيط.. وبعد التخطيط، مر إلى التنفيذ.. وتحت جناح الظلام، وكاي لص محترم ودون أن يتسبب في إزعاج أو إيذاء أي أحد، تسلل إلى الإسطبل.. مشى على رؤوس أصابع قدميه.. سحب البقرة الناصعة البياض برفق وهدوء، ثم أخذها إلى مكان بعيد.. وهناك وبعيدا عن الأعين، أحضر فرشاة ودلو مملوء بدهان أسود وراح يرسم ويتفنن.. لقد أضاف وبإتقان دوائر ونقطا سوداء على الجلد الناصع البياض للبقرة، حتى بدت وكأنها بقرة هولندية.. كانت تشبه إلى حد ما تلك البقرة المرسومة على غلاف علبة شكولاطة ""ميلكا"" السويسرية!.. فبفضل هذه الحيلة وهذه الجنسية الجديدة المنتحلة، سيتمكن من بيعها في سوق المواشي بسعر بقرة مستوردة.. ""بقرة تاع الهيه""، وليس ""بقرة جربانة وجيعانة تاع أهنا""!.. وذهب صاحبنا إلى السوق والبقرة تتبعه.. وهناك حدث ما لم يكن في الحسبان.. سقطت الأمطار، فزال وسال اللون الأسود، فاكتشف أمر اللص الفنان!
أمام محكمة الطارف، اعترف السارق بكل شيء.. في تلك الجلسة، طالب النائب العام في مرافعته بتسليط عقوبة أربع سنوات في حق سارق البقرة الناصعة البياض، لتخليص المجتمع من اللص الخطير!.. بعد المداولات، حكمت المحكمة على سارق البقرة الناصعة البياض بثلاث سنوات سجنا نافذة وكذا ألف دينار تدفع للضحية.. أي لصاحب الضحية. أما البقرة، أي الضحية، فقد حكم لها بالعودة إلى الإسطبل معززة مكرمة.
في نفس الأسبوع من نفس الشهر من نفس السنة، أصدرت محكمة جنايات مجلس قضاء العاصمة مساء يوم الثلاثاء 26 أفريل 2005 حكما بالسجن النافذ لمدة ثماني سنوات في حق والي ولاية وهران السيد بشير فريك، وغرامة مالية قدرها خمسون مليون سنتيم.. لأن تقرير الخبرة الجزافية قد قدر القيمة الجزافية للأموال المبددة من طرف الوالي السابق بتسعة عشر مليارا!
والسؤال المنطقي البسيط الذي طرحته كان.. ما هي المعايير والمقاييس والأسباب والمبررات القضائية والقانونية.. وما هو نوع هذا المنطق والعدل الذي يرمي بسارق بقرة لن يتجاوز سعرها مهما كانت قيمتها، مبلغ العشرين مليون سنتيم، في سجن لمدة ثلاث سنوات وسجن آخر لمدة ثماني سنوات، وقد تسبب في ضياع تسعة عشر مليارا كاملة؟!.. فبعملية حسابية بسيطة، يكون السيد الوالي قد بدد وضيع قيمة 950بقرة ناصعة البياض، إذا اعتبرنا أن سعر البقرة الواحدة هو 20 مليون سنتيم. وإذا كانت عقوبة سارق البقرة الواحدة هو ثلاث سنوات، كما هو حال شاب ولاية الطارف، فالمنطق والعدل يحتمان ويفرضان أن تحكم محكمة العاصمة بسجن الوالي لمدة 2850 سنة، وليس ثماني سنوات؟!
*********
تذكرت البقرة الناصعة البياض.. وتذكرت وليد الطارف.. وتذكرت الوالي السابق والحكم في القضيتين، وأنا أتابع محاكمة المدعو عاشور عبد الرحمان رياض، ""إمبراطور السراب وملك الشركات الوهمية""، على حد وصف إحدى الصحفيات.. عاشور المتهم بلحس وسحب 3200 مليار من البنك الجزائري، وهو المبلغ الذي ""لا تتسع له أربع قاعات كبيرة""! و""يعادل ويمثل ""رواتب وأجور 6500 موظف وعامل لمدة 45 سنة""! باستعمال ألفي شيك تقريبا، قيمة الشيك الواحد في حدود المليارين كل ثماني وأربعين ساعة؟!.. ومع كل هذا، ولا واحد شاف! ولا واحد سمع! ولا واحد شم هذه الفضيحة الكارثية النتنة؟!.. و لتفجير الفضيحة، كان لا بد من رسالة تقول عنها كل التقارير الصحفية وتصفها بالرسالة ""المجهولة""؟!.. على حد علمي المتواضع، فالرسالة ليست ""مجهولة"" إلى هذا الحد، فالمرسل لم يكن إلا ""مدير شبكة الاستغلال بالبنك الوطني الجزائري وكالة القليعة""، أرسلها إلى""السيد عميد قضاة التحقيق بمحكمة الشرافة"".. طبعا، هذه المعلومة ليست مأخوذة من ملفات مخابرات الجنرال توفيق ولا استعلامات يزيد زرهوني، بل من الصحافة الوطنية ومن أسبوعية ""المحقق"" بالذات العدد 83 في أكتوبر2007!
وبعد أحد عشر يوما من المحاكمة والمداولات، نطق القاضي بالحكم.. 18سنة نافذة في حق عاشور عبد الرحمان رياض في قضية لحس وتحويل 3200 مليار سنتيم!
