|
الفصل الأول:
مدرسة أبي عبد الله بن القصاب صاحب "تقريب المنافع في قراءة نافع" يعتبر الإمام أبو عبد الله بن القصاب الأنصاري رائد المدارس المغربية في أصول الأداء الخاصة بقراءة نافع، وصاحب أول "مدرسة فنية" اهتمت بهذه القراءة ودراسة أحكامها الخاصة ووضعت معالم البحث والتأليف فيها. إلا أن المصادر التاريخية وكتب التراجم لا تكاد تسعفنا بشيء من البيان الشافي عن شخصيته العلمية وما كان لها من شفوف في العلم، ولا عن مشيخته والجهات التي تخرج فيها، فضلا عن أن تسعفنا بما يثلج الصدر عن جهوده العلمية في ميدان الإقراء والبحث والتأليف، وما عرف له في هذا العلم من مذاهب واختيارات وتوجيهات . ومن الطريف والعجيب أننا لا نجد له ذكرا في المصادر التي أرخت لعلماء مدينة فاس مع أنه –كما يبدو- من النابغين بها من أهل المنطقة، وليس من الواردين عليها من بعض الجهات الأندلسية. فقد تجاوزه عامة من كتبوا في الوفيات كابن قنفذ والونشريسي وابن القاضي، والمصدر الوحيد لترجمته المقتضبة وإن كان في أصله مصدرا مغربيا، فقد جاء النقل عنه في المصادر المشرقية . ترجمته: فقد انفرد بالتعريف الموجز به فيما أعلم –الشيخ الإمام أبو حيان محمد بن يوسف الغرناطي (ت745) وعنه جاء النقل عند ابن مكتوم وابن الجزري، فقال فيه ابن مكتوم: "محمد بن علي بن عبد الحق الأنصاري شهر بابن القصاب، من أهل فاس يقرئ القرآن بالقراءات السبع، ويقرئ العربية أيضا"، وتوفي في حدود سنة تسعين وستمائة، أفادنيه شيخنا العلامة أبو حيان الأندلسي وكتبته من خطه"([1]). [1] - قله أحمد بن عبد القادر بن أحمد بن مكتوم القيسي في ذيله الذي ذيل به على "معرفة القراء الكبار" للذهبي وهو مطبوع معه في آخر المجلد 2/ والترجمة المذكورة رقمها 6 في الصفحة 612. المقرئ الفاضل أبو عبد الله محمد بن عيسى المعروف بالمغامي([1]) عن الإمامين وذكره ابن الجزري بمثل ما تقدم في نسبه وقال: أبو عبد الله الأنصاري الفاسي يعرف بابن القصاب، مقرئ مصدر كامل، قال أبو حيان: كان يقرئ القرآن بقراءات السبعة، ويقرئ العربية أيضا، وتوفي في حدود سنة 690 ([2]). ولم يذكر له أبو حيان ولا من نقل عنه شيوخا أو تلامذة أو مؤلفات أو شيئا زائدا يمكن من التقويم الصحيح لشخصيته العلمية، إلا أن في تنويه أبي حيان بإقرائه القرآن بالقراءات السبع وإقرائه العربية أيضا ما يدل على شفوف قدر وعلو منزلة استحق معهما هذه الالتفاتة من أبي حيان، وهو من هو في إمامة هذا الشأن . ومهما يكن فإننا نستفيد مما ذكر في الترجمتين تحديد زمانه ومكانه ومعرفة نوع اهتمامه، وذلك إن لم يشف الغليل فيما نطمح إليه، ففيه ما نتعلل به ريثما نتمكن نحن أو غيرنا من مزيد من الإنارة الكافية والكشف المطلوب عن تاريخ هذه الشخصية ونشاطها القرآني والعلمي. مشيخته: ولعلنا بعد ما ذكرناه من شح المصادر التاريخية وضحالة ما قدمه لنا الناقلان عن أبي حيان من معلومات لا نطمع في الوقوف على ومشيخته أو تلامذته، فضلا عن أن نستطيع الحديث عن انتمائه الفني إلى مدرسة من مدارس الأقطاب التي يمكن أن يكون قد اتصل منها بسبب من الأسباب . ولقد وفق الله –عز وجل- إلى الوقوف على كتابه الذي ذكرناه في عنوان هذا الفصل، فاستعرضته وكلي أمل في أن أجد مفتاحا للدخول إلى دراسة هذه الشخصية وانتمائها الفني بمعرفة بعض شيوخه الذين قد ينقل عنهم أو يذكر شيئا عن مذاهبهم واختياراتهم، إلا أني لم أحل من ذلك بطائل، إذ لم أجد له فيه سندا بالقراءة ولا نقلا عن أحد من الشيوخ، والنقل الوحيد الذي وفقت عليه فيه لم يورده مسندا ولا نسبه إلى كتاب، وإنما قال فيه: قال الحافظ أبو عمرو- رحمه الله- يعني الداني، ثم ساق سؤالا عن المد هل يكون مقداره دون ألف أو فوق ألفين؟.. ولا يعني هذا أني لم أستفد من الكتاب المذكور أمورا أخرى سأعرضها عظيمة الأهمية في تقويم شخصية، وإنما يعني أني لم أجده يذكر شيئا عن مشيخته مما من شأنه أن يساعد القارئ على إدراك صلاته العلمية بمشيخة العصر وطبقات أهل العلم في الجملة. ثم فتح الله لي في هذا الشأن بصيصا من نور حينما هداني البحث إلى إجازه: الإمام أبي عبد الله محمد بن محمد الحسني البوعناني الفاسي لتلميذه أبي عبد الله محمد الشرقي بن محمد بن أبي بكر بن محمد المجاطي ([3]). فإذا هو يسند القراءات السبع من طريق الشيخ أبي عبد الله محمد بن عمر اللخمي – الآتي في أصحاب أبي الحسن بن سليمان بفاس – من قراءة ابن عمر ابن اللخمي بها على أبي عمران موسى بن محمد بن أحمد الصلحي المرسي الشهير بابن حدادة([4]) قال: "حدثه بالقراءات المذكورةعن الشيخ الفقيه الإمام النحوي الحافل أبي عبد الله محمد بن أبي الحسن علي بن عبد الحق الأنصاري عرف بابن القصاب، عن شيخه الأستاذ المقرئ أبي الحجاج يوسف ابن الشيخ المقرئ أبي الحسن علي بن أبي العيش الأنصاري، عن الشيخين الأستاذين العالمين أبي البقاء يعيش بن القديم الأنصاري وأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد العزيز المعروف بابن الفتوت رحمه الله تعالى ورضي عنه([5]). أما أبو البقاء يعيش فتحمل عن الشيخ الفقيه القاضي محمد بن زرقون([6]) وأبي الحسن علي اللواتي([7]) كلاهما عن أبي العباس الخولاني([8]) . وتحمل – يعيش - أيضا عن الشيخ الحافل الأستاذ المقرئ أبي الحسن علي بن قاسم بن زكرياء([9]) عن شيخه المقرئ أبي عبد الله محمد بن سهل الأموي المعروف بالقشاش([10])، عن أشياخه الجلة الحفاظ الذين منهم الشيخ الإمامالحافظين أبي عمرو الداني وأبي محمد مكي. وتحمل أيضا أبو البقاء يعيش المذكور عن الشيخ الفقيه الأستاذ أبي الحسن علي اللواتي عن الأستاذ المقرئ أبي داود سليمان بن يحيى المعافري([11]) عن أبي داود سليمان بن أبي القاسم([12]) عن الحافظ أبي عمرو الداني، وعن شيوخ غير هؤلاء المذكورين تركت ذكرهم خيفة التطويل([13]). فسنده كما نرى أندلسي يتصل بالحافظ أبي عمرو الداني من طريق أستاذه أبي الحجاج يوسف بن علي بن أبي العيش الأنصاري عن الإمامين يعيش بن القديم نزيل فاس وصاحب كتاب "الشمس المنيرة في القراءات السبع الشهيرة"([14])، وأبي عبد الله بن الفتـوت الفاسـي آخر أصحاب أبـي عبـد الله محمــد بن محمــد بن معــاذ الفلنقـي (ت سنة 614) وفاة سنة 14([15]) . ومعنى ذلك أنه تخرج في القراءات على أكابر القراء بفاس، وإن كنا لا نعرف من مشيخته غير أبي الحجاج المذكور. مما يتجلى معه مقدار تقصير علمائنا في العناية بتاريخ الرجال وسير العلماء، إلا في النادر اليسير. آثاره العلمية: وإن إماما هذا شأنه في نبل المشيخة وزعامة الإقراء لحقيق بأن يخلف في الميدان من الآثار وجلائل الأعمال ما يثلج الصدور ويبهج النفوس، ولا سيما في فن كفن القراءات واسع المجال متعدد الشعب والساحات، إلا أن الباحث سرعان ما يتبين له بالنسبة لأبي عبد الله بن القصاب قلة ما يعزى إليه من مؤلفات، مما يدل مرة أخرى على أن القسط الأكبر من نشاطه العلمي والتأليفي قد أمسى في خبر كان كما يقال، وغطى عليه النسيان والإهمال. ولقد ظفرت له بعد البحث والاستقصاء بمؤلف واحد، ثم وقفت في هذا المؤلف على ذكر لمؤلف آخر أوسع منه مجالا أحال عليه في باب المدّ منه وسماه: 1- الكتاب الكبير: وهو كتاب في القراءات أوسع مادة لأنه فيما يبدو –قد ضمنه القراءات وتوجيهها. 