صدرت سفر الطاعة عن منشورات اتحاد الأدباء العرب بدمشق سنة 1981 بينما لم تنشر بعد ظلال الناس الصغيرة في كتاب مطبوع
روابط |
لا أدري، وعلى وجه الدقة، من أين تجيء هذه الصور : من الذاكرة أو الخيال! وأنا لم أعد أعرف، على وجه اليقين، وأنا أكتب، ما الفرق بين الذاكرة والمخيلة، ولا أين تبدأ الحدود بينهما، ولا متى تنتهي. ليس للتاريخ، الخاص أو العام، حدود واضحة عندما يتصل بالذاكرة أو المخيلة. فهل أستطيع أن أقول إذن : إنني أتذكر، أي أتخيل، أو العكس ؟ شيء وحيد فقط يبقى أكيدا : لقد عشت، أو شاهدت ، أو سمعت، أو حكِيت لي كل هذه الوقائع، كلها أو بعضها، التي سأرويها لكم، كما أقدر على القول : لقد حلمت بها، أو ساهمت فيها، بالليل أو النهار ! ولكن متى بالضبط ؟ هل حدث ذلك كله في طفولتي، كما أتصور الآن ؟ ولكن ما هي طفولتي، طفولة أي واحد منا؟ هل هي مرحلة، من عمري، كانت وانتهت ؟ أين تذهب الطفولة في هذه الحالة، بعد أن تنتهي؟ وهل هناك طفولة أصلا لكي تنتهي ؟ هل نستطيع حقا تقطيع مراحل العمر الوجداني كما نفعل مع عمرنا الاجتماعي أو البيولوجي ؟ ليتني أعرف أين تختفي الطفولة، متى تظهر، ومتى تزول، أو تسبت ! وماذا يميز بينها وبين سن الرشد ؟ ما يميز بين اللعب والعمل، بين الهزل والجد، مثلا ؟ نستطيع أن نرفع الطفل إلى درجة الرشد، فهل نستطيع أن نعود مع الطفل، نحن الراشدين، إلى مرحلة الطفولة ؟ لنجرب أن نلعب ذلك مع أطفالنا، أن نتصرف مثلهم تماما ؟ هل يمكن ؟ وإذا أمكن هل يعقل ؟ من سيفقد الشعور بالحدود، ويدوخ أو يمل، هم أو نحن؟ الأمر أسهل في الحكاية، عندما نقص شيئا؟ ولكن هل نحكي الحكايات للأطفال ليلهوا، أو ليكبروا ؟ قد يحكي طفلي لراشده ! ولنفرض أن كل هذا من الخيال، أنني أتخيل فقط لأكتب ! ماذا أفعل، في هذه الحالة، بإحساسي بأني عشت، وبالفعل، كل هذه الوقائع ؟ وكيف أكذب التطابق، أو التشابه، أو فقط التوهم، بينها وبين وقائع ليست غريبة عنها، هي أو تكاد تكون هي ؟ ومن أين يمكن أن تسعفني المخيلة لأكذب، أو أكتب، من خارج المخيلة و" الواقع " ؟ ليكن : إنني أختلق فقط، لكني أفعل كل هذا بشعور من يتذكر فقط، لا يظن فقط، لا يكذب فقط، ولا يتوهم قط ! ومع كل ذلك فإني لم أعد أرى، أو أتذكر، أو أتخيل، سوى ظلال مختلفة الألوان، والأحجام، والسمك، والقوة : أشباح كثيرة بين سنوات 1950-1958 أي طفولتي الأولى ! فما هذه الأطياف ؟ وبعبارة أدق : ماذا أريد أن أصنع من هذه الظلال التي قد لا تتجاوز حجم كلمة، أحيانا، أو لون حلمة، أو سمك سكين تلمع، أو قوة بسمة، أحيانا أخرى ؟ ظلال الناس، خيالاتنا وخيالاتهم، الدلائل، العلامات، شامات الجسد والنفس، كل ما يرى، أو يتشبه، في المنام أو اليقظة، من صور تخبر، أو تشي، أو تخدع، تحزن، أو تفرح، تبكي، أو تضحك : أين تختبئ كل هذه الصور ؟ ماذا تريد ؟ هل مازالت تقول شيئا بعد أربعين سنة ؟ نمر في حياتنا بأناس، وبأنفسنا،، بوقائع وأشياء تترك فينا، أو نترك فيها، أثرا كبيرا أو صغيرا، لكنا قد لا نهتم بذلك، أو على الأصح قد لا نعي هذا الاهتمام، فيظل هذا الأمر في منطقة ما منا، صامتا أو ضاجا، إلى أن يفاجئنا بالظهور، في مناسبات معينة، أو إلى أن يموت معنا، وكم نمحو، أو نتوهم، وبالقدر ذاته الذي ندعي به أننا نتذكر، أو نتخيل ! عندما يخرج إلينا، أو منا، ظل فجأة، قد يفرح، لكنه كثيرا ما يجرح صورتنا وصورة الناس أو الأشياء والوقائع، نكتشف سذاجتنا الفطنة أو دهاءنا الساذج، كأننا لم نكبر قط أو كأننا كبرنا أطفالا : أنا فعلت هذا ؟ وهذا فلان، أعرفه ! وأين رأيت هذا الشبح ؟ اختفت تماما الصورة ! موت صورة، كبروزها، ليس دائما مفرحا، فقد يكون مأساة، وحتى في البهجة يؤلم: قد يكون كل الحياة ! أبرياء وشياطين، نبكي ضاحكين أو نضحك باكين، وقد نقلق إذ نرى أبناءنا يعيشون نفس التجربة، يحتالون ويحتال عليهم بنفس الخيالات، يتلاءمون ويتمثلون بأساليب وطرق تصدمنا بالرغم من أننا استعملناها، أو مورست علينا، قبلهم، خاصة عندما يصعب علينا، لسبب ما، أن نكبر بشكل إيجابي وأن نكف عن النظر إلى أبنائنا من زاوية طفولتنا نحن! كم يخطئ الكبار في حق الصغار، إنما بالقدر الذي يخطئ به الصغار في حق الكبار، بسبب هذه الظلال ! لن نستطيع الحديث عن كل شيء، عن كل ما جرى، أو كان يمكن أن يجري، في تلك السنوات : بعض الظلال ظلمة لبعض الظلال ! هناك جروح صغيرة أو كبيرة تسببنا فيها، أو تعرضنا لها، عن غفلة شقية أو فطنة ساذجة، أي عن طيبة متهورة أو مكر غير مكثرت، بسبب صورة، أو بعض الصور، تخلق لدينا بعض الفرح أو الألم، لكنه ألم متستر في الصمت أو الحكمة، ألم نعتقد أنا محوناه واسترحنا، أي كبرنا، بينما تكون آثاره قد حفرت فينا واستقرت تجرح أكثر مما تفعل بقايا الجروح المادية التي ما زلنا نحمل في الرأس، أو الساقين، أو الذراعين، مثلا : البنت التي صدمتني لأول مرة في حياتي، وتلك التي استغفلت أنا أول مرة، والثقة الزائدة، التي اصطدت بها أو صدمت، الحرقة الأولى، والدمعة الأولى، والقبلة الباردة أو الحارة...ذلك جرح ألم، أوظل، ولكل ظل نور، سر، ولكل سحر وسر أعماق و طبقات ! تشير كلمة كدم، بفتح كل الحروف، إلى شيء من هذا المعنى لأن كدم فلان فلانا كدما : أحدث فيه أثرا بعض ونحوه. و الكدم هو أثر العض، وهو كذلك تجمع دموي تحت الجلد من إصابة. ولم لا يكون أثرا نفسيا، أي عقدة، عثمة مليئة بالضوء : دائرة عندما تنظر إلى أية نقطة منها لا تستطيع أن ترى غير الباطن؟ وتشير كلمة طرس، بفتح كل حروفها كذلك، إلى معنى الكتابة والمحو، فطرس الكتاب : كتبه أو محاه. وهي، بتشديد الراء: أعاد الكتابة على المكتوب الممحو. ولذلك فالطرس : الصحيفة. وهو أيضا الكتاب الذي محي ثم كتب. وبصورة ما، فإننا عندما نمحو ما كتبنا فيه نجد ما كتبنا عليه ونستطيع قراءته : تجاربنا , آثارها، أوالظلال، أي سواد الكدمات ونورها ! والرق، بفتح الراء وتشديدها، هو كل شي رقيق، لكنه كذلك جلد رقيق، طبعا، يكتب فيه، وهو أيضا الصحيفة البيضاء : الجسد أو النفس ! معروف أنه ليست النفس البشرية صفحة بيضاء، بأي