تذكروا جيدا هذا الحكم وكل الأرقام المتعلقة بالقضية، لأننا سنعود إليها بعد حين. ولننتقل من محكمة الجنايات بالعاصمة إلى محكمة الرويبة مع فارق زمني قدره سنتين.. ففي نهاية شهر أفريل 2007 ""أدانت محكمة الرويبة المدعو (ب.ز)، المتهم بالسرقة، بثلاث سنوات سجنا نافذا.. وتعود وقائع القضية إلى الأيام القليلة الفارطة، حيث سرق المتهم حذاء أحد المصلين بمسجد الرويبة.. وفي جلسة المحاكمة، اعترف المتهم بالتهمة المنسوبة إليه""!.. سارق الحذاء اعترف بأنه سرق الحذاء لأنه كان فعلا بحاجة إلى ثمنه، لأنه رب عائلة وظروفه الاجتماعية المزرية لا تهم لا رئيس البلدية ولا الوالي ولا جمال ولد عباس ولا أويحيى!.. إذا، المتهم سرق من أجل الخبز والحليب لأبنائه. لكن، لماذا سرق عاشور، وماذا فعل بالمال المسروق؟.. ففي اليوم السابع لجلسة المحاكمة، قال النائب العام ""أموال البنك صرفها عاشور وشركاؤه في الملاهي""!.. يعني على ""الزهو"" وما شابه ذلك.. وقد شاهدت شخصيا شريطا مصورا وبالألوان لإحدى جلسات ""الزهو"" تلك.. الجلسة الأولى كانت في ملهى ""السلطان"" برياض الفتح، لم يكن عاشور لوحده بل مع شلته وشلة فنانة الجزائر فلة عبابسة التي رقصت و غنت لعاشور.. ""ويقولوا الهوى""، و""صعبان علي""، و""تشكرات أفندي""، وغنت له حتى أغنية فرانك سيناترا ""طريقي"" وبالإنجليزية طبعا، وسي عاشور يصفق ويردد ""برافو.. برافو""!.. أما الجلسة الثانية، فكانت بإحدى غرف الشيراتون أين كانت تستعد لإحياء حفلة.. وقد صادف ذلك يوم عيد ميلاد عاشور، الذي لم تبخل عليه فلة لا بالهدية ولا بالمدح والتفشاش.. ""عاشور عمري وحنوني"".. ""عاشور رفعني إلى السماء"".. ""ربي يخليلي عاشور""!.. وعاشور يرد ""إنشاء الله.. إنشاء الله"".. ولكن الله لم يستجب لدعائهما!.. المهم.. لحس عاشور 3200 مليار، وكان الحكم والجزاء 18 سنة سجنا.. وسرق (ب.ز) حذاء، وكان الحكم 3 سنوات سجنا مع ملاحظة هامة، وهي أن سارق الحذاء لم يضر إلا مواطنا واحدا.. وبالمقابل، زلزل عاشور اقتصاد دولة.. لذلك، فالعدل والمنطق كما أفهمه أنا والناس من أمثالي يقتضي حكما آخر في قضية عاشور.. فإذا فرضنا أن ثمن الحذاء المسروق 500ألف سنتيم وكانت عقوبته 3 سنوات سجن، فمن هذا المنطلق، كان من المفروض أن يحكم على عاشور الذي لحس 3200 مليار.. بتسعة عشر ألف ومائتي سنة سجنا!.. هذا هو العدل الذي نفهمه ونريده ونطالب به اليوم وغدا وبعد غد..



قضية رهبان تيبحيرين.. نتيجة أخرى لابتعاد السلطة عن الشعب
خضير بوقايلة -
كاتب وصحافي

'فتنة' جديدة اشتعلت بين الجزائر وفرنسا إثر إفادة أدلى بها جنرال فرنسي متقاعد أمام قضاء بلده مفادها أن الرهبان الفرنسيين السبعة الذين ماتوا مغدورين في الجزائر سنة 1996 كانوا في الحقيقة ضحية عملية عسكرية للجيش الجزائري نفذها عن طريق الخطأ، وهي رواية تعاكس تماما الرواية الرسمية عند الجانبين والتي تقول إن الرهبان قُتلوا على يد الجماعة الإسلامية المسلحة وباعتراف رسمي وموثق منها.
الجنرال الفرنسي فرانسوا بوشوالتر قال لقاضي التحقيق إنه كان منذ ثلاث عشرة سنة ينام على حقيقة مغايرة تماما لتلك المسلم بها عند الجزائريين والفرنسيين، والآن وقد صحا ضميره فإنه قرر أن يدلي بشهادته وهي أن مروحية عسكرية جزائرية أطلقت النار على مخيم في منطقة المدية (جنوب العاصمة الجزائر) وكانت تعتقد أن فيه عناصر إرهابية، لكنها لما نزلت للتعرف على القتلى تبين لها أنهم رهبان دير تيبحيرين السبعة الذين اختطفتهم جماعة مسلحة في شهر آذار (مارس) 1996. الجنرال بوشوالتر، الذي كان وقتها ملحقا عسكريا لدى السفارة الفرنسية بالجزائر، فضل التستر على المصدر الذي استقى منه حقيقته المرعبة، لكنه قال إن ضابطا عسكريا جزائريا أخبره أن أخاه العسكري الآخر كان ضمن الفرقة التي كانت في المروحية.
إفادة الجنرال أقامت القيامة في جل وسائل الإعلام الجزائرية، في حين لزمت السلطات الرسمية الجزائرية صمت القبور، حتى أن وزير العدل عندما سئل عن رأيه في الموضوع رد بكل بساطة أنه لم يسمع ولم يقرأ شيئا ولا علم له بما قيل وما كُتب (لعله كان في إجازة). أما الجانب الفرنسي فقد تلقف هذه المعلومة الخطيرة بسرعة حيث أعلن الرئيس ساركوزي أن التحقيق سيأخذ مجراه إلى حين ظهور الحقيقة وأنه لن يكون هناك أي تكتم أو سر عسكري في القضية، وهو تقريبا ما أكدته وزيرة العدل ميشال آليوماري.