2- كتاب تقريب المنافع: أما الكتاب الذي ظفرت به له مخطوطا فهو ""كتاب تقريب المنافع في قراءة نافع"، وهو من كتبه السائرة الشهيرة وقفت عليه في نسخة خطية لا أعلم لها ثانية بالخزانة الحسنية بالرباط ([16]) لا تحمل عنوان الكتاب كما أثبته، وإنما سجلت تحت إسم "رسالة في قراءة نافع"، وعرف بها في فهرسه الخزانة الحسنية بهذا العنوان([17]). تقديم وتعريف بالكتاب: ونظرا لما يكتسيه الكتاب من أهمية خاصة باعتباره الأثر الوحيد الباقي- فيما أعلم- من آثار المؤلف، واعتباره أيضا أقدم تأليف مغربي محض في قراءة نافع من روايتي ورش وقالون، أعطي للقارئ نظرة وجيزة عنه تعرف بأهم أبوابه ومباحثه، وتنبه على منهجه في عرض المسائل وبحثها، ويبتدئ في مخطوطته المذكورة بالديباجة التالية: -قال الشيخ الأستاذ الإمام الفقيه المقرئ الحافظ العالم المعلم الراوية المتقن أبو عبد الله محمد ابن الشيخ الأجل الأفضل المقدس المرحوم أبي الحسن علي ابن الشيخ الأفضل الأجل أبي محمد عبد الحق الأنصاري المعروف بابن القصاب رحمه الله تعالى ورضي عنه: "الحمد لله القديم الدائم الذي لا أولية له، الباقي الذي لا آخر له، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم"، وصلى الله على سيدنا محمد خير الأنام، المصطفى من جميع المخلوقات، الداعي إلى دار السلام، بالمواعظ والحكم والأدلة وأفصح الكلام، وهو الكتاب العزيز، والنظم الفائق الفريد، الذي "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد". أما بعد فإنكم سألتموني –وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه- أن أصنف لكم كتابا يحتوي على ما تضمنه حرف نافع، ويشتمل على "تقريب جميع المنافع"، من غير تطويل ولا تكرار ، إذ الغرض في هذا الكتاب المختصر الإيجاز والاختصار، فأجابتكم إلى ما سألتموه، وأعملت نفسي في تصنيف ما رغبتموه ، على النحو الذي أردتموه، والله تعالى يوفق للصواب، ويجعله خالصا لوجهه، متلقى بجزيل الثواب، إنه سميع مجيب وهاب . وبعد هذه المقدمة تطرق إلى أول مباحثه فقال: باب الاستعاذة: هذا الباب ترد عليه عشرة أسولة ([18]): فالأول أن يقال: لأي شيء جيء بالاستعاذة في أول الكلام؟ والثاني: أن يقال: ما معنى الاستعاذة ؟ والثالث أن يقال: ما حكم الاستعاذة والرابع: أن يقال: وما هي ألفاظ الاستعاذة والخامس: أن يقال ما المختار منها عند الحذاق من أهل الأداء والسادس أن يقال: وما أصل "أعوذ" والسابع أن يقال : ومن أي شيء اشتق هذا اللفظ الذي هو الشيطان والتاسع أن يقال: من أي شيء اشتق هذا اللفظ الذي هو "الرجيم"؟ والعاشر: أن يقال: وما مذهب نافع في هذا الباب؟. ثم أخذ في الإجابة عن كل سؤال على حدة مصدرا لأجوبته بلفظ "مسألة" وما معنى كذا؟ إلى أن استوفى كل المسائل العشر باختصار، ثم انتقل إلى "باب البسملة" فقال: هذا الباب ترد عليه أسولة: فالأول أن يقال ما معنى البسملة؟ والثاني أن يقال: لأي شيء جيء بها؟ والثالث أن يقال: وما أحوالها عند القراءة؟ والرابع أن يقال: وكم من وجه يتصور فيها بين السورتين ؟ الخامس أن يقال: وأين استحسنها بعضهم؟ والسادس: أن يقال: وما أقسامها ؟ والسابع: أن يقال: من أي شيء اشتق هذا اللفظ الذي هو "باسم الله" ؟ والثامن أن يقال: ولم قدم "الله" على "الرحمن الرحيم"؟ التاسع: أن يقال: لم قدم "الرحمن" على "الرحيم"؟ والعاشر: أن يقال: وما مذهب نافع في هذا الباب ؟. ثم أخذ يجيب على تلك الأسئلة سؤالا سؤالا بقوله: "مسألة" فمعنى أن يقول القارئ "بسم الله الرحمن الرحيم"... وهكذا إلى أن أتى على آخر مسائله العشر في الباب فقال فيها: "ومذهب نافع في هذا الباب، أن قالون في جميع طرقه يبسمل بين السورتين في جميع القرءان ما خلا الأنفال وبراءة ([19])، وورش عن طريق أبي يعقوب الأزرق عن نافع لا يبسمل بين السورتين، وقد استحب بعض الشيوخ البسملة في هذه الرواية بين "المدثر" و"القيامة" و"الانفطار" والمطففين" و"الفجر والبلد" و "العصر" و"الهمزة"، وليس في ذلك أثر يروى عنهم، وإنما هذا استحباب من الشيوخ ([20])، وروى غيره عن ورش عن نافع كأبي الأزهر عبد الصمد البسملة، والأول أشهر فاعلم ذلك وبالله التوفيق. ثم قال: "باب ميم الجمع" ، هذا الباب ترد عليه عشرة أسولة: فالأول: ما هي ميم الجمع؟ والثاني: أن يقال وما أصل ميم الجمع؟ إلى أن قال: ما مذهب نافع في هذا الباب؟. ثم أخذ يجيب عن سؤالا سؤالا كما تقدم، وهكذا فعل في باب "هاء الإضمار" ثم في "باب المد والقصر" ملتزما وضع الأسئلة العشرة والإجابة عنها، وقد افاض في مباحث باب المد بعض الإفاضة، ومما قال فيه عن مذهب نافع: "مسألة": ومراتب المد في رواية نافع –رحمه الله- ثلاثة: أحدها ألف في تقدير فتحتين، أو واو في تقدير ضمتين، أو ياء في تقدير كسرتين، والمرتبة الثانية: ألف وحركة، أو واو وحركة، أو ياء وحركة، والمرتبة الثالثة: ألفان أو واوان أو ياءان، وهذا لا يضبط إلا بالمشافهة، ثم نقل ابن القصاب أول نقل له في الكتاب فقال: قال الحافظ أبو عمرو ـ رحمه الله ـ فإن قيل: فهل يكون مقدارها مقدار ألف أو فوق ألفين ؟ قيل: ذلك غير ممكن بالإجماع، وذلك أن القراء عبروا عن الهمزة المسهلة بأن مقدارها ألف، فهذا أدل دليل على أن مبدأ المد وأدناه ألف ([21]). ثم قال في السؤال العاشر مجيبا عن مذهب نافع في المد: "ومذهب نافع في هذا الباب أن ورشا من طريق المصريين برواية أبي يعقوب الأزرق روى عنه الإشباع في حروف المد واللين إذا تأخرت عنها الأسباب([22])، والطبيعي ([23]) في حروف المد إذا تعرت من السبب، والتوسط في حروف المد واللين إذا تقدم عليها السبب([24])، واستثنى من ذلك ما وقع قبله([25]) حرف ساكن صحيح نحو "القرءان" و"الظمئان" و"مسئولا" و"مذءوما"، وكذلك الياء من "إسراءيل"، وكذلك "يؤاخذكم" و"ءالن" في الموضعين في "يونس"، و"عادا الأولى" في النجم، فقصر جميع ذلك... ثم ذكر أنه بين وجه ذلك في كتابه الكبير. قال: "وروى المصريون عنه أيضا في حرفي اللين التوسط... وبعد سطور فيها بعض البتر في المخطوط قال: "باب الهمزتين من كلمة"، هذا الباب ترد عليه عشرة أسولة... وأخذ في طرحها ثم الإجابة عنها. وهكذا التزم في سائر الأبواب بعشرة أسولة كباب الهمزتين من كلمتين وباب الهمز المفرد وباب نقل ورش حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وباب الإظهار والإدغام، وباب الفتح والإمالة وبين اللفظين، وباب مذهب ورش في الراءات، وباب مذهبه في اللامات... إلى أن أتى على باب "قرش الحروف" فبدأها دون اسئلة، فقال "وهو بكل شيء عليم" أسكن قالون الهاء من "هو" و"هي" إذا كان قبلها واو أو فاء أو لام ... وهكذا سرد الفرش المعهود في قراءة نافع من روايتي ورش وقالون على النسق الذي نجده بعده عند أبي الحسن بن بري وغيره، حتى ختم بقوله "أو ءاباؤنا" في سورة الواقعة فقال: وقرأ قالون بتسكين الواو، وجعلها "أو" التي للشك، فاعلم ذلك وبالله التوفيق ([26]) . قيمة كتاب التقريب وأثره في مؤلفات المتأخرين: يعتبر كتاب ابن القصاب نموذجا فريدا في المؤلفات النثرية المغربية، كما يعتبر طليعة لطائفة من المؤلفات المختصة في قراءة نافع من روايتيها المشهورتين ، فقد حاكاه في التسمية عدد كبير من الأئمة الذين ألفوا أو نظموا فيها في زمنه أو بعده، فألف أبو الحسن القيجاطي " المقرب النافع"، وأبو القاسم بن جزي "النافع في قراءة نافع([27]) والمختصر البارع في قراءة نافع([28]) وألف ابن آجروم "روض المنافع"([29]) ونظم "البارع في قراءة نافع"وألف أبو الحسن بن سليمان القرطبي "تهذيب المنافع" ، وأبو الحسن بن بري "الدرر اللوامع"، وأبو وكيل ميمون الفخار "تحفة المنافع" ، وأبو زيد الجادري "النافع في أصل حرف نافع"، وألف أبو عبد الله الرحماني "تكميل المنافع"([30])، ونظم محمد شقرون بن أبي جمعة الوهراني قصيدته اللامية في الطرق العشر عن نافع فضاهى بها في الإسم تأليف ابن القصاب فسماها "تقريب المنافع"([31])، إلى غير ذلك من المؤلفات التي نسجت على منواله أو تواردت معه. ومن مميزات تقريب المنافع لابن القصاب أسلوبه الطريف في تأليفه، فقد بنى القسم الأصول منه كما رأينا كل باب على عشرة مباحث ولم يخل بذلك، ولا ظهر في مسائله شيء من الافتعال والتكلف، مما يدل على سعة أفقه في الفن واستيعابه لأحكامه وقضاياه . وقد حاول محاكاته في هذا الأسلوب التأليفي جماعة ممن ألفوا بعده في القراءة والرسم كما نجد ذلك في كتب الشوشاوي الذي التزم بعشرين تنبيها في كل باب([32])، كما نحا نحوه يحيى بن سعيد الكرامي السملالي في تحصيل المنافع فسار على نفس النمط حتى ظن بعض من حققوا هذه الكتب أن السبق في هذا الوضع التأليفي البديع لأولئك المؤلفين([33]). ولم يقتصر أثر ابن القصاب فيمن جاء بعده من الأئمة على مجاراته في التسمية أو نمط التأليف، بل تعداه إلى الاعتماد عليه فيما ضمنه الكتاب من مواد وتخريجات واختيارات، وكان النقل عنه مستفيضا عند عامة المؤلفين بعده من أصحابه كابن آجروم في "فرائد المعاني" والخراز في "القصد النافع"، وعند ابن المجراد في كثير من أبواب "إيضاح الأسرار والبدائع"، وعند المنتوري في الأندلس في شرحه على الدرر اللوامع ، ثم عند عامة من شرحوها كالحلفاوي، والوارثيني والكرامي والشوشاوي وابن القاضي ومسعود جموع وسواهم. نماذج من آرائه العلمية ومذاهبه الفنية في القراءة وأصولها وأحكامها: ويمكننا من خلال كتابه وما وقفنا عليه من الإشارات إلى اختياراته وبعض آرائه ومذاهبه أن نتمثل المستوى العلمي الرفيع الذي تحقق له في هذا الطور الذي بلغت فيه المدرسة المغربية الناشئة طور اليفاعة والقوة، فمن ذلك : 1- ما زاد به على المؤلفين من صيغ في الاستعادة: فقد ذكر ابن آجروم وأبو عبد الله الخراز تفرده بزيادة ثلاث صيغ، فقال كل منهما بعد أن ساق سبع صيغ نقلا عن ـأبي جعفر بن الباذش: وزاد شيخنا أبو عبد الله بن القصاب ثلاثة ألفاظ لم أقف عليها لغيره وهي: "أعوذ بالله المنان، من الشيطان الفتان، وأعوذ بالله وكلماته ، من الشيطان وهمزاته، و"أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم" ([34]). 2- ذهابه إلى تفاوت مقدار المد لقالون بين المتصل والمنفصل على خلاف مذهب الداني: قال ابن المجراد في "إيضاح الأسرار والبدائع": فإذا قلنا بالمد ـ يعني في المنفصل لقالون ـ فهل يسوي بينه وبين المتصل أم لا؟ في ذلك خلاف، فمذهب الشيخ أبي عبد الله بن القصاب ـ رحمه الله ـ أن زيادة قالون في المنفصل أنقص منها في المتصل، نص على ذلك في "تقريب المنافع"، ومذهب الحافظ التسوية بينهما، نص على ذلك في "جامع البيان"، وهو اختيار الأستاذ الخطيب أبي محمد عبد الواحد بن أبي السداد، نص على ذلك في شرح التيسير. قال ابن المجراد: "ومقتضى ما ذكرناه قبل في مذهب ورش عن الحافظ من التفرقة بين المتصل والمنفصل يقوي ما ذهب إليه ابن القصاب رحمه الله تعالى"([35]). 3- أخذه بالفصل لقالون بين الهمزتين في مثل "أ أنزل و"أ أشهدوا" بمدة: قال ابن المجراد: "كان الأستاذ ابن القصاب ـ رحمه الله ـ يأخذ فيه بالفصل ويستحسنه ويرى أنه أولى ليجري الباب كله على نسق واحد"([36]) . قال العلامة مسعود جموع: وبالإدخال شاع الأخذ عندنا بفاس في "الجمع الكبير"، وعليه العمل كما أخذ به أبو عبد الله الخراز وشيخه القصاب([37])، وهو المشهور عن جماعة من شراح الدرر، ولم يحك ابن الجزري فيه إلا الفصل([38])
4- ما ذهب إليه في الاحتجاج لورش في إمالته بين اللفظين: قال في تقريب المنافع بعد تعرضه لمذهب ورش في إيثاره التقليل في الإمالة: والحجة في ذلك أنه لم يمل لئلا يخرج الحرف عن أصله، ولم يفتح لقوة الموجب، فتوسط في ذلك([39]). 5- ومن بديع كلامه في المخارج والصفات قوله في التقريب: "والشدة من علامة قوة الحرف، فإن كان مع الشدة جهر واستعلاء وإطباق فذلك غاية القوة في الحرف، لأن كل واحد من هذه الصفات تدل على القوة، فإذا اجتمع اثنان من هذه الصفات في الحرف أو أكثر فهي في غاية القوة، كالطاء، فعلى قدر ما في الحرف من الصفات القوية كذلك قوته، وعلى قدر ما فيه من الصفات الضعيفة فكذلك، فافهم هذا لتعطي كل حرف في قراءتك حظه من القوة، ولتتحفظ في بيان الضعيف، فالجهر والشدة والصفير والإطباق والاستعلاء من علامات قوة الحرف، والهمس والرخاوة من علامات ضعف الحرف([40]). 6- ومن ذلك قوله في الرد على من يدخل التاء بدل الباء في حروف القلقلة: "والصحيح قول من يقول الباء، لما فيها من الجهر والشدة وغير ذلك من الصفات المناسبة للقلقلة، وليس في التاء صفة تناسب القلقلة، لأن الهمس والرخاوة تخالف ذلك([41]). ونكتفي بهذه النماذج في بيان إمامة الشيخ وإبراز أثره من خلال كتاب التقريب فيمن جاء بعده. إذ لا يتسع المجال لتتبع ذلك، ولإمكان الرجوع إليه في كثير من شروح أرجوزة ابن بري وغيرها.
