بسمة الواعر بركات . الإعلان – الثلاثاء 11 مارس 2008
" نعبّر و إلاّ ما نعبّرش " في عرضها الأخير : إبداع وجرأة بلا حدود
رغم كونه العرض الأخير لمسرحيّة " نعبّر و إلاّ ما نعبّرش " للممثّل والمسرحي رؤوف بن يغلان إلاّ أنّ هذه المسرحيّة كانت و الحقيقة تقال استثنائية لا من حيث المواضيع التي تمّ التّطرّق إليها بل أيضا من حيث الجرأة والصراحة التي تم من خلالها وضع النقاط على الداء الذي ينخر مجتمعنا. فقد تطرّق رؤوف وبكلّ ذكاء وحرفيّة إلى عديد المواضيع الحسّاسة والتي عادة ما يتم تناولها في الكواليس والخفاء... مواضيع تهم الواقع المعيشي للمواطن التونسي كغلاء سعر المساكن وارتفاع سعر الشُقق وصغر حجم المساكن. هذا إلى جانب موضوع علاقة الأجير بمؤجّره والروتين وما يخلّفه من ملل وضجر بالنفوس ممّا يتولّد عنه عٌقد نفسيّة عبّر عنها رؤوف بن يغلان بالدّماميل التي تكبٌر وتكبٌر ولا بدّ من التّعبير عن خوالج النفس لإزاحة التراكمات النفسيّة والخوف المبالغ فيه من التعبير.وفي عرض وجيز استغرق نحو ساعتين من الزمن تطرّق رؤوف إلى شتّى المواضيع وتقريبا مُعظمها مثل المرأة وجمود التلفزة وتغطيتها للأحداث المٌفرحة فقط وموضوع البطالة وواقع الصحافة في تونس وعدم تخطّيها للخطوط الحمراء والخوف من التّعبير والنّقد وقول الأشياء على حقيقتها. فبوجود "الكاميرا" تتحوّل برك المياه إلى ساحات جميلة و تتحوّل العمارات المائلة للسقوط إلى أخرى حديثة البناء...جلّ هذه المواضيع تمّ تناولُها بحرفيّة وبذكاء وقد لامس رؤوف من خلال هذه المسرحيّة واقعنا و حياتنا حتى أنّ كلّ شخص كان يرى نفسه وحياته وواقعه من خلال" نعبّر وإلاّ ما نعبّرش". وكأنّ رؤوف توغّل إلى أعماقنا و قرأ أفكارنا و نطق باسمنا فجاءت " نعبّر وإلاّ ما نعبّرش" صادقة متماشيةً مع واقعنا محاكية لآلامنا متوغّلة في أعماقنا ورغم كونه العرض الأخير فإنّ مدارج المسرح البلدي يوم السّبت الفارط كانت قد امتلأت بالجماهير المتعطّشة للأعمال المسرحيّة الهادفة والتي تتحدّث عنّا وتنطلق من واقعنا فتلدغ مشاعرنا بأسلوب هزليّ وهو ما جعل الجمهور لا يتوقّف عن الضحك لمدّة ساعتين. وبالرّغم من أنّ الكثيرين قد شاهدو المسرحيّة للمرّة الثانية أو الثالثة وربّما أكثر ولكنّك كلّما تابعت العمل كلّما شعُرت أنّه قابلٌ لعديد القراءات والتفسيرات وستجدُ نفسك تضحك رغمًا عنك وهو ما جعل هذا العمل ناجحا على جميع المستويات، وهو ما يؤكّد مرة أخرى أنّ الممثلين في تونس وتحديدا الكوميديين أصبحت لهم إبداعات وأعمال رائدة في " الوان مان شو". وستبقى هذه المسرحيّة و غيرها من الأعمال نُقطة مُضيئة في حياة و مسيرة رؤوف بن يغلان رغم الانتقادات التي وُجّهت له . لكنّه أثبت جدارته وإتقانه لعمله و حبّه الكبير للمسرح. وقد أثبت من جديد كفاءته وأنّ ما قيل على أنّه غيرُ قادر على استمالة الجمهور وانتزاع الضحكة منه غيرُ صحيح لكنّ مشاهدة المسرحيّة قد تُغني عن أيّ كلام أو تعليق وهو ما جعل الجمهور وبعض الذين لم تسنح لهم الفرصةُ بمتابعة هذا العمل يُطالبون بإعادة عرض " نعبّر وإلاّ ما نعبّرش" مُجدّدًا وهو ما نأملُه فعلا لأن إيقاف عرض المسرحيّة في الوقت الراهن قد يحرمُ الكثيرين من مُتعة مشاهدتها.
بسمة الواعر بركات . الإعلان – الثلاثاء 11 مارس 2008