تعاليق الإعلام الجزائري أنكرت في البداية على الجنرال أن يقول ما قاله بعد مرور ثلاثة عشر عاما على الحادثة وكأن الحقيقة في جرائم مماثلة تسقط بالتقادم. ثم قيل إن الجنرال الفرنسي معروف بمشاغباته وإنه يريد من وراء ما قاله أن يوجه نحوه الأضواء ويكتسب شهرة بعد أن صار وحيدا في تقاعده. وتحدث الجميع عن محاولة فرنسية لتصفية حسابات سياسية مع الجزائر التي تطالب من سنين فرنسا بالاعتراف بجرائم الحرب التي ارتكبتها ضد الجزائريين خلال أزيد من قرن من الاحتلال، وقيل أيضا إن خرجة الجنرال بوشوالتر وردود الفعل الرسمية عليها إنما هي تعبير عن غضب فرنسي من توجه الجزائر إلى عقد صفقات عسكرية مع ألمانيا بدل فرنسا الوصية على مستعمرتها السابقة، وقيل أيضا إن إفادة الجنرال الفرنسي إنما هي حرب بين جناحين في الجيش الفرنسي، أو إنها كانت بإيعاز من جماعة ساركوزي لتوريط معسكر الرئيس السابق جاك شيراك الذي وقعت الواقعة في عهده. وقيل أيضا إنها جاءت للتغطية على فضيحة حدثت في كراتشي بباكستان سنة 2002 عندما قُتل 11 فرنسيا في انفجار مسلح نُسب إلى القاعدة حينها، في حين أن المعلومات تفيد أن الأمر يتعلق بتصفية حساب بين الفرنسيين وأطراف في المخابرات الباكستانية على خلفية عمولات عن صفقة غواصات.
ولدحض ادعاء الجنرال الفرنسي المتقاعد دُعي أحد مؤسسي الجماعة الإسلامية المسلحة عبد الحق لعيايدة للإدلاء بشهادته، وقد تحدث لصحيفة 'الخبز الجزائرية وتدخل في برنامج لتلفزيون (فرانس 24) وأكد أن الرهبان قُتلوا على يد عناصر جماعته التي كان يرأسها آنذاك جمال زيتوني. وحمّل لعيايدة الفرنسيين مسؤولية مقتل الرهبان لأنهم حاولوا تجاوز السلطات الجزائرية بفتح قناة تفاوض سرية مباشرة مع ممثل عن أمير الجماعة الإسلامية المسلحة، لكن سرعان ما تبين للمسلحين أن الفرنسيين يحاولون التجسس عليهم فسارعوا إلى وقف المفاوضات وتصفية الرهبان. وأكد لعيايدة، الذي كان وقتها في السجن بعد أن تسلمته الجزائر من السلطات المغربية، أن قتلة الرهبان هم جماعة زيتوني وقال 'أنا واثق من قصة الرهبان السبعة.. لقد التقيت في ما بعد حتى من شاركوا في الاختطاڤ. لكن المؤسف في شهادة لعيايدة أنه لم يلتق أيضا الذين شاركوا في القتل، وإلا لكفى السلطات الجزائرية الآن شر الرد على ادعاأت الجنرال الفرنسي، غير أن ذلك لا يزال ممكنا، حيث يمكن للشاهد الواثق من القصة أن يستدعي واحدا أو أكثر من الذين شاركوا في الاختطاف ليكشفوا عن أسماء زملائهم الذين نفذوا حكم الإعدام في الرهبان ويروا تفاصيل العملية ليتأكد الجنرال أن ما قاله أو ما سمعه من زميله الجزائري لم يكن إلا وهما كبيرا لا داعي للاستمرار فيه. وقد يساعد في هذه المهمة القيادي السابق في الجماعة الإسلامية المسلحة عمر شيخي الذي أكد لصحيفة 'الشروڨ الجزائرية في عددها الصادر (أمس الثلاثاء) أن أفرادا من الكتيبة الخضراء التابعة للجماعة الإسلامية المسلحة هم الذين نفذوا العملية وأنه التقى بعضهم، مضيفا أن هؤلاء كانوا مجرد منفذين تلقوا أمرا بالاختطاف فنفذوه، ثم تلقوا أمرا بالقتل ففعلوا. طبعا لو تقدر السلطات على العثور على هؤلاء أو على الأقل على أحدهم للإدلاء باعترافاتهم فإن الملف سيطوى وسيموت الجنرال بوشوالتر بغيظه.
ولم تكن التفسيرات السابقة لخلفية تحرك الجنرال بوشوالتر في هذا الوقت الوحيدة التي تداولتها وسائل الإعلام، بل حاول آخرون أن يجدوا رابطا بين أقوال الجنرال وما يقال إنه صراع بين أقطاب السلطة في الجزائر حول مشروع العفو العام عن بقايا الجماعات المسلحة، صراع بين الجناح المتشدد الرافض لأي خطوة أخرى باتجاه المصالحة الوطنية وبين جناح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي تحدث في حملته الانتخابية عن إمكانية إقرار عفو عام عن المسلحين ووضع لذلك شروطه. وذهب البعض إلى حد القول إن الحجرة التي أطلقها الجنرال الفرنسي المتقاعد في مياه هذه القضية الساكنة إنما كانت بإيعاز من جناح في أعلى هرم السلطة الفرنسية لإحراج صقور الجيش الجزائري وإجبارهم على تقديم تنازلات إضافية والقبول بخيار الخطوة الحاسمة في ملف المصالحة الوطنية، واستند مقدمو هذا التفسير على صمت الرئيس بوتفليقة حول هذه القضية لتأكيد صحة وجهة نظرهم، مع أن الجميع يعلم أن بوتفليقة لم يكن وقت الحادثة رئيسا بعد.