رجال مدرسته: لعلنا بعد أن نبهنا في صدر ترجمتنا لابن القصاب على ضياع تفاصيل تاريخه وحياته العلمية حتى لا نجد له ولا لترجمته ذكرا في المصادر المغربية الخاصة بالأعلام، لا نطمع أيضا في التعرف على جملة من قرأ عليه بفاس من أعلام العصر وطلاب هذا الشأن، وهم ولا شك كثير، لامامته في الفن، وتصدره للإقراء، وتبريزه في القراءة والعربية معا، ولعل القارئ الكريم يستطيع تمثل المكانة التي كانت له في هذا المجال من خلال تراجم ثلاثة من الأكابر كلهم أخذ عنه وفيهم من كان اعتماده عليه كاملا، وكلهم كان إماما في عصره في أكثر من علم وفن. فمنهم: أولا: أبو عمران موسى بن محمد بن أحمد الصلحي المرسي الشهير بابن حدادة ([42]) نزيل فاس. ترجم له في جذوة الاقتباس ترجمة مختصره جدا فقال: موسى بن حدادة المرسي، نزيل فاس المحروسة، كان حيا بفاس سنة 723([43]). وذكره أبو زكرياء السراج في مشيخة أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عمر اللخمي فقال عطفا على شيوخه: وعن الشيخ الأستاذ المقرئ المحقق أبي عمران موسى بن محمد بن أحمد الصلحي الشهير بابن حدادة، تلا عليه الكتاب العزيز في ختمة واحدة جمعا بين قراءة الأئمة السبعة المشهورين من طريق أبي عمرو الداني وأبي محمد مكي وأبي عبد الله بن شريج وأجاز له إجازة عامة في جميع ما يحمله وما صدر عنه من تأليف (فهرسة السراج: 154-155- المجلد الأول) وذكره أبو عبد الله محمد بن محمد الحسني البوعناني الفاسي في إجازته لأبي عبد الله محمد الشرقي بن محمد ابن أبي بكر المجاطي الدلائي –كما تقدم- نقلا عن أبي عبد الله محمد بن غازي فقال: "ومن شيوخ الشيخ أبي عبد الله محمد بن عمر المذكور الذين أخذ عنهم القرآن العظيم بالقراءات المذكورة الشيخ الجليل المحقق المجود المحدث الراوية أبو عمران موسى بن محمد بن موسى بن أحمد الصلحي ([44]) المرسي الشهير بابن حدادة، حدثه بالقراءات المذكورة عن الشيخ الفقيه الإمام النحوي المقرئ الحافل أبي عبد الله محمد بن أبي الحسن علي بن عبد الحق الأنصاري عرف بابن القصاب، عن شيخه الأستاذ المقرئ أبي الحجاج يوسف ابن الشيخ المقرئ أبي الحسن علي بن أبي العيش الأنصاري... ثم ساق السند كما تقدم في ترجمة ابن القصاب([45]). - "والشيخ الجليل الأستاذ النحوي المحقق أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الغافقي([46])، وحدثه بالقراءات السبع عن شيخه الفقيه المقرئ المحدث الراوية أبي بكر محمد بن محمد الأنصاري البلنسي الشهير بابن مشليون([47]) قراءة منه عليه لحروف الإختلاف بين القراء وتلاوة لبعض الكتاب بالقراءات المذكورة، عن شيخه القاضي أبي بكر([48]) بن أحمد ابن عبد المالك بن أبي جمرة عن أبيه أحمد عن الحافظ أبي عمرو...وذكر طرقا أخرى لابن مشليون عن الداني أبي عمرو الحافظ، ثم ذكر أبو عبد الله بن عمر من شيوخ شيخه أبي عمران بن حدادة: - الشيخ الأستاذ المقرئ المحقق أبا الحسن علي ابن الشيخ الصالح التقى الزكي الحاج أبي الربيع سليمان الأنصاري القرطبي ...وسنذكر إسناده للقراءات عنه في ترجمته بعون الله.ثم قال أبو عمران بن حدادة: - وحدثني بها أيضا الشيخ الأستاذ المقرئ المجود أبو القاسم محمد بن عبد الرحيم المعروف بابن الطيب([49]) ،أجاز لي ما تحمله عن شيوخه، منهم الشيخ الفقيه المقرئ المحقق أبو عمرو عياش بن أبي بكر الطفيلي([50]) ابن محمد بن عياش عرف بابن عظيمة، تحمل عن الأستاذ أبي الحسن علي بن جابر المعروف بابن الدباج أجاز لي جميع رواياته. -ومنهم الشيخ الأستاذ المقرئ أبو مروان([51]) عبد الملك بن موسى بن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري الشريشي، أجاز لي جميع ما تحمله عن شيوخه. -ومنهم الشيخ الأستاذ العالم العلم إمام النحاة وقدوة الفراض أبو الحسين عبيد الله بن أحمد([52]) ابن أبي الربيع أجاز له جميع ما تحمله عن شيوخه([53]). ومن هذه الإجازة تعرفنا على أهم أساتذة أبي عمران بن حدادة في القراءات وعلوم الرواية، وهم ـ كما تقدم فيها: 1- أبو عبد الله بن القصاب وبه بدأ. 2- أبو إسحاق الغافقي نزيل سبتة. 3- أبو الحسن بن سليمان نزيل فاس وشيخ الجماعة بها كما سيأتي. 4- أبو القاسم محمد بن عبد الرحيم بن الطيب نزيل سبتة. 5- أبو مروان الشريسي. 6- أبو الحسين بن أبي الربيع الإشبيلي نزيل سبتة، وكلهم أئمة كبار مشهورون بالتقدم في القراءة والعربية. 7- ومن أساتذته أيضا أبو جعفر بن الزبير (ت 708)، وقد اسند الشيخ ابن غازي "حرز الأماني" بالسند إليه عن ابن الزبير المذكور عن ابن شجاع الضرير([54]) عن الناظم أبي القاسم الشاطبي([55]). وهذا يدل على أنه تنقل في الأمصار المغربية والأندلسية فأخذ عن كبار المتصدرين في عصره، واستوعب الطرق المقروء بها للسبعة، كما روى المتون المعتمدة في القراءة كالحرز وغيره. صلته بابن القصاب: والذي يهمنا منه هنا خاصة هو ما أخذه عن ابن القصاب الذي نعته صاحب الإجازة نقلا عن الأصل الذي ينقل عنه ب"الشيخ الفقيه الإمام النحوي المقرئ الحافل"، وهي تحليات لا تكال لمثل ابن القصاب جزافا، وإنما تشعرنا كما يشعرنا تقديمه على مشيخته في الذكر باختصاصه به وتخرجه عليه في القراءات وعلومها وما كان يقوم عليه من فقه وعربية وغيرها. ولقد جاء السند عن ابن حدادة في رواية ورش خاصة عن الحافظ ابن الزبير، وذلك عند الإمام أبي زيد الجادري الذي يقول في سنده بقراءة نافع في أرجوزته "النافع في أصل حرف نافع":
وسيأتي رفع هذا السند في رواية ورش كما أثبته الإمام الجادري في أرجوزته باتصال القراءة إلى نافع بسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والمقصود هنا التنبيه على قيمة رجال ابن حدادة، وأنه أدرك كبار المشيخة: ابن أبي الربيع (ت688) وأبا القاسم بن الطيب (ت701) وأبا جعفر ابن الزبير (ت 708)، وكلهم من الأئمة الأعلياء السند، وقد شارك فيهم بعض أساتدته كأبي اسحاق الغافقي وأبي الحسن بن سليمان وربما شارك ابن القصاب أيضا في بعضهم، لأن الغموض يكتنف أخباره ورجاله. ومهما يكن فنحن مع ابن حدادة نقف على واحدة من أزكى ثمار هذه المدرسة في القراءة عامة وفي قراءة نافع خاصة، ولقد جاء الإسناد من طريقه عن ابن الزبير عند عامة من أسندوا هذه القراءة ممن أخذها بروايتها وطرقها العشر المشهورة "بالعشر الصغير" أو "العشر النافعية" التي تضمنها كتاب "التعريف" لأبي عمرو الداني كما نجد ذلك في إجازات المتأخرين وفهارسهم كابن غازي وابن القاضي وأبي زيد المنجرة وابن عبد السلام وغيرهم من الأعلام. آثاره وأهميته في المدرسة المغربية: 1- فهرسته: وهي التي ينقل عنها تلميذه أبو عبد الله بن عمر اللخمي كما تقدم في إجازة البوعناني في الغالب، ولا أعلم لها ذكرا في المصادر المعروفة. 2- بعض المؤلفات في القراءات: ولم أقف لها أيضا على ذكر في كتب المتأرخين،([57]) إلا أن في ذكرهم لبعض مذاهبه في الأداء ما يدل على وجودها ، وقد أشار أبو وكيل ميمون الفخار في "التحفة" إلى بعض اختياراته نقلا عنه في الغالب لأنه إنما أدرك من أدركه من الشيوخ، فقال في باب الهمز متحدثا عن مذاهب الأئمة من أهل الأداء في كيفية النطق بتسهيل الهمز:
ثم قال بعد تفصيل المذاهب الثلاثة:
وقد تعرض كثير من شراح الدرر اللوامع لهذه المذاهب الثلاثة، ومنهم أبو زيد عبد الرحمن بن القاضي وصاحبه مسعود جموع السجلماسي فقال في "الروض الجامع" عند ذكر تسهيل الهمز: "تنبيه": "اختلف القراء –رضوان الله عليهم- في كيفية النطق بالتسهيل، هل يجوز أن يسمع فيه صوت الهاء مطلقا كيفما تحركت الهمزة؟ وبه قال الحافظ أبو عمرو([60])، وبه الأخذ عندنا بفاس والمغرب، أم لا يجوز مطلقا، وبه قال أبو شامة والجعبري([61])، والقول الثالث لابن حدادة، فأجازه في المفتوحة خاصة دون المضمومة والمكسورة قال شيخنا مشيرا للأقوال الثلاثة:
وإنما يهمنا هنا من هذه القضية إبراز مكانة أبي عمران بن حدادة باعتباره أحد أئمة الأداء البارزين في هذا الطور ممن كان يعتد بأقوالهم واختياراتهم في مسائل الخلاف، وحسبه نباهة ونبلا أن يذكر مذهبه في مقابلة مذهبي الحافظين أبي عمرو الداني وأبي شامة الدمشقي، ولعلنا لو أتيح لنا التعرف على بعض آثاره لوقفنا على مزيد من الأمثلة الدالة على حذقه وإمامته ومكانته وصلته الوثيقة بهذه المدرسة الأصولية التي وضع قواعدها شيخه ابن القصاب.