وجه من الوجوه، وإنما هي شجرة من الأطراس، نظل نمحو ونكتب فيها بلا توقف، تجمع من الرقائق، جلدنا الناعم الحي، الذي لايمحى منه شيء بصفة نهائية. يكفي، وكأننا نبحث عن تهدئة جرح ، أن نقلب صفحة لنجد أخرى، أن نزيل قشرة لنجد أخرى، أو نفتح الجرح كله من جديد ! هذه الصحائف الحية في النفس بالرغم منا، والتي قد نعتقد أنا محوناها، قد تكون تشنجات، كدمات أو عقدا، وقد تكون ظلمة، تسود في منطقة ما من الذات، أو ظلا، يتبع جزءا منا، شيئا يبكي أو يضحك، نادبا أو مازحا. ولنقل، من باب التخلص، أو الاختصار إنها تجمع، أو تشنج باك أو ضاحك، بين الذاكرة والخيال، بين مختلف مراحل العمر : لاشيء يتخيل أو يتذكر كما هو، كما مر أو تصور، كل شيء يمزج ويعجن، يعاد خلطه باستمرار، أي ترتيبه أو كتابته، ولا شيء يتخيل كله، أو يتذكر كله ! وهذه الظلال صور بين طبقات الذاكرة ومراتب الخيال. لذلك قد تكون أقوى، أو أضعف، أجمل، أو أقل جمالا، مما ترتبط به، مما ارتبطت به في الواقع. إذن أكثر صدقا من الواقع نفسه، فليس الواقع دائما ما نراه، إذا كان لابد من الانطلاق من الخطاطة التقليدية : شيء ثم خيال، فلا شيء يدرك، أو يتذكر، خالصا، كما سبق! وعلى كل حال، فليس الواقع، الاجتماعي منه و الاقتصادي و السياسي، هو ما يعنيني بالدرجة الأولى، وإنما شيء آخر ، بارتباط معه أو بغير ارتباط : الناس الذين نرتبط بهم، خاصة في الطفولة، فنحس بهم، أو يحسون بنا، نتبادل معهم اللذة والألم، برفق أو وحشية ! قد ينبغي ألا نبحث عن الصحة، أو المطابقة بين الأشياء و الظلال، وإنما عن صدق الصور، أي عن تماسك الصورة الواحدة كأثر، أو مجموع الصور كتشنج مفرح أو مبك، في الذاكرة والخيال إذ تكون، أو لا تكون، أمتن من الوقائع والأشياء وهي ليست سوى ظلال أو خيالات، ما تبقى منها أو استطاع أن يبعت، وهو يضمر، أو ينمو، يضحك أو يندب ! على كل، فليست هذه القصص لا مجموعة قصصية، ولا رواية، ولا سيرة ذاتية، وتجنبا لالتباس المحاكاة في الحكاية، قد أسميها " مروية"، وهي في الأصل القناة التي يسقى منها الماء، مذكرها المروى، من روى، أي استقى؛ إن المرء يستقي من طفولته، كما يستقي من حاضره أو غده، لكهولته الضمأى، وهو ما لا يعني، بالضرورة، أنه يرتوي، ولا أنه يكون في الطفولة حقا، فقد يستقي، وهو لا يعلم، من كهولته لطفولته العطشى، وقد يهرب من أناس حاليين لا يكفون عن جرحه إلى أناس غسل جروحهم الزمن ولم يعودوا سوى ظلال يرتوى من نورها الحالك؛ يفتحنا الماضي على الحياة من جديد، عن طريق العزاء، أو التذكر الحاني، كما ينعشنا المستقبل عن طريق الأمل، أو الحلم: الحياة، على هذا المستوى، ليست أكثر من مقاصة عفوية. ولهذا فإن كل عمر حكاية، وكل حكاية مروية، بالمعنى الذي شرحناه من المعجم، وكل مروية بضاعة، أي مادة للتبادل بين مختلف مكونات الذات أوحالاتها أومراحلها! | المحتوى سفر الطاعة ظلال الناس الصغيرة |
موقع الميلودي شغموم ـ القصص: سفر الكاعة ـ ظلال الناس الصغيرة
جميع الحقوق محفوظ للمؤلف