هل ستكون قضية رهبان تيبحيرين آخر ملف يُفتح حول الأزمة الدموية التي عاشتها الجزائر؟ وهل سينسى الجزائريون يوما حكاية (من يقتل من؟) التي راجت قبل سنوات وصار الناس يشكون في كل شيء وفي أي شخص، ذلك أن نظرية مثل هذه يمكنها بسهولة أن تحوّل الجاني إلى مظلوم والضحية إلى جلاد والتبريرات متوفرة طبعا والشهادات أيضا. المشكلة في كل هذه الفوضى الكلامية تعود في أساسها إلى سوء تعامل السلطات الجزائرية منذ البداية مع الأزمة بشفافية وحكمة، كما أنها تجاوزت الشعب واستأثرت لوحدها بتسيير أكبر محنة عرفها البلد واختارت لذلك رجالا ونساء أقل ما ينطبق عليهم هو المثل القائل (عدو عاقل خير من صديق جاهل). فهل يملك هؤلاء الآن القدرة على إخراج الجزائر من عنق الزجاجة أم أنهم سيواصلون تهميشهم للشعب والتفكير بدلا عنه والنيابة عنه في اختيار ما يناسبه وما يرى أنه الأليق به؟




 
عاشت الجزائر أياما من فرحة مسكرة وموجة نشوة عارمة بعد أن حقق منتخب الجزائر لكرة القدم نصرين تاريخيين بمناسبة تصفيات التأهل إلى نهائيات كأسي إفريقيا والعالم. الفوز الأول كان على المنتخب المصري في الجزائر بنتيجة عريضة والثاني على فريق زامبيا في ملعب الموت الزامبي، كما يسمى. كان ذلك كافيا لكي تهتز الجزائر من أقصاها إلى أقصاها فرحا وابتهاجا ويصل الصدى إلى دول أخرى حيث تعيش الجالية الجزائرية. شوارع المدن والقرى الجزائرية عاشت أياما وليالي ترقص وتزغرد وتغني و(تضرب) البارود.
كانت تلك فرحة طبيعية ولحظة نشوة طالما انتظرها الجزائريون الذين تكالبت عليهم النوائب والكوارث من كل صوب، حتى أن كثيرا منهم نسي لسنوات عديدة كيف يبتسم وكيف هو شكل الوجه الفرح. الإرهاب من جهة والفساد والظلم والتسلط من جهة ثانية وما نتج عن ذلك من يأس ونقمة وإحباط. وقد رافق وصول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم سنة 1999 خيط أمل في تغير الأوضاع وحول حال الجزائريين نحو الأحسن وصدّق كثير من الجزائريين أن بوتفليقة يختلف عن باقي رجال الحكم الذين سبقوه وأنه قادم ليعيد الأمور إلى نصابها ويحقق لشعب البلد ما كان يحلم به من استقرار وعيش كريم وعدالة اجتماعية، لكن سرعان ما تبيّن أن الخيط كان قصيرا وأن جذوة الأمل خبت قبل أن يراها كل الجزائريين ورغم محاولات المتزلفين النفخ فيها لتبقى متقدة. وبما أن فاقد الشيء لا يعطيه، فقد فشلت جميع محاولات النظام إيهام الناس أن الخير صار عميما عليهم وأن الأمور تغيرت ولم تعد كما كانت من قبل وأن الأزمة المتعددة الأوجه قد ودّعت إلى غير رجعة.
عجز الرئيس بوتفليقة وكل أركان النظام الأخرى أن يعيدوا للجزائريين ابتسامتهم الصادقة ويزرعوا في نفوسهم بذرة أمل يخرجون بها من أجداث الحرمان (بكل أشكاله) والقهر واليأس التي سكنوها عقودا طويلة. ولم تفلح المليارات التي صُرفت ولا الخطب الرنانة ولا الوعود المعسولة إلا في رسم صورة مصطنعة للجزائر، وكانت المساحيق والترقيعات تزول مع أول دمعة تنزل من مقلة أم فقدت ابنها المغدور برصاص جماعات الموت أو في أعماق البحر المتوسط وهو يحاول الهرب من جحيم بلده إلى جنة الأوهام على الضفة الأخرى من البحر المتوسط أو منتحرا أو مدمنا.
يتمنى المرء أن يصدّق أن الجزائر صارت فعلاً كما يصوّرها فخامته ورجاله، بلد استعاد عافيته تماما وعاد قويا وكلمته في المحافل الدولية مسموعة ومدوية، وشعب يرفل بالراحة والأمان ولم يعد يذكر من سنوات الدم والقهر شيئا. برامج ومخططات الحكومة تزخر بالمنجزات المشهودة (والخير للقدام)، ملايين المساكن ومناصب الشغل والمدارس والجامعات والعطايا الأخرى. إنجازات يُفترض أن يفتخر بها كل جزائري أو يسكت إن كان في قلبه حقد ذاتي على النظام وأهله، لولا أن واقع الحال غير ما يُفترض أن يكون. هل توقف هدير محركات قوارب الموت الحاملة لشباب وشابات وحتى شيوخ الجزائر إلى أوروبا؟ هل خمدت نار الفتنة وصمتت الأسلحة والقنابل وصار الجزائريون وقوات الأمن المختلفة آمنة من غدر جزائريين آخرين يعيشون كالخفافيش هنا وهناك؟ هل خلت أعمدة الصحف المحلية من أخبار الجزائريين الذين يقررون في لحظة يأس وطيش إنهاء حياتهم بطرق غريبة وعجيبة؟ هل أصبح الجزائريون يثقون فعلا في أن قضاء بلدهم قوي ونزيه وأن سيف محاربة الفساد والظلم يطيح بكل فاسد وظالم حيثما كان ومهما كان وضعه؟ أسئلة لا يمكن أن يجيب عنها إلا الجزائريون أنفسهم، وقد لا تحتاج إلى جواب إذا نظر المرء حواليه. بين واقع الحال والحال الذي يحاول النظام وأدواته تقديمه، هناك نتيجتان اثنتان لا ثالث لهما، فإما أن الشعب الجزائري اليائس والناقم غير واع وغير مقدِّر لما تبذله حكومته من أجله وإما أن الحكومة قد (قصدرت) وجهها ولم يعد يهمها أن تسمي الثعبان خروفا، بل وترفض من الآخرين أن يروه ثعبانا أو يهربوا منه أو حتى أن يحاولوا التخلص منه.