[1] - تقدم في أكابر أصحاب أبي عمرو الداني. [2] - غاية النهاية 2/204 ترجمة 3265. [3]- من كبار العلماء المقرئئن المتصدرين بالزاوية الدلائية قرأ بفاس وأجاز له البوعناني وابن شعيب والقصار وغيرهم وخاطبه أبو علي اليوسي بأبيات وصفه فيها بإتقان القراءات –ترجمته في نشر المثاني 2/361-364. [4]- سيأتي في أصحاب ابن القصاب. [5]- تقدمت ترجمة ابن القديم وابن الفتوت في مشيخة الأقراء بفاس. [6]- هو محمد بن سعيد بن أحمد بن سعيد الأنصاري أبو عبد الله بن زرقون ، روي عن جماعة منهم أبو عبد الله أحمد الخولاني ومن طريقه علا اسناده وهو آخر الرواة عنه، ومنهم أبو الحسن شريح، ومنهم أبو الفضل عياض وجماعة ، توفي باشبيلية سنة 586. [7]- هو علي بن الحسن بن علي بن الحسين اللواتي الفاسي- تقدمت ترجمته. [8]- هو الشيخ الراوية أحمد بن محمد بن عبد الله الخولاني تقدم في أصحاب أبي عمرو الداني. [9]- هو أبو الحسن علي بن موسى بن قاسم الشلبي ذكره أبي الأبار في الآخذين عنه –التكملة- 1/432 ترجمة 1235. [10] - كذا في المخطوطة، ولعل الصواب "ابن النقاش" وهو محمد بن أحمد بن محمد بن سهل الأموي من أهل طليطلة ونزل مصر، وتصدر بالجامع العتيق بها للإقراء ترجمته في التكملة: 1/432 ترجمة 1235. [11] - هو المعروف بأبي داود الصغير تقدم في أصحاب أبي داود سليمان بن نجاح صاحب أبي عمرو الداني. [12] - هو ابن نجاح المذكور . [13] - إجازة البوعناني لأبي عبد الله محمد الشرقي م خ ح رقم 9977. [14] - تقدم التعريف به في شيوخ الأقراء بفاس على عهد الوحدة والتلاقح بين المدارس. [15] - تقدم التعريف به وبصاحبه أيضا. [16] - رقمه بها 12243 ز ويمكن الرجوع إلى وصفه في فهرسه الخزانة الحسنية 6/111.. [17] - وقد وقع خطأ في تاريخ وفاة مؤلفه في الفهرسة إذ جعلها جامعها سنة 762، في حين أن ما تقدم نقله عن أبي حيان يذكر وفاته في حدود 690. [18] - جمع سؤال ، وهي لغة قليلة الأستعمال، واشتقاق الجمع فيها من سال بلا همز. [19] - كذا والصواب "ما بين الأنفال وبراءة"، لأن الأنفال غير داخلة في الخلاف. [20] - قوله وليس في ذلك أثر يروى إلى آخرة هي عبارة أبي عمرو الداني بنصها في "التيسير" ص 18. [21] - هذا النقل بعينه نقله ابن القاضي في الفجر الساطع في باب المد عن كتابي الاقتصاد والتلخيص لأبي عمرو الداني. [22] - يعني الهمزة والسكون اللازم والإدغام. [23] - يراد بالطبيعي ما يعرف اصطلاحا بالقصر، ومقداره ألف. [24] - نحو ءامن وأوتي وإيمانا. [25] - أي قبل الهمز فيه حرف ساكن صحيح. [26] - قال في الختام: "كمل بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه الجميل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". [27] - ذكرنا "المقرب النافع" للقيجاطي في ترجمته، وأما كتاب ابن جزي فذكره صاحب درة الحجال 2/72 ترجمة 514. [28] - رواه عنه المجاري كما في برنامجه ص 87. [29] - سيأتي في مؤلفاته. [30] - مخطوط خ ح بالرباط نحت رقم 8864 وهو في الطرق العشر المروية عن نافع. [31] - سيأتي ذكره. [32] - فعل ذلك في كتبه الثلاثة "الأنوار السواطع على الدرر اللوامع "، وتنبيه العطشان على مورد الظمآن، والفوائد الجميلة على الآيات الجليلة "حيث بناها على "عشرين تنبيها" في كل باب. [33] - يمكن الرجوع إلى مقدمة تحقيق "الفوائد الجميلة للأستاذ عزوزي= إدريس- ومقدمة تحقيق "تحصيل المنافع" للأستاذ طالبون الحسن عند ذكرهما لأسلوب التأليف عند المؤلفين. [34] - اللفظ لابن آجروم في "فرائد المعاني" من باب الاستعاذة، ونحوه في القصد النافع "للخراز، ونقله المنتوري وغيره. [35] - إيضاح الأسرار والبدائع – عند قول ابن بري "والخلف عن قالون في المنفصل". [36] - المصدر نفسه عند ذكر الهمزتين من كلمة. [37] - كذا في المخطوطة، والمعروف ابن القصاب. [38] - الروض الجامع في شرح الدرر اللوامع –ذكره في باب الهمز عند ذكر "أ أشهدوا خلقهم". [39] - نقله في الروض الجامع في باب الإمالة . [40] -تقريب المنافع –ونقله ابن المجراد في إيضاح الأسرار والبدائع "عند قول ابن بري : "فالهمس في عشرة منها أتى". [41] -نقله ابن المجراد في الايضاح عند قوله "والغنة الصوت الذي في الميم والنون يخرج من الخيشوم. وله نقول كثيرة عنه في المخارج والصفات من شرحه. [42] - يظهر أنه بتخفيف الدال والحاء المهملة كما سيأتي، وقد حرف وصحف في "فهرسته ابن غازي" ص 39 بابن جرادة، والصحيح ابن حدادة كما في الفهرسة نفسها من رواية أبي جعفر البلوي في ثبته 464. [43] - الجذوة 1/347ترجمة 370. [44] - في الإجازة المخطوطة "الطلحي بالطاء". [45] - ص 14. [46] - تقدم في أصحاب ابن أبي الربيع بسبتة. [47] -ترجمنا له في مشيخة الاقراء بسبتة. [48] -في المخطوطة أبي محمد والصحيح ما أثبتناه كما تقدم في أسانيد كثيرة. [49] في المخطوطة محمد بن عبد الرحمن، والصحيح ما أثبتناه ، وهو محمد بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الطيب أبو القاسم القيسي الضرير، وقد ترجمنا له في مشيخة الاقراء بسبتة، إنتهت إليه رئاسة الأقراء بها، وكان يحفظ التيسير والكافي، ومات في رمضان سنة 701 –ترجمته في غاية النهاية 2/171 ترجمة 3131 والذيل والتكملة 6/370. [50] -كذا والمراد ابن الطفيل، وقد تقدم أنه أخذ القراءات عن أبيه وعن أبي الحسن شريح وترجمنا له في أصحابه. [51] - في الإجازة أبي عمران بن عبد .. و"الصواب ما أثبتناه من فرسه السراج، وسيأتي التعريف به في شيوخ ابن واش. [52] -في المخطوطة أبو الحسن علي بن عبد الله، والصحيح ما أثبتناه، وقد عرفنا به في المبرزين من المشيخة بسبتة. [53] -اجازة محمد بن محمد البوعناني لأبي عبد الله محمد الشرقي (م خ ح رقم 9977) وتاريخها أواخر رجب عام 1038. [54] - هو صهر الشاطبي وهو علي بن شجاع. تقدم في أصحب الشاطبي. (7) فهرسه ابن غازي 39.. [55] - فهرسه ابن الغازي 39. [56] - النافع في أصل حرف نافع "للجادري سيأتي التعريف بهذه الأرجوزة وبناظمها. [57] - وقفت أخيرا بعد كتابه ما تقدم على إشارة لبعض مؤلفاته في فهرسة أبي زكرياء السراج لوحة 154-155 في ترجمة شيخه أبي عبد الله بن عمر اللخمي حيث ذكر من شيوخ شيخه المذكور أبا عمران بن حدادة ،فذكر أنه تلا عليه للسبعة ختمة بطرق أبي عمرو الداني وأبي محمد مكي وأبي عبد الله بن شريح وأجاز له اجازه عامة في جميع ما يحمله وما صدر عنه من تأليف. [58] - يعني الإمام أبا شامة صاحب إبراز المعاني. [59] - تحفة المنافع لميمون الفخار (مخطوطة). [60] - لا أعلم للداني قولا صريحا بذلك في كتبه وسيأتي الرد