وها هو الفوز المزدوج للفريق الجزائري لكرة القدم جاء ليثبت أن النظام نفسه لم يكن مصدّقا تهيؤاته وتخاريفه وأن الجزائريين لا يزالون بحاجة إلى بسمة وفرحة تنسيهم معاناتهم وهمومهم التي تلازمهم منذ سنين طويلة. كان طبيعيا أن يراسل الرئيس الجزائري الفريق قبل المباراة الأولى والثانية ليطلب منه الاجتهاد لتحقيق نتيجة إيجابية وأن يراسله بعد الفوز مهنئا وشاكرا له فوزه الذي أسعده وأسعد كافة الشعب الجزائري، فهذا ما يفعله كثير من الرؤساء ولا ضير في ذلك طبعا. لكن أن يتعدى الأمر رسائل الرئيس أو وزير الشباب والرياضة إلى زعماء أحزاب التحالف وإلى مختلف الوزراء (بمن فيهم وزير الشؤون الدينية الذي أخبرنا مدرب الفريق أن معاليه اتصل به وهنأه كثيرا على الفوز) فهذا من شأنه أن يغيّر الحكاية من مجرد فوز رياضي لفريق وطني إلى قضية سياسية ذات مآرب انتهازية.
السياسيون أرادوا ركوب الموجة واستغلال فرحة رياضية لتحويلها إلى نصر سياسي مبين يطيل عمرهم ويمنحهم قبولا أمام الجزائريين. وقد شاهد الجميع كيف تطورت الأمور وتحوّل تلفزيون الحكومة إلى منبر يصدح'في كل نشراته الإخبارية بالفوز الكاسح للمنتخب الجزائري وبالفرحة العارمة التي عمّت مدن الجزائر وقراها، تغطية تجاوزت إطارها الرياضي بكثير، حتى أن المدرب الوطني رابح سعدان تحوّل إلى بطل قومي وإلى نجم الشاشة والمحطات الإذاعية الرسمية (كلها رسمية)، وضع لا شك أن كثيرا من الوزراء، بل حتى فخامته نفسه، يحسدونه عليه. كيف لا وهو الوحيد الذي استطاع أن يرسم على وجوه كثير من الجزائريين فرحة حقيقية لا يشوبها نفاق ولا انتهازية ولا تصنّع ولا غدر ولا مكر ولا خبث.
لي صديق عزيز من أفقه الناس في مسائل الرياضة ومن المتابعين الدؤوبين للشأن الرياضي، إلا أن سلوكه سرعان ما يتغير عندما يتعلق الأمر بمقابلة يستعد الفريق الوطني أو أي ناد جزائري لخوضها ضد منتخب أو ناد أجنبي، في كل مرة أجد هذا الصديق (ولنسمه عبد القادر) يدعو الله من قلبه أن لا يفوز ممثل الجزائر مهما كانت المنافسة. نعم، عبد القادر هذا جزائري ورياضي من الدرجة الأولى، لكنه عكس السواد الأعظم من الجزائريين يفرح كثيرا عندما ينهزم الفريق الجزائري ويغضب عندما يفوز، وكم تمنّيت أن أرى وجهه وأشبال سعدان يسجلون الفوز تلو الفوز. لكن علينا أن نعترف أن دعواته كانت مستجابة لسنوات طويلة، ربما كان معه آخرون يشاطرونه نفس الأماني. لكن العجب من هذا السلوك سرعان ما يزول عندما تعلم أن عبد القادر الجزائري هو أيضا متابع للشأن السياسي في بلاده ومن شدة اهتمامه أنه صار يفهم كيف تدار اللعبة ويعرف أن هذا أو ذاك من السياسيين الجزائريين متى يقولون صدقا ومتى يكذبون. لهذا عندما تسأله عن سر مراهناته المستمرة على خسارة منتخب بلاده يرد عليك بسرعة أن الفوز يأتي بالفرح وأنه يرفض أن يفرح الجزائريون وهم يعيشون وضعا مزريا، لأن تلك الفرحة من شأنها أن تُفرح النظام وجعله يستفيد من فترة سماح جديدة، بينما المفروض فيه أن يتهاوى مثل ورقة الخريف أو يسقط مثل تينة نتنة. تماما مثلما كانت أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) طوق نجاة مدّه منفذوها لكثر من الأنظمة الفاسدة في المنطقة.
وقد رأينا كيف أراح فوز الفريق الجزائري على المنتخبين المصري والزامبي ساسة الجزائر وبعث فيهم الأمل من جديد بأن وقاهم شر استمرار حنق الشعب عليهم، وبما أن الرياضة تحولت إلى أفيون لشعوبنا فلا عجب أن نرى الأنظمة السياسية تستثمر فيها وتولي أصحاب الأرجل القوية اهتماما يفوق اهتمامها وحرصها على توفير وسائل عيش كريم لشعوبها، فهذا أسهل لها من جلب فرحة حقيقية وحلول مستدامة للأزمات التي تنغص حياة الناس وتدفعهم إلى يأس طال أمده. علينا أن ننتظر ونرى إن كان أشبال المدرب سعدان سيكملون فرحة النظام بفوزهم في المقابلات الأخرى ومن ثم تأهلهم إلى كأس العام أم أن الفرحة ستعود إلى مُحيا عبد القادر وأنصاره
!





واجه أحد رجال الدين مشكلة عويصة مع رجل يريد افتتاح دار للسينما. طلب الرجل لقاء رجل الدين لعرض القضية عليه فامتنع عن استقباله متذرعاً بضيق وقته وكثرة أشغاله، عل الطالب يصرف النظر عن مشروعه، غير أنه لم يتراجع وأخذ يمطر سكرتير رجل الدين برسالة تلو الرسالة إلى أن قرر استقباله وبعد أن استمع إلى تفاصيل مشروعه قال: حسنا. لقد وافقنا على ترخيص دار السينما لكن بشروط ثلاثة: الأول، هو ألا تعرض أفلاماً إباحية أو منافية لتعاليم الدين، والثاني، أن تقفل السينما في أوقات الصلاة وخلال الأعياد الرسمية، والثالث، أن يكون الدخول إليها مجانياً.

لا يختلف رد بنيامين نتنياهو على طلب أوباما الاعتراف بمشروع الدولتين عن رد رجل الدين المذكور فقد أكد في خطابه الأحد الماضي أنه يوافق على دولة فلسطينية منزوعة السلاح والسيادة جواً وبحراً ومصادر مياه بحيث باتت هذه “الدولة” مخفراً للشرطة يوفر الأمن والسكينة ل”شعب الله المختار”، على أن تعترف هذه الدولة المخفر بأن أراضي فلسطين التاريخية هي أرض لليهود وبأن الشعب الفلسطيني المبعثر في أربع بقاع العالم لم يكن يوماً في أرض “الميعاد”، وبالتالي تعالج قضيته خارج تلك الأرض. وأن تطوي الدولة العتيدة صفحة القدس الشرقية والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة. أما المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية فهي قائمة على “أرض “إسرائيل” التاريخية”، وبالتالي لا جدوى من البحث في مصيرها. وبما أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما لا يريد استيطاناً فليكن الأمر قاصراً على توسيع المستوطنات القائمة التي “تحتاج إلى التطوير” على حد تعبيره، والتطوير يعني أبنية جديدة ومستوطنين جدداً “مطورين”. هكذا على الدولة المخفر أن تصرف النظر عن حدود العام ،67 وعلى العرب أن يفتحوا أبوابهم أمام نتنياهو بلا شروط. بل عليهم أن يجعلوا الرساميل العربية تنهمر على العقول “الإسرائيلية” “الخلاقة” التي تنتج “رشاشات المياه الزراعية” والأدوية التي يحتاجها العالم. فيستفيد العرب منها بعد طول حرمان.

ينطوي خطاب نتنياهو المتغطرس على شقين كبيرين، الأول نفسي يعكس شعوراً طافحاً بالقوة واستغباء للعرب لا حد له وحاله كحال خطب “الأقدام السود” واحتقارهم للعرب طيلة عقود الاستيطان الفرنسي للجزائر.

والشق الثاني يتصل بتقليد معروف في السياسة “الإسرائيلية” يقضي بإبقاء الكرة في ملعب الفلسطينيين والعرب عبر اشتراطات تتناسب مع المزاج الغربي من نوع: أمن “إسرائيل” رهن بإلغاء المقاومة وكل مفرداتها ودساتيرها. لا يحق للعرب الحصول على أكثر مما يتيحه لهم ميزان القوى، فهم الأضعف وعليهم أن يقروا بضعفهم على طاولة المفاوضات عبر تنازلات لا متناهية، والرهان على الوقت للتخلص من الحرج الغربي إن وجد ومن ثم استكمال الاستيطان وتفريغ الأرض من أهلها، وأخيراً الاعتراف بيهودية الدولة الصهيونية.

يجدر الاعتراف بأن هذه الاستراتيجية كانت حتى عهد قريب فعالة جراء السذاجة السياسية العربية المعطوفة على نقص في الإرادة من جهة وعلى الخلافات الداخلية العصية على المساومة والاتفاق من جهة أخرى.

ولعل ما يخفى على نتنياهو أو مالا يريد التسليم به هو أن شطراً واسعاً من عرب اليوم أدرك مرة واحدة وإلى الأبد أن الكيان الصهيوني يمكن أن يقهر، وبالتالي يمكن الرد عليه بوسائله وهذا الشطر آخذ في الاتساع إلى حد قد يفاجئ الصهاينة تماماً كما فوجئ “الأقدام السود” في الجزائر الذين وصل تعنتهم وعجرفتهم إلى حد تدبير انقلاب عسكري فاشل ضد الجنرال شارل ديغول الذي أدرك مبكراً وجوب الرحيل عن أرض عربية كف أهلها عن الخضوع.

وإذ يعرض بنيامين نتنياهو دولة مخفراً على الفلسطينيين مقابل التخلي عن حقوقهم التاريخية بعد أن كفوا عن الخضوع يبدو في عرضه شاء أم أبى كمن يصب الماء في طاحونة التيار العربي والفلسطيني المقاوم الذي ما انفك يؤكد أن البندقية هي الوسيلة الوحيدة لاستعادة الحقوق الفلسطينية وأن التفاوض مع الصهاينة مضيعة للوقت، فالحقوق تنتزع من براثن المحتل ولا تحصل بالمناورات السياسية ولا تهديها الدول الكبرى لمستحقيها.

أغلب الظن أن “إسرائيل” التي اقترعت لبنيامين نتنياهو ونصبته حاكماً عن سابق تصور وتصميم قد اختارت من دون أن تدري السير على خطى “الأقدام السود” الذين كانوا هم أيضاً قد نشأوا على اعتقاد راسخ بأن الجزائر فرنسية وأن الله سخر العرب لخدمتهم. وكما المستوطنين الفرنسيين بالأمس لا يدرك المستوطنون الصهيانة اليوم أن اغتصاب أراضي العرب ينتهي ابتداء من اللحظة التي يكف فيها أصحاب الأرض عن الخضوع.