على ذلك. [61] - قول الجعبري مذكور في كنز المعاني في باب الهمزتين، وقد نقله ابن القاضي في الفجر الساطع.. [62] - البيتان لأبي زيد بن القاضي ذكرهما لنفسه في الفجر الساطع عند إيراده لهذه المسألة. الفصل الثاني: أبو عبد الله بن آجروم الصنهاجي صاحب المقدمة الآجرومية في النحو. أما ثاني علم وقفنا عليه تخرج على أبي عبد الله بن القصاب من هذا الرعيل فهو أبو عبد الله محمد بن محمد بن داود الصنهاجي ثم الفاسي الأستاذ العلامة النحوي المقرئ المشهور بابن آجروم وصاحب "المقدمة الآجِرومية" المشهورة في النحو، وعليها قامت شهرته في المشرق والمغرب"([1]). ويعتبر أبو عبد الله بن آجروم ثاني أعظم النحويين الذين أنجبتهم المدرسة المغربية بعد أبي موسى عيسى بن عبد العزيز بن يللبخت الجزولي صاحب "الكراسة" أو "القانون" في النحو كما قدمنا، ولئن كان أبو موسى الجزولي إماما في القراءات([2]) مع أن أكثر من يعرفونه لا يعرفون منه إلا الجانب الذي أشهر فيه وهو النحو، فإن الأمر بالنسبة لأبي عبد الله بن آجروم لا يختلف أو يكاد، إذ قل من العارفين به من يعرف له إلى جانب فنه الذي اشتهر فيه نبوغه المتميز في القراءات، وسبب ذلك في الغالب هو ما نجده من تقصير كتب التراجم في حقه، إذ نجدها تقتصر في ترجمته على التحليات المألوفة دون أن تعتني بذكر مشايخه أو جملة مؤلفاته وآثاره. وقد نبه العلامة عبد الله كنون ـ رحمه الله ـ على هذا التقصير الذي كثيرا ما أزرى بعدد من العلماء الأجلاء وذلك في البحث الذي خصصه له في سلسلة الأعلام الذين ترجم لهم في "ذكريات مشاهير رجال المغرب"([3]). ترجمته: ومن الطريف ـ كما تقدم في شأن ابن القصاب ـ أن الترجمة الأقرب إلى الشمول في حقه هي ترجمة متلقاه من مصادر مشرقية، فقد عرف به الإمام السيوطي في البغية نقلا عن ابن مكتوم في تذكرته فقال فيه: محمد بن محمد الصنهاجي أبو عبد الله من أهل فاس يعرف ب"أكروم" ، نحوي مقرئ، وله معلومات من فرائض وحساب وأدب بارع، وله مصنفات وأراجيز في القراءات وغيرها، وهو مقيم بفاس يفيد أهلها من معلوماته المذكورة، والغالب عليه معرفة النحو والقراءات، وهو إلى الآن حي، وذلك في سنة تسع عشرة وسبعمائة. ثم نقل السيوطي عن الحلاوي في شرحه للجرومية قوله: "وكان مولد مؤلف الجرومية عام 672هـ، وكانت وفاته سنة 723 في شهر صفر الخير، ودفن داخل باب الجديد بمدينة فاس ببلاد المغرب([4]). ولقد كان من لطائف الأقدار أن كانت ولادة أبي عبد الله بن آجروم في السنة ذاتها التي توفي فيها الإمام أبو عبد الله ابن مالك صاحب الألفية المشهورة في النحو الذي توفي بالشام سنة 672، فنبه غير واحد ممن أرخ له بقوله مشيرا إلى هذا التوافق العجيب: توفي نحوي وولد نحوي([5]). أما نشأته وحياته الأولية فقد اكتنفها الغموض، فلا حديث في المصادر عنها، وكل ما ذكروه عنه وعن قبيلته ومقر سكناه أنه "كان من صنهاجة: عمل بلدة صفرو، لكنه ولد بفاس بعدوة الأندلس منها"([6]). ولقد اعتذر العلامة كنون في بحثه عنه منبها على قلة المعلومات عنه بقوله: "نشأ ودرس بفاس طبعا، وإن كنا لا نعرف شيئا عن نشأته ولا عن دراسته، حتى شيوخه الذين أخذ عنهم لم يذكرهم أحد، ما عدا أبا حيان النحوي صاحب التفسير الكبير المعروف ب"البحر المحيط"، فإنهم ذكروا أن المترجم أخذ عنه بمصر في طريقه إلى الحج" ([7]) . وهذا يقودنا إلى القول بأن المترجم كان خفي الشأن في أغلب حياته لا يكاد يعرفه إلا طلبته ورفاقه في الدرس والتحصيل، ولعله لذلك وبسببه اقتحمته عيون الطبقة المتنفذة فلم يؤثر عنه أنه كان على صلة بالسلطان مع ما قدمنا من حفاوة معاصريه من أمراء بني مرين بالعلماء وانتدابهم للكون في صحبتهم، ولذلك نجده عاكفا على الدرس والتأليف مكتفيا في سد رمق العيش ببلغة يستفيدها لعله من تعليمه للصغار ـ شأنه شأن صاحبه أبي عبد الله الخراز كما سيأتي في ترجمته ـ ولذلك ذكر أنه "كان من مؤدبي أهل فاس([8])، وكان يسكن بعدوة الأندلس منها([9]). وعلى الرغم من هذا المستوى الذي تذكره له كتب التراجم في التحليات المجملة التي تحليه بها، فإننا لا نكاد نجد له ذكرا في غير المجال العلمي الذي كانت مؤلفاته وآثاره هي التي نبهت فيه على مقداره، ونطقت برسوخ قدمه في هذا الشأن واقتداره، ولعل هذه الشهرة جاءته متأخرة، يضاف ذلك إلى أنه لم يكد يبلغ سن النضج والعطاء حتى وافاه الأجل ولما يتخط الخمسين إلا بنحو السنة. فإذا ضممنا إلى هذا زهده الشخصي في المنصب والجاه واختياره حياة التبتل العلمي والتفرغ للطلب والإفادة، أدركنا أي رجل كان، وأي عصامية كانت وراء ما قام له في المشرق والمغرب من شهرة وذيوع صيت، مما عبر عنه ولده أبو المكارم منديل بصدق في قوله مفتخرا بانتمائه إلى هذا البيت:
مشيخته وصلته بمدرسة ابن القصاب بفاس: وإن إماما هذا شأنه من الرسوخ في صناعة العربية والتقدم في القراءة وعلومها، والتفنن في المعارف جملة لحري أن يتعدد شيوخه، وأن يكونوا من النبل وشفوف القدر في هذا الشأن في الذروة العليا والمقام الأسنى. إلا أننا بالنسبة للمترجم نجد كتب التراجم أولا عن آخر لا تولي لذلك اعتبارا، ولا ترفع له منارا، حتى انتهى ذلك إلى الشيخ كنون فذكر أنه "لم يذكرهم أحد ما عدا أبا حيان النحوي صاحب التفسير" يعني أنه المذكور وحده. والحق أن الرجل لم يكن في هذا المجال نكرة من النكرات، وإنما هو ذنب التقصير في تتبع أخباره وقراءة آثاره. وقد أتيح لي بحمد الله أن أقف على ذكر إثنين من أعلام مشيخته أحدهما من المتصدرين للقراءة والعربية بفاس والآخر من المتصدرين لإمامة الأقراء بسبتة، هذا إلى جانب أخذه في رحلته المشرقية عن أبي حيان وربما عن غيره، مما يدل على أنه قد زاحم بالمناكب في حلقات العلم ولقي أكابر الشيوخ في رحلات عدة ذهبت أخبارها بذهاب أخباره وكثير من آثاره. أما شيخه الذي أخذ عنه بفاس فهو: 1- أبو عبد الله بن القصاب: زعيم هذه المدرسة وناشر لوائها، ومن العجيب أن يفوت ذكره جميع من ترجموا له في الكتب التي في أيدي الناس قديما وحديثا، مع شدة عنايته بذكره في تأليفه الباقي "فرائد المعاني" و إيراده لمذاهبه ابتداءا من باب التعوذ حيث ذكر ما قدمنا من زيادته لثلاث من صيغ الاستعاذة صدر لذكرها ابن آجروم بقوله: "وزاد شيخنا أبو عبد الله بن القصاب ثلاثة ألفاظ لم أقف عليها لغيره...([11]). وذكر أيضا في باب الهمزتين من كلمة مذهب شيخه في الفصل لقالون بالمد في مثل أ أنزل وأ ألقي مصدرا لذكره بقوله: "وكان شيخنا أبو عبد الله محمد بن القصاب..."