 



لم أكن أسمع إلا أزيز الرصاص ودوي القنابل وهدير طائرات الهيلكوبتر وصياح المارينز الهائجين وصراخ الأطفال ونواح النساء العراقيات، وأنا في القطار المتجه إلى سوسة التونسية عندما حجب وجه كهل، في عقده الخامس، نور الشمس عن وجهي ليسألني بالإنجليزية: ''سيدي، هل يمكن أن أعرف عنوان الكتاب الذي بين يديك، يبدو أنه باللغة الفرنسية وأنا لا أحسن الفرنسية؟''· فأجبته:'' الترجمة الحرفية لعنوان الكتاب هي حرب·· عاهرة''!·· اختفت الحمرة من وجه الكهل للحظات، ثم سألني من جديد: ''هو كتاب عن الحرب الأمريكية على العراق كما هو واضح من صورة جندي المارينز على الغلاف؟''· قلت له: هي اعترافات جندي أمريكي أرسل إلى العراق لتخليصه من الأشرار، فاكتشف في نهاية المطاف بأنه والذين معه والذين أرسلوه·· هم الأشرار، فهرب من الجيش ليبوح بالحقيقة المرعبة التي اكتشفها وعاش تفاصيلها المخزية''·· رمى الكهل بجثته على الكرسي الفارغ بجانبي وقال·· ''أنا أمريكي·· ولا أعتقد بأنني شرير''! ·· وأضاف وكأنه يكشف عن سر·· ''لقد زرت بلدانا إسلامية وعربية·· زرت ماليزيا وأندونيسيا وتركيا والأردن ومصر·· وزرت بلدانا أوروبية وآسيوية بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر·· والغريب أنني لم ألمس أي تعاطف معنا جراء ما حدث لنا''!·· هناك ما هو أسوء، قلت له·· ثم أضفت ''·· حتى الذين تعاطفوا معكم في البداية غيروا رأيهم بعد شهرين·· بعد اكتشاف الحقيقة''· حدق فيّ الكهل الأمريكي وعلامات الاستفهام تتراقص فوق رأسه وقال لي: ''يهمني جدا أن أعرف هذه الحقيقة''·· قلت له: ''أنتم الأمريكيون تحبون القصص، وأعتقد بأنني لن أجد أفضل من قصة بيتر سكاون·· وسكاون أول صحفي كندي، إن لم يكن أول صحفي في العالم، يجري حديثا صحفيا مع أحد الناجين من أحداث 11 / 9 في اليوم نفسه·· ولم يكن هذا الناجي بأعجوبة إلا أخته إيمي التي كانت متواجدة في الطابق الرابع والخمسين من البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي، عندما اصطدمت الطائرة الأولى بالبرج الشمالي!·· يقول سكاون واصفا ردة فعله: ''كانت ردة فعلي الأولى هي الغضب، وقد أعجبني بوش عندما أعلن بأنها ستكون حربا بين الخير والشر، وهذا ما أردته!·· الانتقام وليس العدل·· بدا لي إجماع الإدارة الأمريكية ونيتها في الانتقام من المسلمين بكل قوتها المسلحة الهائلة، إجماعا صائبا، كما أنني انضممت إلى التيار الذي يرى أنه لا أحد يجب أن يبحث عن تفسيرات للضربات التي ستنفذها الحكومة الأمريكية''·· حرك الكهل الجالس بجانبي رأسه وقال: ''بالضبط·· هذا ما قلناه وما فكرنا فيه جميعا''· لم أعقب على كلامه وأكملت·· لكن، وبعد أن ذهب الغضب وعاد العقل والمنطق وبعد ستة أشهر من البحث من أجل فهم ما حدث في ذلك اليوم، اكتشف سكاون بأن هدف بن لادن لم يكن أخت الصحفي ولا ''كان الهدف أسلوب الحياة الأمريكي ولا الحضارة بالكامل، كان هدف بن لادن·· حكومة الولايات المتحدة الأمريكية''!·· ويضيف سكاون ببرودة أعصاب ''لو يرى الأمريكيون للحظة واحدة دولتهم بنفس النظرة التي تراها بها الأمم الأخرى، سيدركون الحاجة لرؤية العالم من منظار أكثر دقة· كما سيفهمون أسباب كون الأمم الأخرى مثقلة بمواعظ أمريكا عن الديمقراطية والحرية، وسيدركون أخيرا ما أدركته شعوب الدول الأخرى بأسى، منذ زمن بعيد، أن الحكومة الأمريكية ليست بريئة كبراءة مواطنيها الذين قتلوا في ذاك اليوم''! وكانت نتيجة البحث الذي قام به سكاون كتاب عنوانه ''الكتاب الأسود للولايات المتحدة''! وقد لخص عمله بالقول: ''إن هذا الكتاب هو تحقيقي الخاص عن خلفية الدولة التي كادت أن تقتل فيها أختي· ليس هذا الكتاب أدبا رفيها، ولكنه قد ساعدني للإجابة على بعض الأسئلة وبشكل، عن كون حكومة الولايات المتحدة وعبر سياساتها الخارجية وأفعالها الماضية، قد وضعت مواطنيها في خط النار''· ويضيف ساخرا: ''إن القول بانعدام الروابط بين السياسة الخارجية الأمريكية الحالية بالحادي عشر من سبتمبر هو أمر مثير للسخرية· وبصورة متساوية، فإن حماقة الادّعاء بأن الولايات المتحدة أمة بريئة وفاضلة، ليس ذاك الادّعاء حماقة فقط، بل انهزام''!