([12]). ويمكن الرجوع إلى كتابه المذكور لتتبع نقوله وإشاراته إليه مما يدل على صلته الوثيقة به وارتسامه في أصحابه، وربما كان أستاذه في العلمين معا: القراءات والعربية، ولقد كان الظن به ـ أن يذكر في صدر شرحه المذكور على الشاطبية سنده بقراءتها أو بالقراءة بمضمونها على من قرأها عليه، ولكنه لم يفعل، واكتفى بما قدمنا عند ذكر شروح الحرز ـ بذكر بواعثه على التأليف في ذلك قائلا: "ولم أزل منذ حفظي لها مولعا بالنظر في معانيها، مغرى بتأمل مقاصدها ومناحيها... إلى آخر ما قاله في التصدير لشرحه المذكور([13]). ومهما يكن فإننا قد وضعنا ـ بتوفيق الله ـ أيدينا على أحد شيوخه الكبار وهو أبو عبد الله بن القصاب. 2- أبو القاسم محمد بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الطيب القيسي الضرير الخضراوي. -نسبة إلى الجزيرة الخضراء بالأندلس- نزيل سبتة المعروف بأبي القاسم بن الطيب الإمام الحافظ لمؤلفات الأئمة، و "علامة الغرب" كما وصفه ابن الجزري ([14]). وقد ترجمنا له ترجمة وافية في أصحاب أبي الحسن ابن أبي الربيع في المتصدرين المبرزين بسبتة. كما أشرنا إليه في مشيخة أبي عمران بن حدادةة عن قريب. ومستندها فيما ذكرناه من تتلمذ ابن آجروم عليه هو ما ذكره بنفسه في كتابه المنوه به آنفا عند قول الشاطبي ـ رحمه الله ـ
حيث تعرض لاستثناء ورش لياء إسراءيل من أصله في مد ما تقدم سببه من الهمز، على اختلاف بين الأئمة في مقدار ذلك، واختلافهم أيضا في استثناء لفظ "إسراءيل"، وقد نقل الإمام ابن المجراد عبارة ابن آجروم بعد أن تعرض للخلاف فيه بين الداني ومكي وابن شريح فقال: "وهذا الحكم المذكور إنما هو في الوصل، وأما في الوقف فقال ابن آجروم في "فرائد المعاني": "لا يجوز فيه إلا الطبيعي كما في الوصل، لأنه إنما ترك مد الياء في الوصل خوفا من أن يجمع في كلمة واحدة بين مدتين مع كونه أعجميا، وهذا بعينه موجود في الوقف ـ قال ـ: وقد سألت عن ذلك شيخنا أبا القاسم بن الطيب الضرير فقال ما هذا نصه...([15]). فهذا النص القيم عند ابن آجروم يضع أيدينا على أستاذ آخر من أساتذته الكبار الذين تخرج عليهم في القراءات وأصول أدائها وأقوال الأئمة في الاحتجاج لها وتوجيهها، ولا نستبعد أن تكون لابن آجروم رواية عن غير أبي القاسم من المتصدرين المبرزين بسبتة في زمن تصدره ممن عرفنا بهم في مشيخه الإقراء بسبتة كابن أبي الربيع وأصحابه. 3- وأما ثالث من عرفنا من أساتذته فهو الإمام محمد بن يوسف بن علي أبو حيان الغرناطي النفزي أثير الدين (654-745) نزيل القاهرة. عني كثير ممن رحل إلى الحج من المغاربة والأندلسيين بالأخذ عنه بين قراءة وسماع وإجازة، منهم الوادي آشي صاحب "البرنامج"([16]) والشيخ خالد البلوي الذي قرأ عليه بعض القرءان بالسبع، وبقراءة يعقوب([17])، وأبو عبد الله بن آجروم الذي لقيه بالقاهرة وسمع منه وأجازه في جميع مروياته ومؤلفاته([18])، ثم ابنه أبو المكارم محمد بن محمد المدعو بمنديل الذي أجاز له أبو حيان أيضا إجارة عامه في جميع تآليفه"([19]). مؤلفاته وآثاره: وعلى الرغم من كونه اعتبط وهو ما يزال في مقتبل العمر، فإنه ترك من الآثار القيمة في كل من القراءة والعربية ما لم يتركه المعمرون، سواء من حيث القيمة العلمية والعمق في المادة، أم من حيث التنوع والكم، مما يدل على خصب في القريحة ونبوغ خاص قل أن يوجد مثله في مثل السن التي ألف فيها، هذا إلى جانب انقطاعه للتأديب والتدريس وتعدد مجالات نشاطه كما وصفه أبو الوليد إسماعيل ابن الأحمر في ترجمة ولده منديل المذكور في قوله: "وأبوه أبو عبد الله محمد كان فقيها متقنا، أستاذا نحويا لغويا، مقرئا، شاعرا، بصيرا بالقراءات، ولم يكن في أهل فاس في وقته أعرف منه بالنحو"([20]). فرجل هذا شأنه وفي مثل السن التي توفي فيها لا ينتظر أن تكثر مؤلفاته، ولا أن تكون في مثل كتبه من العمق وغزارة المادة وسعة الأفق مع تعدد الفنون والمجالات، وقد تتبعت في المصادر أسماء مؤلفاته في القراءات بصفة خاصة فوقفت على ذكر أسماء المصنفات التالية ما بين منظوم ومنثور: 1- جزه المشهور المسمى ب "البارع في قراءة نافع" وسيأتي ذكره بتمامه بعد أن وفق الله للعثور عليه.
2- رجزه الآنف الذكر الذي نظم فيه كتاب "التيسير" لأبي عمرو الداني وسماه "التبصير في نظم التيسير" وهو من آثاره المفقودة منذ زمان، وقد تقدم ذكره فيما قام على "التيسير" من نشاط علمي وكذا في معارضات "حرز الأماني" للشاطبي، ولم أقف بعد البحث الطويل من هذا الرجز إلا على قوله فيه في باب الزوائد :وفي التلاقي والتنــادي الخـــافعن ابن مينا، والصحيح الــحذفذكره له معزوا إلى الرجز المذكور كل من المنتوري وابن القاضي في باب الزوائد من شرحيهما على درر ابن بري. 3- كتاب "روض المنافع"، ولعل تمامه في "قراءة نافع" كما تدل عليه النقول عنه. وهو تأليف نثري أكثر من النقل منه المنتوري في شرحه على ابن بري ابتداء من مقدمته عند ذكر بيان معنى الحمد، ثم في باب ميم الجمع في ذكر اللغات الواردة فيها بالضم والصلة والإسكان، ثم في باب المد والإمالة والراءات وغيرها. 4- كتاب فرائد المعاني في شرح حرز الأماني، وبعضهم يسميه "فوائد" بالواو والصواب الأول كما في مخطوطته الباقية بخط مؤلفه بالخزانة العامة بالرباط([21]). وهو من الشروح المغربية النفيسة على الشاطبية ومن مفاخر المكتبة المغربية وقد وجدت طلبة الدراسات الإسلامية يتهيبون الإقدام على تحقيقه حتى الآن. 5- أرجوزة في ألفات الوصل، أولها قوله:
وهي في ثلاثة عشر بيتا([22]). هذه هي جملة ما تأتى لنا الوقوف عليه من آثار ابن آجروم في القراءة وعلومها. ولا شك أن هذه الآثار كافية عندنا وحرية بأن تضعه في مكانته العلمية بين رجال هذا الرعيل من رواد المدرسة الأصولية المغربية في قراءة نافع في عهد ريعانها وباكورة شبابها، وخاصة منها شرحه النفيس على حرز الأماني الذي عل منه ونهل عدد كبير من أئمة القراءات بالمغرب، وخاصة رجال المدرسة الفاسية كالخراز في شرح ابن بري، وابن المجراد في شرحه أيضا، وابن شعيب في كتابه "إتقان الصنعة في التجويد للسبعة"([23]) وسواهم كثير. ويهمنا من تراث أبي عبد الله بن آجروم هنا أن نعرف بأرجوزته السائرة المسماة ب"البارع" لأنه بها من جهة السَّبْق مثل الريادة المطلقة في هذا المضمار بالنظم في قراءة نافع في هاتين الروايتين، رواية ورش ورواية قالون، من بين رجال المدرسة المغربية لهذا العهد، وكان نظمه لأرجوزته المذكورة قبل انتهاء المائة السابعة بنحو أربع سنوات أي سنة 696 هـ أي قبل نظم أبي الحسن بن بري للدرر اللوامع بسنة واحدة أو نحوها كما سيأتي في موضعه من هذه السلسلة بعون الله.