لم يعلق الكهل الأمريكي الجالس بجانبي على ما قتله، وإنما بدا وكأنه ''يتشرب'' كلامي ببطء حتى يستوعب ما سمعه·· ثم نطق أخيرا··'' أنا أعترف لك بأنني لا أهتم كثيرا بالسياسة·· ولا يهمني لا الحمار ولا الفيل (يقصد الحزب الجمهوري والديمقراطي)·· كما أعترف بأن في كلامك·· أقصد في كلام الصحفي الكندي·· كثير من المنطق والحقيقة أيضا''·
**********
كان من الواضح أن ''نووى''، وهذا هو اسم الكهل الأمريكي القادم من كاليفورنيا، لا يعرف أشياء كثيرة عن السياسة الخارجية لبلاده، فمعظم معلوماته وآرائه كما قال هي ''مستقاة من مشاهدة الأخبار عندما لا يكون هناك برامج مهمة في التلفزيون''! لكنه كان مهتما جدا بالكتاب الذي كنت أقرأ ·· كتاب ''حرب·· عاهرة''·· لذلك، كان يطلب مني أن أنقل له بعض ما جاء في الكتاب·· فكنت وبإنجليزيتي المشلولة أحاول أن أترجم له عددا من الوقائع وتفاصيل بعض المجازر التي ارتكبها ولا يزال يرتكبها ''المارينز'' في العراق·· كان يحاول أن يفهم مني قدر ما استطاع، مرددا بين الحين والآخر عبارة ''هذا أمر فظيع''!·· ليخلص إلى نتيجة مفادها·· ''إذا كانت هذه الحقيقة·· حقيقة ما يجري في العراق·· فإن من حق العراقيين أن يكرهونا وأن يحاربونا ويقتلونا أيضا''! مضيفا: ''أنا أتفهم جيدا هذا الشاب (يقصد جوشيا كاي مؤلف الكتاب)·· هذا المارينز الذي يرسل إلى بلد يبعد آلاف الكيلومترات عن بلدنا لنزع وتحطيم أسلحة دمار شامل لم يعثر عليها أبدا·· لقد كذبوا عليه·· كما كذبوا على كل الشعب الأمريكي''!
في تلك الدردشة التي امتدت لأكثر من ساعتين في القطار إلى سوسة التونسية، قال لي ''نووى'' بأن أول مرة شعر فيها بأنه ''غير مرغوب فيه كأمريكي''·· كان ذلك أثناء زيارته لمصر عندما رفض النادل في النزل الذي نزل فيه أخذ دولارين أعطاهم له كبقشيش!·· بل ''أجزم بأنه حمل حقائبي رغما عنه وضد إرادته·· كان الأمر واضحا ولا يحتاج إلى تفسير''، قال ''نووى''·· والغريب أن نفس الموقف تقريبا قد تكرر معه أثناء زيارته للأردن!·· ويمضي الكهل الأمريكي في حديثه فيقول: ''كما قلت لك·· أنا لا أهتم بالسياسة·· أنا عاشق للسفر·· والشيء الذي تعلمته من هذه الجلسة·· وهذه الدردرشة·· أن السياحة في العالم الإسلامي تتطلب إطلاعا كافيا على السياسة·· سياسة بلدي اتجاه هذه البلدان وهذه الشعوب وهذه الديانة·· ولكي يستقبلني الناس في هذه البلدان بابتسامة حقيقية وعواطف وأحاسيس عفوية·· يجب أن تغير الولايات المتحدة خطابها وأفعالها اتجاه هذه البقعة من العالم·· إنني أريد أن أسافر إلى حيث شئت دون أن يكرهني أحد·· دون أن يحاسبني أحد على شيء لم أقترفه''!
**********
تذكرت الكهل ''نووى''·· الأمريكي ''غير الشرير''، على حد وصفه لنفسه·· وأنا جالس أمام التلفزيون أستمع لخطاب الرئيس أوباما في جامعة القاهرة، وأنا شبه متأكد بأن الكهل ''نووى'' جالس هو الآخر في مكان ما في كاليفورنيا أمام جهاز التلفزيون ليستمع لخطاب رئيس بلده الذي سيوجهه للعالم الإسلامي·· في ذلك الخطاب، قال أوباما كلاما كثيرا أعجب نووى بالتأكيد، كقوله: ''·· لقد أتيت إلى هنا للبحث عن بداية جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي استنادا إلى المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل، وهي بداية مبنية على أساس حقيقة أن أمريكا والإسلام لا تعارضان بعضهما البعض، ولا داعي أبدا للتنافس فيما بينهما، بل إن لهما قواسم ومبادئ مشتركة يلتقيان عبرها، ألا وهي مبادئ العدالة والتقدم والتسامح وكرامة كل إنسان''·· وأكاد أجزم بأنه سيندهش ويفتح فمه، غير مصدق، عندما يشاهد ويسمع أوباما وهو يقول: ''أعلم أن الإسلام كان دائما جزءا لا يتجزأ من قصة أمريكا، حيث كان المغرب أول بلد اعترف بالولايات المتحدة الأمريكية·· بعد إعلان قيامها''!!·· وقوله أيضا: ''·· ولا شك أن العقيدة التي يتحلى بها أكثر من مليار مسلم، تفوق عظمتها بشكل كبير الكراهية الضيقة التي يكنها البعض·· إن الإسلام ليس جزءا من المشكلة المتلخصة في مكافحة التطرف العنيف، وإنما يجب أن يكون الإسلام جزءا من حل المشكلة''!·· لسنا هنا لمناقشة أو تحليل خطاب أوباما للعالم الإسلامي·· صحيح أن أوباما ذهب إلى القاهرة ليقول لنا ''كلاما يعجبنا'' و''كلاما لا يغضب''·· وقد نجح في ذلك·· خاصة إذا علمنا أن هناك ما بين 63 و04 خبيرا في العلاقات الدولية ومستشرقين ومستشارين ورجال قد شاركوا في إعداد وتحضير الخطاب، يضاف إلى ذلك الأداء الرائع للشاب أوباما وهو فوق المنصة·· لكن خطابه·· وكلامه·· سيبقى مجرد كلام ما لم يتبعه بالأفعال·· وفي انتظار ذلك·· أعتقد أن الكهل ''نووى'' يستطيع بعد خطاب أوباما أن يسافر إلى ''أرض الإسلام'' دون أن يرى علامات السخط في عيون وعلى وجوه المسلمين·· دون أن يكرهه أحد
!