الفصل الثالث: أرجوزته "البارع في قراءة نافع" في نصها الكامل. طلبت هذه الأرجوزة نحو الخمسة عشر عاما أي منذ أن بدأت أحضر أول بحوثي في ميدان القراءات، فلم أدع خزانة قدرت على البحث فيها أو استفسار أصحابها أو الكتابة إليهم إلا فاتحتهم في ذلك، ولم أدخر وسعا أيضا في سؤال من آنست عندهم شيئا من الاطلاع على المخطوطات إلا سألتهم عن خبرها وما يعلمونه عنها فلم أحظ إلا بمعلومات زهيدة جدا لا تنقع غليلا، ولا تشفي عليلا، وأكثر من وجدت عندهم علما بها كانوا يحيلونني على بضعة أبيات ذكرها ابن القاضي وغيره منها في ترجمة نافع من شرحه على ابن بري مصدرة بقوله "روى القراءة أو رؤيم... إلخ. وكنت وقفت على ذكر وجود قطعة من "البارع" في مجموع محفوظ بالخزانة العامة بتطوان([24]) فإذا بها الأبيات نفسها المذكورة في شرح ابن القاضي دون زيادة، مما كاد يقطع أملي في الوقوف عليها، ثم تجدد هذا الأمل حين رجعت إلى السلسلة التي ألفها الشيخ العـلامة عبد الله كنون ـ رحمه الله ـ في "ذكريات مشاهير رجال المغرب" فإذا بي أجده في العدد 24 الذي خص ابن آجروم به يذكر هذه الأرجوزة في مؤلفاته فيورد تاريخ فراغ الناظم منها ثم يسوق خمسة أبيات من أولها مما يقطع بأنه وقف عليها في نصها الكامل، لأن التاريخ المتعلق بنظمها إنما أورده الناظم في آخرها، فتبين لي أن الشيخ قد وقف منها على أصل كنت على أمل أن أتصل به في شأنه فتوفي قبل تمكني من ذلك فضاع مني آخر خيوط الأمل، ثم مضى على ذلك نحو خمس سنوات، وإذا ببعض أصدقائي الذين طالما شكوت إليهم بثي في شأن الأرجوزة يفاجئني بها مصورة عن أصل مخطوط بالخزانة الصبيحية بسلا في مجموع بها يحمل رقم 306، وليس للأرجوزة في المخطوط عنوان بارز ولا شيء يرشد إلى موضوعها أو يعرف بصاحبها، إلا ما يفهمه القارئ المتعجل من مطالعها من تسمية ناظمها لنفسه بما زاد في إبهامها لدى غير الباحث المتخصص، وهنا حمدت الله حمدا كثيرا على هذا الفتح الجديد، وذكرت قول الشاطبي رحمه الله في عقيلته مدافعا عن الإمام مالك في قوله عن مصحف عثمان: إنه ضاع:
وهذا نص أرجوزة "البارع" أثبته اعتمادا على هذه النسخة التي كنت عند إنجاز البحث لا أعلم لها ثانية في الخزائن الرسمية ولا غيرها:
[1] - يقال لها الجرومية والآجرومية نسبة إلى ابن آجروم، وقد طارت شهرتها شرقا وغربا واعتمدها عامة أهل العربية منذ ظهورها إلى زمن قريب، وفي بعض البوادي إلى اليوم، وقد فاقت شروحها الحصر، وقد ذكر العلامة كنون أنه في زمن دراسته كان يردد النظر بين عشرة شروح لها أو تزيد فضلا عن الشرح المقرر الذي كانت به القراءة وهو شرح الشيخ خالد الأزهري (ذكريات مشاهير رجال المغرب –ابن آجروم ص 20). وطبعت الأجرومية أول طبعاتها بروما سنة 1592، وترجمت إلى اللاتينية والانجليزية والألمانية والفرنسية –ينظر في ذلك دائرة المعارف الإسلامية – ومعجم المطبوعات لإلياس سركيس. [2] - غاية النهاية 1/611- ترجمة 3493. [3] - ينظر ذكريات مشاهير رجال المغرب –ابن آجروم 9-10، نشر دار الكتاب اللبناني، بيروت . [4] - بغية الوعاة 1/238-239 ترجمة 434. [5] - ينظر في ذلك درة الحجال 2/109 ترجمة 552- وجدوة الإقتباس 1/221-222 ترجمة 189- وذكريات مشاهير رجال المغرب –ابن آجروم- 9-10. [6] - ذكريات مشاهير رجال المغرب –ابن آجروم 9-10. [7] - نفسه 10. [8] - عبارة ابن القاضي في درة الحجال: كان من مؤدبي أهل مدينة فاس 2/109. [9] - جذوة الإقتباس 1/221-222. [10] - تقدمت لنا مقتطفات من هذه القصيدة عند ذكر العناية بالشاطبية في المدرسة المغربية في ترجمة الشاطبي. [11] - فرائد المعاني (مخطوط)، ذكره عند قول الشاطبي: "إذا ما أردت الدهر تقرأ فاستعذ.. الأبيات. [12] - المصدر نفسه عند قوله: "ولا مد بين الهمزتين هنا ولا بحيث ثلاث يتفقن تنزلا". [13] - يمكن الرجوع إلى ما قدمناه في العرض الموجز الذي عرفنا به شرحه هذا ضمن شروح الشاطبية. [14] - غاية النهاية 2/171 ترجمة 3131.. [15] - تقدم نقل هذا النص مع قول أبي القاسم ابن الطيب في عدد سابق من هذا البحث ويمكن الرجوع إليه. [16] - برنامج الوادي آشي 74-76. [17] - ينظر في ذلك ديوان رحلته "تاج المفرق في تحلية علماء المشرق" 1/227-230. [18] - تقدمت الإشارة إلى ذلك. [19] - ترجمته في فهرسة السراج وهو من تلاميذه ، وقد ذكر أنه رحل لأداء فريضة الحج سنة 741- فهرسة السـراج مجـلد1 لوحة 313. – وله ترجمة في نيل الابتهاج 347 وشجرة النور الزكية وجذوة الاقتباس 1/233-234. [20]- نثير الجمان لابن الأحمر المنشور باسم "أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن" 416-417. [21]- يمكن الرجوع إلى مخطوطته المذكورة بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم 146ق (مجلدان) وقد عرفنا به في شروح الحرز. [22]- وقفت عليها مخطوطة بخزانة أوقاف آسفي العتيقة في مجموع كان محبسا على المسجد الأعظم بها. [23]- كان الكتاب موضوع دراسة وتحقيق لصديقنا الأستاذ حسن صدقي من مدينة اليوسفية في رسالة دبلوم بإشراف أستاذنا الدكتور التهامي الراجي الهاشمي في مجلدين. [24]- هي الأبيات التي نقلتها في ترجمة نافع في العدد الأول ص 234 من هذا البحث وهي مسجلة بالخزانة العامة بتطوان تحت رقم 148 في مجموع ضمن الصفحة رقم 210 منه وبعدها ثلاثة أبيات من المنبهة لأبي عمرو الداني. [25]- عقيلة أتراب القصائد لأبي القاسم الشاطبي رقم البيت 42. [26]- هنا انتهى ما ذكره الشيخ كنون منها، وقد علمت أخيرا بوجود أرجوزة ابن آجروم مخطوطة في مجموع ضمن ما تحتويه خزانة الشيخ كنون رحمه الله، وقد جعلت الخزانة أخيرا في متناول القراء والرواد بمدينة طنجة شكر الله للشيخ هذه المبرة والمأثرة الجليلة وتغمده برحمته الواسعة. ثم صدر مؤخرا فهرس خزانة عبد الله كنون بنشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالرباط وفيه جاء ذكر وجود أرجوزة البارع فيها تحت رقم 10503 بعنوان منظومة في القراءات للعلامة ابن آجروم (فهرسة مخطوطات مكتبة عبد الله كنون: 312).
email: better772@yahoo.ca |




















![صورة 2307: سعادة الأستاذ الدكتور وليد إبراهيم القصّاب [الاثنينية: 312، الجزء: 24]](http://www.alithnainya.com/common/imageResizing/send_binary.asp?image=/photos/images/2307.jpg&width=500&Interpolation=1&sharpen=0&sharpenvalue=0&Rotate=0)



